بعد إنهاء طالب حياة زميله ببورسعيد| «مدارس الصنايع».. طعنة نافذة في قلب التعليم الفني

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


سلطت واقعة مقتل طالب على يد زميله في إحدى مدارس التعليم الفني بمحافظة بورسعيد، بداية هذا الشهر، الضوء على أوضاع الانضباط المدرسي داخل مدارس الدبلومات الفنية، والتي دائما ما تكون أكثر عرضة لوقوع حالات عنف بين الطلاب لأسباب مختلفة، وكان ذلك يظهر بوضوح في السابق قبل أن يصبح هناك أنواع مختلفة من أنواع التعليم الفني بعضها يستقطب الطلاب المتفوقين في المدارس الإعدادية، غير أن تراجع الاهتمام بالمحتويات التعليمية إلى جانب تراجع المستوى التعليمي للطلاب يجعل هناك فرصة لتسلل السلوكيات العنيفة إلى داخل الحرم المدرسي.

◄ صالح نجدي: مدارس الفتيات تشهد وقائع عنف مماثلة

◄ نائب وزير التعليم: الحوادث خارج الأسوار.. ومضاعفة جهود التوعية

وشهدت مدرسة بورسعيد الميكانيكية بمحافظة بورسعيد واقعة إقدام طالب بالصف الأول الثانوى  بطعن زميله بسلاح أبيض، مما أدى لوفاته، بعد نقله إلى المستشفى فى  حالة حرجة متأثراً بإصابته بطعنة نافذة فى  القلب، وحاولت أطقم الرعاية الطبية فى  المستشفى إنقاذه إلا أنه فارق الحياة متأثراً بإصابته، بعد هبوط فى  الدورة الدموية أدى لتوقف عضلة القلب.

◄ غياب الانتظام

وعانت المدارس الفنية على مدار سنوات طويلة من غياب الانتظام الدراسى، وبالتالى  فقدان القدرة على تحقيق الانتظام الكامل للمنظومة التعليمية داخلها، وتسببت النظرة السلبية للمدارس الفنية فى  هروب الطلاب من الالتحاق بها وكانت معدلات انضمام الطلاب إلى مدارس الثانوية العامة تفوق نظيرتها الفنية قبل أن تبدأ النسبة فى  اتخاذ مؤشر عكسى  السنوات الأخيرة، وفى  حال وجد الطلاب أنفسهم أمام حتمية الالتحاق بها فإن كثيرين لم يكن لديهم الرغبة فى  التواجد داخلها، وهو ما كان يتسبب فى  مشكلات عديدة نتيجة عدم تعرف الطلاب على المناهج العملية وفى  كثير من المرات تدخلت الوزارة للسماح للطلاب الغائبين بخوض امتحانات نهاية العام.

وفي مصر 3114 مدرسة فنية من إجمالى  أكثر من 50 ألف مدرسة ويلتحق بها ما يقرب من 3 ملايين طالب، وهو ما اعتبره الدكتور الراحل محمد مجاهد، نائب وزير التربية والتعليم لشئون التعليم الفنى  سابقا ، رقما كبيراً مقارنة بعدد السكان بل واعتبره من أكبر النسب حول العالم.

وفي تصريحات أدلى بها مجاهد فى  شهر ديسمبر من العام الماضى  فإن 55% من الطلاب الحاصلين على الشهادة الإعدادية ينتقلون للتعليم الفنى  بينما 45% يتوجهون للثانوية العامة، موضحا أن تاريخ التعليم الفنى  فى  مصر يرجع إلى عهد محمد على، والمصريون مميزين فى الأعمال المهنية من عهود طويلة.

◄ المدارس بلا حماية

يقول أحد معلمي  مدارس التعليم الفني، رفض ذكر اسمه، إن طبيعة العنف بين الطلاب تجعل المعلمين غير قادرين على التعامل معه، وأن القوانين الجديدة المرتبطة بلائحة الانضباط المدرسى  لا توفر الحماية الكاملة للمعلم، والأكثر من ذلك أن الطالب قد يقوم بالتعدى  على المعلم وفى  هذه الحالة سوف تتحول إلى مشكلة بين المعلم والطالب، وهناك الكثير من الواقع التى  ندم فيها المعلمون على التدخل بعد أن فشلوا فى  التعامل مع عنف الطلاب.

