جـو غـرب

صورة موضوعية
صورة موضوعية


بسمة ناجى

تكلم لتكون إنسانًا، ويجب أن تكون إنسانًا ليكون لديك ما تقوله..
قرأ الكاتب والمترجم الأمريكى جون كين هذا المقطع من الشعر بالبرتغالية، متبوعًا بترجمته له للإنجليزية، فى أولى الفعاليات التى حضرتها مع زملائى من المشاركين فى برنامج الإقامة الأدبية للكتاب بمؤسسة آرت أومَى، بنيويورك. علِق هذا السطر ببالى طوال الفعالية ولمس دافعى الأول للالتحاق بالإقامة بالأساس، حالة غمر الأفكار التى تحاصرنى فى ركن ما وتُعجزنى عن صياغة جُمل مترابطة أو مفيدة. مع عصف كل ما نتابعه من أخبار وما يضربنا يوميًا من تطورات واقعنا وأزماته، أقف منذ فترة عند شعورٍ بنفاد أو لا جدوى ما أعرفه وما أختبره وما أفكر فيه وما أحاول كتابته، كصفحة فارغة، بلانك، وأسئلة كثيرة عن الجدوى، وألمس احتياجًا لتجديدٍ ما لمعرفتى وتجاربى. ربما يشكل هذا جانبًا خَفيا لما تفعله بنا الأزمات الكبرى، الإقليمى منها والمحلى والشخصى، إذ تنتزع جزءاً أصيلًا من إنسانيتنا وهو القدرة على التعبير بالكلمات.

وهكذا خلال العام الماضى بدأتُ خطوات فى اتجاهات مختلفة نحو معارف جديدة، وكان منها البحث عن إقامة أدبية تناسبنى كفرصة لاختبار وسط مادى جديد، أختبر فيه شكلًا مختلفًا لما هو يومى وحياتى وما أتعامل معه من أحياء وجمادات، بهذه الروح، تحمستُ لقبولى للالتحاق بإقامة آرت أومَى الأدبية للكُتاب بنيويورك (Art Omi)، وضمن برنامج وجهات – المورد الثقافى، دورة خريف 2024، وهى دعوة للتفرغ للكتابة والبحث لتطوير عمل إبداعى، عملت خلالها على أحد مراحل تطوير مشروعى الروائى الجديد.

يحتل مركز آرت أومَى، وهو مؤسسة للفنون المستقلة، مساحة خضراء شاسعة فى منطقة ريفية تحيط بها جبال كاتسكيل الممتدة عبر وادى نهر هادسُن بولاية نيويورك، ويضم حديقة تنتشر فيها المعروضات من المنحوتات والتكوينات فى الفراغ، ومساحات مغلقة لإقامة معارض وعروض فنية، وأربعة بيوت لاستضافة كُتاب ومترجمين وفنانين ومعماريين وراقصين فى برامج إقامة متعددة تنعقد على مدار العام. تعد آرت أومَى نقطة التقاء يجتمع فيها كتاب ومترجمين من أنحاء العالم منذ نحو ثلاثين عامًا، فى أربع دورات إقامة سنوية للكُتاب ومعملين للمترجمين، للعيش معًا والعمل بشكل فردى على مشاريعهم الحالية.

نهار - جو - غرب
بقدرٍ كبير من ضبط الانفعال ومحاولات تحييد المشاعر المختلطة للاستفادة قدر الإمكان من وقت الإقامة دون تشويش داخلى بمشاعر السخط تجاه المساهمات الأمريكية فيما يجرى ببلادنا طوال الوقت، وتأملات عن حقيقة مفهوم الحرية والعالم الحُر المزعوم، طِرتُ من القاهرة فجرًا ووصلتُ إلى نيويورك بعد إحدى عشرة ساعة فى العاشرة من نفس الصباح، بعد خصم السبع ساعات فارق التوقيت، فكان لقائى الأول بالمدينة جويًا ومنيرًا، من السماء.

