يوميات الأخبار

٢ مليون فدائى

السيد النجار
السيد النجار


لا تظلموهم.. جنسية العدو فرضت عليهم.. هم مرابطون.. مقاومون أصحاب الأرض وأهل الشهادة.. لا يخافون فرعون ولا هامان.. ويخشاهم نتنياهو وبن غفير..!!
 

من رحم المعاناة والألم.. تولد النكتة.. السخرية.. قد تكون من نفسك أو الآخرين.. جلسة سمر فى ليلة مقمرة على شاطئ غزة صيف ١٩٩٦.. رجل أعمال فلسطينى شاب يشتكى مرارة المعاناة لممارسة تجارته مع الدول العربية.. وفجأة.. صمت.. ابتسم.. قال يبدو أن هذا حال الفلسطينى فى الدنيا والآخرة.. قال.. وقف فلسطينى على باب الجنة.. قالوا له اسمك مش موجود.. ذهب إلى النار.. قالوا.. اسمك مش موجود.. تظلم.. سألوه ما هى جنسيتك؟.. قال فلسطينى.. تلقى ردا..آه.. أنت لاجئ.. لا مكان لك.. لا فى الجنة ولا النار.. قهقهة من الجالسين.. الفلسطينيون.. أى شيء يضحكهم.. والقليل من الحياة يسعدهم.. يعون جيدا أنهم شهداء فى قائمة الانتظار.. يجتهدون فى اغتنام اللحظة فقد تكون غدا.

أتذكر هذه المزحة المؤلمة أكثر منها مضحكة، مع أى ذكر للفلسطينيين الذين يعيشون داخل إسرائيل..لا جنة العرب طالوا.. ولا نار إسرائيل.. الشعوب العربية تسميهم «عرب 48» وهو المسمى الذى أطلقته الدعاية الصهيونية حينها، وترفض حتى اليوم ذكر مسمى فلسطينى.. والشعب الفلسطينى فى الشتات والضفة وغزة يطلق عليهم.. «فلسطينيو الداخل».. وإسرائيل تقول «الأقلية العربية».. وكأنهم لا هوية لهم.. لا هم فلسطينيون.. ولا إسرائيليون.. هم 2 مليون فلسطينى حاملو الجنسية الإسرائيلية.. يعيشون فى القدس والمدن والقرى الفلسطينية التى احتلتها إسرائيل فى حرب 1948.. لم يتركوا بيوتهم وأراضيهم.. وكان عددهم حينها 800 ألف.. كثير من العرب يعتبرونهم خونة وعملاء.. روجت الدعاية الإسرائيلية أنهم فضلوا البقاء تحت الاحتلال.. وسعوا للحصول على الجنسية الإسرائيلية..  والإسرائيليون يعتبرونهم «طابور خامس».. لا ولاء لديهم لدولة إسرائيل.. ويرفضون تجنيدهم.. ويلاقون أسوأ معاملة.. وأقل خدمات وحقوق.. وكأنهم مواطنون من الدرجة الـ 17.

هؤلاء.. فرضت عليهم الجنسية الإسرائيلية رغما عنهم.. عندما صدر قرار التقسيم عام 1947.. كان عدد السكان اليهود 300 ألف يمتلكون 6٪ من الأرض.. والفلسطينيون مليون ومائة ألف يمتلكون 94٪ من الأرض.. ورغم ذلك منح القرار مساحة إسرائيل 56٪ من الأرض وفلسطين 44٪. لذا رفضه العرب وكانت حرب 48 التى استولت فيها إسرائيل على مساحات إضافية، من بينها 200 مدينة وقرية فلسطينية.. فرضت إسرائيل عليهم الجنسية بهدف زيادة عدد سكانها، وإثبات سيادتها على المناطق التى احتلتها.. سبب آخر.. عام 49 اشترطت الأمم المتحدة لقبول عضوية إسرائيل بها تقديم ضمانات تحفظ حقوق الفلسطينيين تحت الاحتلال.. وكعادتها تحايلت إسرائيل على الطلب بمنح الجنسية لمن بقى منهم.

طوال هذه السنوات.. ظل هاجس الخوف من انتمائهم العربى الفلسطينى قائما.. عبر عنه كثيرون.. منهم المفكر الروسى الصهيونى جابوتنسكى قال عام 1970.. هؤلاء قنبلة موقوتة.. لن يدينوا بالولاء لإسرائيل حتى لو قدمت لهم السعادة ليل نهار على طبق من ذهب.. هم فلسطينيون.. وسيظلون.. وينحازون لشعبهم فى أى وقت وتحت أى ظروف سيشهرون سلاحهم فى وجهكم.. وبالفعل.. حاولت إسرائيل التخلص منهم بتشجيعهم على التنازل عن الجنسية وساعدتهم فى الهجرة مقابل مبلغ مالى لكل فرد.. ولكنهم يرفضون.. هم أصحاب الأرض.. المرابطون.. حماة القدس.. هم البركان الذى انفجر فى وجه كل إسرائيلى.. مع بدء حرب الإبادة لأهلهم فى غزة.. انطلق الرشاش من جوة الضلوع.. هب أحفاد الأمجاد.. جاءت اللحظة وحانت الظروف.. انطلقوا فدائيين.. لا يخافون فرعون ولا هامان.. وإن حملوا أسماء بايدن وترامب ونتنياهو وبن غفير.. حسب الإحصائيات الإسرائيلية.. نفذ أبطال منهم ٢٤ عملية استشهادية.. عدا ما تم إحباطه.. عمليات دهس.. إطلاق نار.. طعن بالسكين.. تفجير مفرقعات.. فى كل مكان.. وفى أى وقت.. فى الحافلات.. الأسواق.. محطات القطارات.. المقاهى والحانات.. رعب يعيشه كل إسرائيلى.. لا يعرف.. متى ومن أين سيأتى حتفه.. كل منهم يشك فى الآخر.. بينهم يعيش ٢ مليون فدائى.. يتحدثون لغتهم وإسرائيليون مثلهم!.. بعض الشخصيات السياسية والأمنية والإعلامية الإسرائيلية تقول.. هذه هى الكارثة الحقيقية.. نواجه غزة والضفة ولبنان بالطائرة والمدفع والصاروخ.. لكن هؤلاء ماذا نفعل معهم.. هم بيننا ولا نعرفهم إلا حين ينقضون علينا؟!

