في مقال كتبه الصحفي الرياضي جوناثان ليو بصحيفة «الجارديان» البريطانية، يطرح تساؤلا هامًا حول دور الرياضة كأداة للتغيير الاجتماعي، متسائلا «إذا ما كانت قادرة على تجاوز الصمت إزاء الأحداث العالمية؟».
مع استمرار الحرب الإسرائيلية في غزة، يبرز الكاتب تقاعس المؤسسات الرياضية الكبرى مثل الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية عن اتخاذ مواقف أخلاقية حازمة، فهذا الصمت، كما يصفه ليو، لم يعد مجرد غفلة، بل أصبح قرارًا واعيًا يتغاضى عن المأساة الإنسانية، وفقًا لصحيفة «الجارديان».
◄قناعات مسبقة أم حوار مفتوح؟
يركز ليو، في مقاله على الطريقة التي يُستقبل بها حديث الرياضة والسياسة من قبل الجمهور، قائلا: «ربما تعرف بالفعل ما سيقوله المقال قبل أن تبدأ في قراءته، العنوان وحده يكفي لتشكيل موقفك»، ويوضح كيف أن اسم الكاتب وسمعة الصحيفة، المعروفة بتوجهاتها الليبرالية بحسب قوله، يمكن أن تؤثر على القارئ مسبقًا، وفقًا لتعبيره.

أشار جوناثان، إلى أنه رغم النظر إلى الرياضة كوسيلة غير مباشرة للتأثير على المجتمع، فإنها اليوم تملك القدرة على تجاوز هذا الدور التقليدي، فقد أصبحت المنظمات الرياضية تمتلك منصات عالمية تمنحها فرصة للتأثير في القضايا الحساسة.
لكنه بات يتساءل حيال ذلك: «إلى متى ستظل الرياضة بعيدة عن تحمل هذه المسؤولية؟» وفي ضوء هذا، يطالب ليو باتخاذ مواقف أكثر جرأة من قادة الرياضة العالمية تجاه العدالة والقضايا الإنسانية.
إلى جانب دور المؤسسات الرياضية، يسلط ليو، الضوء على تواطؤ الصمت الرياضي في ظل المآسي الإنسانية الواقعة بقطاع غزة جراء الحرب الإسرائيلية، ويطرح السؤال التالي: «هل يمكن فصل الرياضة عن السياسات الأخلاقية؟ أم أن الوقت قد حان للاعتراف بأن الحياد لم يعد خيارًا؟»، بينما شدد الكاتب على أن هذا الصمت يعزز الشعور باللامبالاة، ويفقد الرياضة قيمتها كأداة للتواصل الإنساني.
◄جدلية الصمت والكلمات الممنوعة
يُظهر كاتب المقال بالصحيفة البريطانية، كيف تُخنق النقاشات عندما يتعلق الأمر بالقضايا الشائكة، فالصمت بات خيارًا مريحًا أمام التهديدات المستمرة بالتشهير أو الإساءة، والأسئلة الأخلاقية البسيطة مثل «هل المجاعة كارثة إنسانية؟» أو «هل قصف المستشفيات مقبول؟» تُقابل غالبًا بعبارات مبهمة مثل «الأمر معقد»، وكأن النقاش حقل ألغام، تُستخدم فيه الاتهامات لتقسيم الآراء وتثبيط التغيير، بحسب تعبيره.

◄غزة بين الموت الصامت والمواقف الغائبة
بينما يُترك قرابة مليوني فلسطيني في غزة يواجهون خطر الموت جوعًا، تعلن وزارة الصحة في غزة أرقامًا صادمة يوميًا عن عدد الشهداء، لكن العالم يبقى في حيرة: «من المسؤول؟ هل هذا الفعل مُرحب به أم مُدان؟»، وفقًا لجوناثان ليو.
وفي ظل هذا المشهد، يصف الكاتب كيف يتماهى الخطاب العام مع الفوضى على خلفية الحرب على غزة، حيث الكلمات بلا معانٍ واضحة، والأفعال لا تُقابل بعواقب، وتصبح الكوارث مجرّد نقاط نقاشية، ووسط كل ذلك، تدخل الرياضة، التي كان يُفترض أن تكون رمزًا للوحدة الإنسانية، لتواجه أسئلة صعبة.
اقرأ أيضا| استشهاد 7 فلسطينيين في قصف الاحتلال الإسرائيلي مناطق بقطاع غزة
خلال العام الماضي، وبعد هجوم «طوفان الأقصى» التي قامت به الفصائل الفلسطينية في الداخل الإسرائيلي، حاولت الرياضة أن تبقى على الحياد وسط صراع دامي، ومع ذلك، لم يكن هذا الخط محايدًا تمامًا؛ فقد عوقب رياضيون بالطرد من ناديهم بسبب منشورات تحمل رسائل مثل «أوقفوا القتل»، فمثلا، مُنع لاعب الكريكيت عثمان خواجة، من ارتداء حذاء يحمل عبارة «كل الأرواح متساوية».