ومع انسحاب المحيط الأطلنطى فى الأسفل وظهور البر، على دائرة عرض مقاربة للدائرة التى تمر بالقاهرة، ظهرت مدينة نيويورك، الطرف الجنوبى لولاية نيويورك، نقطة التقاء المحيط بنهر هادسن. الصباح هو توقيتى المفضل للوصول لأى مكان، وهو توقيت مثالى لامرأة يبدأ يومها العادى فى الخامسة صباحًا، و تحب مشاهدة المدن فى النور عادةً وتصل وحدها لمدينة غريبة يؤكد كل ما تعرفه عنها أن ليلها خطير.

وفى صباحى الأمريكى الأول، أتيح لى قضاء بعض الوقت فى مدينة نيويورك قبل التوجه إلى مقر الإقامة فى جِنت البلدة الصغيرة التابعة لمدينة هادسن، والتى تبعُد عن نيويورك مسافة ساعتين ونصف بالقطار. كمصرية أصيلة لم أفكر فى ترك حقائبى بالمخزن المخصص لها فى محطة بنسلفانيا التى وصلتُ إليها مثلًا، لم يخطر ببالى أصلًا السؤال عن ذلك الخيار الرفاهى الذى حرمتنا منه سكك حديد مصر منذ زمنٍ طويل لدواعٍ أمنية، فنسيت وجوده فى الحياة، وخرجتُ للمشى فى منهاتن أجُرُ حقائبى.

اعتدت السفر بأغراضٍ محدودة والحركة بحقائبى فى شوارع المُدن ليس أمرًا جديدًا عليّ، سرتُ مسافات طويلة بحقائبى فى كل مدينة مصرية زرتها تقريبًا. لكنى انتبهتُ منذ اللحظة الأولى إلى أن وسائل الإتاحة فى الشوارع التى قطعتُها فى لقائى الأول بنيويورك، وسهلت على السير بحقائبى المجرورة من خلفى، بسيطة ولا تستدعى الانتقال إلى عالمٍ «متقدم»، إن أراد مخططوا الشوارع فى بلادنا أن يسهلوا علينا السير فيها كحق إنسانى أصيل.



هكذا وجدتُ عقلى يبدأ عمله فى المدينة المهيبة، وهى كذلك كما رأيتها لاحقًا واعتمدتُ لها هذا الوصف. انشغل عقلى الجنوبى بالمدن التى جاء منها وهذه «الإكسسوارات» التى قد تجعل منها مُدنًا صديقة للإنسان، مقيمٌ أو مسافر، كالرصيف العريض المُجهز الصالح للاستخدام الآدمى مثلًا.

هادسُن – جِنت
جِنت - هادسُن
تبدأ علاقتى بالمكان عند اللحظة التى أخلق فيها روتينى الخاص وينتظم إيقاع حركتى وسكونى، وأُثَبِت درجة صوت إشعارات هاتفى والأغانى التى ستنطلق من قائمتى على خلفية الأصوات التى تأتينى من الخارج وموعد فطورى وعدد أكواب قهوتى على المكتب، وأن ينسكب أحدها بالطبع، وأعتاد زاوية دخول نور النهار وانسحابه من النوافذ وزاوية جلستى من الغرفة مع اللابتوب، وأحدد الكرسى الذى ستتناثر عليه ملابسى متجاهلة الدواليب والشماعات، وعند هذه الأخيرة بدأت علاقتى بالاستوديو المخصص لى فى سانفورد هاوس، أحدَ بيوت إقامات الكُتاب فى آرت أومَى، بعد أيام معدودة من وصولى إليه. حين بدأتُ آلفُ خليط رائحة القهوة والبرتقال ومطر الخريف التى عبأت غرفتى، صارت مكانى كما كنا نُشير لمساكن بعضنا البعض أنا وزملائى بالتعبير الانجليزي: مكان بسمة، مكان مارتا، مكان إيفان، مكان قمم، مكان كيرى، وهكذا. 