لا تظلموهم.. حان وقت اعتذار كل من شك فى وطنية وهوية هؤلاء الفلسطينيين الأبطال.

المشكلة.. فى من؟

المشكلة ليست فى نتنياهو.. لا كذبه.. ولا إرهابه.. ولكن فيمن يصدقون المجرم بقرار دولى.. هو قالها بقوة.. ووضوح.. وعجرفة.. قال..لا أوسلو ولا مدريد.. ولا مبادرة عربية ولا أفكار أمريكية ولا أرض مقابل السلام، ولا أمن ولا استقرار.. لا دولة فلسطينية ولا حتى سلطة مركزية.. لا نعرف شيئا اسمه فلسطين.. ولا نرى شعبا فى الكون اسمه الشعب الفلسطينى.. كل ما يقوله نتنياهو.. لا..لا.. نعم وحيدة هى التى يعرفها وعبر عنها منذ ٣٠ عاما فى كتابه «مكان تحت الشمس». قال نعم للسلام بالقوة.. العرب لا يعرفون غير القوة.. وبالسلاح سنجبرهم على السلام معنا.. القوة الرادعة هى التى تجبر العرب على توقيع اتفاقيات سلام.. هم الذين سيهرولون للتطبيع معنا بالردع وليس حبا منهم فى السلام.. المكان الذى يراه نتنياهو لإسرائيل لن يتحقق إلا بفرض هيمنتها فى الشرق الأوسط.. لا سلام بالمفاوضات.. ولا اقتسام للأرض.. كامل أرض إسرائيل «حسب أساطيرهم فى التوراة» هو القاعدة التى يلتف حولها الشرق الأوسط الجديد، الذى ستفرضه بالقوة فقط.. وهو ما أكثر الحديث عنه هذه الأيام.

هذه مبادئه ولا يحيد عنها.. وبدأ فى تنفيذها!

اختبار النسيان

الصديق العزيز محمد درويش الكاتب الصحفى المتميز.. عرفته فى الجامعة باسم محمد محمود.. وعندما زرته فى بيته فإذا به بين الأصدقاء والأقارب يعرفونه بمجدى.. وفوجئت عندما التحقت بالأخبار باسمه محمد درويش.. هذا كفيل بأن ينسى الإنسان نفسه.. أنا مين.. ولا أعرف ما هو أحب الأسماء إليه.. درويش سعيد هذه الأيام.. لأنه اجتاز اختبار قوة الذاكرة.. عدم النسيان.. النجاة من الزهايمر «الألزهايمر» كما أحب كتابتها فى مقاله «وجدانيات». ما كتبه يدعو للاهتمام ويثير الشجون.. سواء كان الإنسان فى بداية العقد الثامن أو حتى الثالث.. لفت اهتمامى توارد الخواطر ورغبتى فى الكتابة عن قضية .. تلامس ما كتبه.. ولكننى أكتفى اليوم بالتعقيب على ما كتبه.. كيف تكون دائما متقد الذهن ولا تعانى من النسيان.. هى قضية محسومة من مئات السنين.. بل الآلاف.. منذ نزول الأديان السماوية.. ومرورا بفلاسفة اليونان.. أرسطو وأفلاطون وغيرهما.. وحتى علماء العصر الحديث، علماء فى كل ما يخطر على بالك من فروع المعرفة.. توصلوا جميعا.. حتى تعيش سليم النفس والجسد والعقل والروح.. واختصار للقارئ جانبا من نتائج مئات الأبحاث والتجارب والكتب..

وأساسه اليقين.. لن يصيبك إلا ما كتب الله لك.. لن يضرك إنسان أو ينفعك إلا بما قسمه الله. كل الأديان السماوية تشير إلى ذلك.. وأضاف العلماء.. صفاء العقل والقلب.. والابتعاد عن القلق والتوتر.. وأفاضوا فى تأكيد القوة الخارقة للإرادة.. ففى هذا العمر.. حياة الإنسان خلفه وليست أمامه.

هذا موضوع يطول فيه الحديث.. ولنا عودة يا أستاذ محمد محمود.. أووه يا أستاذ مجدى.. آسف نسيت يا أستاذ محمد درويش؟!

همس النفس

سكناها بعيدة الدار.. ولكنها فى سكنى الفؤاد قريب

سلو قلبى.. كثيرا فى الحب غدروا.. وهى تحفظ للهوى من عهود

أهواك وضاحة الجبين.. فى ليلة ظلماء وبدرا يلوح منه الضياء.. أهواك.. وأغار من قلوب تصبو ميل فؤادك.. أهواك وقلبى أنت معذبه.. فرفقا بمن أضناه هواك.