وأضاف أنه فى  حال فشل المعلم فى  احتواء الطالب فإن السيطرة عليه تصبح صعبة وتبقى المهمة أكثر صعوبة فى  مدارس التعليم الفنى، والطلاب يتعاملون مع معلميهم الند بالند، وهناك حوادث صعبة أغلبها يقع بسبب ارتفاع كثافات الفصول والعجز الكبير فى  أعداد المعلمين وهو ما يجعل هدف المعلم الأول محاولة شرح المنهج الدراسى  والاهتمام بالجوانب التعليمية التى  تتماشى مع الوضع الراهن داخل المدرسة.

وأشار إلى أن طلاب المدارس الفنية لا يلتقون مع بعضهم البعض بشكل يومى  وهناك طلاب لا يأتون  إلى المدرسة سوى للامتحانات وبالتالي تبقى هناك مجالات عديدة للخلافات بين الطلاب دائما ما تتحول إلى اشتباكات، وفى  المقابل فإن المعلمين يجدون صعوبة فى  الفصل بين الطلاب وليس لديهم القوة الجسمانية وكذلك القوة القانونية التى  تجعلهم فى  وضع يُمكنهم من فض الاشتباك.

وأوضح أن الظاهرة الخطيرة هذا العام تتمثل في دخول الطلاب بالسلاح الأبيض إلى داخل الحرم المدرسي، ولعل ذلك ما تسبب في وفاة طالب بورسعيد، ومن الممكن أن تتكرر الواقعة في حال لم يكن هناك تفتيش قوى  للطلاب قبل دخول المدرسة مع قلة عدد المشرفين وتراجع قدرة المعلمين على استباق وقائع العنف فإن الطلاب يتولد لديهم شعور بالرغبة في حمل السكاكين أو المقصات الكبيرة وغيرها من الآلات الحادة.

◄ اقرأ أيضًا | حصاد الأسبوع في وزارة التربية والتعليم

◄ مدارس الفتيات

«العنف داخل المدارس الفنية لا يقتصر على البنين فقط، فمدارس الفتيات أيضا تشهد وقائع عديدة بين الطالبات»، حسب ما يؤكد صالح نجدى، خبير التعليم الفنى، مشيراً إلى أن مدارس التعليم العام تعانى  أيضا زيادة معدلات العنف هذا العام، وأن غياب الأهداف المستقبلية لدى طالب التعليم الفنى  تجعله أكثر عنفا، بفعل الفراغ الذى  يواجهونه وفى  ظل ضيق أفق التفكير وانتشار ما يمكن وصفه بـ«الأدمغة الفارغة»، وغياب المتنفس الذى  يمكن للطلاب أن يفرغ فيها طاقته المكبوتة، ومع انتشار ممارسات العنف والبلطجة بوجه عام داخل المجتمع.

وأشار إلى أن أسباب زيادة معدلات العنف بالمدارس الفنية ترجع أيضا للضغوط التى  يعانيها المعلمون داخل هذه المدارس ومع تزايد استخدام الأسلحة البيضاء داخل المدرسة، إلى الدرجة التى تجعل هناك طلاب يقومون بالاعتداء على زملائهم داخل الفصل وسرقة ممتلكاتهم وكذلك مشكلات عدم تواجد الكثافة الأمنية التى  يمكن أن تسيطر على الأوضاع فى  محيط المدرسة وبما يشكل عامل ردع مهما للطلاب.