مع تزايد التوترات الإقليمية، بات الصمت الذي يحيط بالعالم الرياضي هشًّا ومتصدعًا أمام سلسلة من الأحداث التي لا يمكن تجاهلها.
فخلال مباراة الدوري الأوروبي بين مكابي تل أبيب وأياكس أمستردام، تسببت هجمات على مشجعي الفريق الإسرائيلي في إدانات دولية هددت استقرار الحكومة الهولندية، وفي سياق آخر، شهدت مباراة دوري الأمم الأوروبية بين فرنسا وإسرائيل مشاجرات وغيابًا لافتًا للجماهير، رغم حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تضامنًا مع الفريق الإسرائيلي.
وفي قطاع غزة، كان العالم شاهدًا صامتًا على استهداف لاعبي كرة القدم إياد أبو خاطر وهشام الثلثيني بغارات إسرائيلية، وهي مأساة لم تحظَ باهتمام يُذكر عالميًا.
◄معاناة الرياضيين الفلسطينيين
ورغم الأرقام المروعة التي تفيد باستشهاد 344 رياضيًا فلسطينيًا منذ أكتوبر 2023، لم تتحرك الهيئات الدولية لمعالجة انتهاكات صارخة كالسماح لأندية المستوطنات الإسرائيلية بالمشاركة في بطولات محلية مخالفة لقوانين الفيفا، وفي المقابل، يتواصل تعليق الدوري الفلسطيني إلى أجل غير مسمى بسبب القيود والظروف القمعية التي تفرضها إسرائيل.

وبات تجاهل المؤسسات الرياضية الكبرى للوضع في فلسطين قرارًا يبدو وكأنه اختيار واعٍ، فعلى الرغم من مرور ستة أشهر على وعد الفيفا بالنظر في فرض عقوبات على المنتخب الإسرائيلي بسبب تصرفات حكومته، لم يحدث أي تقدم، وفقًا للصحفي الرياضي جوناثان ليو.
كما أن مشاركة الرياضيين الإسرائيليين في الألعاب الأولمبية ترافقت مع تصريح لرئيس اللجنة الأولمبية الدولية توماس باخ مفاده: «نحن لسنا في مجال السياسة»، وبرغم هذه المواقف، شهدت مدينة جنين بالضفة الغربية بفلسطين تدمير ملعبها الرئيسي لكرة القدم خلال هجوم عسكري إسرائيلي واسع النطاق.
ليتساءل الكاتب جوناثان: «هل يمكن للرياضة أن تصبح أداة للتغيير، أم أنها تظل مجرد وسيلة للهروب من واقع مليء بالندوب والخوف؟ في ظل تداعي السياسة التقليدية وتدهور المعايير الإنسانية المشتركة، فهل يمتلك العالم الرياضي الجرأة لتحمل هذه المسؤولية، أم يختار الاستمرار في العيش داخل شرنقته بعيدًا عن مواجهة تفاصيل صعبة؟

قال ليو: «إننا ربما لا نملك الإجابة الحاسمة، لكننا نعرف ما هو واضح، قتل الأطفال خطأ، التفرقة العنصرية خطأ، التلاعب بالمجاعة خطأ، كيف يمكن لكل هذا أن يبدو معقدا أو قابلا للنقاش؟ وكيف تحوّل العالم إلى ساحة يصبح فيها الاعتراض على العنف جريمة؟»، وفقًا لتعبيره.
◄ غطاء للصمت العالمي
بينما تسير الحياة الرياضية «كالمعتاد»، يكشف المقال كيف أن الحياد الظاهر قد لا يكون أكثر من غطاء لصمت عالمي تجاه مآسي الإنسانية، لتظل الرياضة رمزًا للصمود، حتى لو بدا أن العالم اختار أن يغض الطرف عنها إذا كانت الرياضة أداة للتغيير»، وربما يبدو هذا النضال بلا طائل، وربما يكون العالم قد قرر مسبقًا مواقفه، لكن تغيير عقل واحد أو إنقاذ حياة واحدة يظل هدفًا يستحق النضال، لأن في النهاية، حتى أبسط أفعال التضامن يمكن أن تكون شعاعًا في «ظُلمة الظلم».

بودكاست 20+| يسري أبو شادي يكشف أسرار «ترسانة الرعب» والاختراق الأمريكي للطاقة الذرية
نقلة نوعية للقطاع الصناعي.. صندوق جديد لتمويل الإنتاج وتعميق التصنيع المحلي
منذ 2500 عام.. كيف وصلت توابيت مصرية إلى تركيا؟