وشدد على أن غالبية طلاب التعليم الفنى  لا يلتزمون بقرارات استدعاء ولى  الأمر وتجد المدرسة صعوبة فى  التواصل مع الأهالى  بعكس باقى  المدارس والطالب يبقى على قناعة على أنه أصبح مستقلاً نتيجة لعمله أثناء الدراسة، موضحاً أنه رغم تطبيق منهج التوجيه والإرشاد المهنى  وهى  مادة ثرية أشرفت على وضعها المنحة الألمانية لكن لا يوجد اهتمام كافٍ  بها ولا يتم تحويلها إلى نشاط يمكن أن يستفيد منه الطلاب عمليا فى  حين أن المادة مفيدة للغاية للمعلمين قبل الطلاب.

اعتبر نجدى  أن لائحة الانضباط المدرسى  التى  أقرتها وزارة التربية والتعليم هذا العام مناسبة لكن المشكلة تبقى فى  تطبيقها دون تدخل جهات عديدة لوقف العقوبات الرادعة ضد الطلاب، لافتاَ إلى أن نظرة الطلاب أنفسهم إلى المجتمع بأنه يقوم على الصراعات والقوة يضطر البعض منهم لاستخدام أساليب البلطجة كنوع من التعبير عن القوة بما يساعده على حماية نفسه.

◄ خارج الأسوار

وقال الدكتور أيمن بهاء الدين، نائب وزير التربية والتعليم للتعليم الفنى، إن غالبية حوادث العنف التى  تقع فى  المدارس تبقى خارج أسوار المدرسة وأن الوزارة تركز على كيفية تحقيق الانضباط بشكل كامل داخل الحرم المدرسى  وإن جهود التوعية ستكون مضاعفة، كما أن الوزارة تسعى لتحقيق الانضباط من خلال تعزيز جهود المتابعة والمراقبة ويكفى  أن قيادات الوزارة قامت حتى الآن بزيارة أكثر من 2000 مدرسة منذ بداية العام الدراسى  إلى جانب لقاء ما يقرب من 7000 مدير إدارة ومدرسة.

وأضاف أن وزارة التربية والتعليم تسعى لأن تكون مادة التربية الدينية ضمن المواد المضافة للمجموع مع إضافة القيم المشتركة للدين الإسلامى  والمسيحى، بما يساهم فى  تحسين الاهتمام بالمحتويات التى  تدعم المعاملات الأخلاقية بين الطلاب وبما يعزز من مفهوم التربية داخل المدرسة.

وأكد أن التعليم الفنى  يشهد انتظاما فى  حضور الطلاب منذ بدء تطبيق منظومة الجدارات قبل خمس سنوات والآن هناك انتظام تصل نسبته إلى 90% من إجمالى  عدد الطلاب على مستوى الجمهورية، لافتا إلى أن مشكلات الكثافات لا تظهر فى  مدارس التعليم الفنى  لكن المشكلة فى  ثقافة الطلاب نفسها، وبالقياس لمعدلات حضور الطلاب هذا العام فإنه بدراسة إحصائية نجد أن معدلات العنف تراجعت وليس العكس.

◄ إجراءات جديدة

واتخذت وزارة التربية والتعليم مجموعة من الإجراءات بعد مقتل طالب على يد زميله فى  محافظة بورسعيد، وشدد محمد عبداللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى على أن الوزارة لن تتهاون فى اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان حماية الطلاب، وتعهد بأن الوزارة لن تقبل بتكرار مثل هذا الحادث، مشيرا إلى أن أى تجاوز ستتعامل معه الوزارة بإجراءات صارمة وحازمة.

وقال الوزير إن هدفه توفير بيئة تعليمية آمنة، وسلامة سير العملية التعليمية فى جميع محافظات الجمهورية، وسعيها لتطبيق أسس وقواعد التربية السليمة، ووجه الوزير بسرعة صرف الدعم المقدم من صندوق التأمين على الطلاب لأسرة الطالب، كما وجه بالتكفل بكافة احتياجات الأسرة وتوفير كافة سبل الرعاية لهم.

وألغت وزارة التربية والتعليم تكليف مديرة المدرسة وتحويل جميع المسئولين فى المدرسة إلى الشئون القانونية، وكذلك ألغت تكليف مدير عام التعليم الفنى ومدير إدارة التعليم الصناعى ورئيس قسم التعليم الفنى بإدارة شمال بورسعيد.