كان أساس التجربة هو الإقامة لعدة أسابيع مع عشرة كتاب فى تجربة معايشة جماعية ببيوت مشتركة. انفرد كل منا باستوديو مُجهز لأوقات العمل والنوم وتشاركنا المساحات العامة المحيطة ببيوت الإقامة وليديج هاوس، أو البيت الكبير كما اتفقنا على تسميته تلقائيًا، وهو البيت المفتوح للجميع طوال ساعات النهار والليل ويضم المكتبة والمطبخ وغرف المعيشة والطعام، ومكاتب موظفى المؤسسة، وشرفة خلفية تطل على مرج أخضر من ورائه براح الغابة والسماء ومن بعيد، جبال كاتسكل التى غابت قممها بين الغيوم أغلب الأيام.

ضِمن برنامجٍ حُر، خُصصت أوقات الصباح للكتابة والأنشطة الفردية، بينما تشاركنا فى النصف الثانى من اليوم تمشيات وأنشطة حياتية وأمسيات تضمنت جلسات جماعية ونقاشات لتبادل الأفكار والخبرات حول مشاريعنا وصنعة الكتابة وحياة الكُتاب وتفاعلهم مع مجتمعاتهم المحلية. تضمن البرنامج أيضًا حضور فعاليات ثقافية عامة  فى مؤسسات مستقلة بمدينة هادسُن، وهى مركز ثقافى محلى كبير ومتنوع على ضفة النهر وعرفت أنها كانت أول المدن المعتمدة إداريًا بعد إعلان اتحاد الولايات دولة.

كما استضافات أسبوعية لفاعلين من مجتمع النشر فى نيويورك للحديث معنا حول الموضوعات الإبداعية وتقديم نظرة حول  صناعة النشر, وعقدت المؤسسة فعالية قراءة لتقديم أعمال الكتاب المشاركين فى الإقامة للجمهور العام. أتاحت لى مرونة البرنامج بعض الوقت للتعرف على المنطقة الطبيعية المحيطة، والمجتمع الصغير لمدينة هادسُن وبلدات جِنت وتشاتم، والعمل على مشروعى الجديد، أحيانًا.

القاعدة الأولى التى اصطدمت بها كانت منع إجراء أى مكالمات هاتفية فى ستوديو السكن لأن بيوت الإقامة خشبية تنقل جدرانها الصوت، فكان من الضرورى عند إجراء مكالمة الخروج إلى ليديج هاوس أو المساحات العامة بعيدًا عن بيوت الإقامة. بعد بعض الضيق من هذا القيد، تحققت لى منه فائدة كبرى بتقليل التواصل مع مجالى الخاص والانفصال عن هاتفى ومواقع التواصل، والانعزال جزئيًا عن اليومى الذى تركته والانخراط فى اليومى الذى انتقلتُ إليه والاندماج بشكل أكبر مع المجموعة والمحيط المادى وكل ما هو غير بشرى فيه من حيوانات تأتى من الغابة لأبوابنا وأكون أول من يلتقيها عند خروجى فجرًا من سكنى لليديج هاوس لإعداد تُرمس قهوة يكفينى لفترة الصباح، وطيور مختلفة تملأ أصواتها مدى السمع من أول النهار لآخره، ونباتات بين عشبٍ وأشجار وزهور وصنوبريات، بل وبعض الجمادات كغسالة الصحون التى شكلت شئونها قسمًا كبيرًا من مزاحنا الجماعى فى المطبخ حتى كتبت زميلتنا الشاعرة الأمريكية سيندى تران قصيدة بعنوان «غسالة الصحون» واقترحتُ عليها قراءتها كتقديم افتتاحى خلال فعالية القراءة العامة، فأيدت المجموعة الفكرة وتحمست سيندى وقدمت لنا ولأعمالنا بقصيدتها كـ «جماعة المسئولين عن حل أزمات غسالة الصحون».

كان أول مكتسباتى من وقت الإقامة وأسرعها هو هذا التواصل القريب والعلاقات غير البشرية التى ترسخت لدرجة الحميمية بعد مضى أقل من أسبوع، وهو وقت أقل مما لزمنى للاندماج مع المجموعة البشرية، ومنحنى كثيرًا من التوافق ودرجة عالية من الانسجام الشخصى والتماس مع أجزائى الداخلية: بيوت خشبية ترى نوافذها براحًا هائلًا لا هواتف فيها وأبوابها بلا مفاتيح ولا أقفال؛ غسالة صحون أشد بساطة من فكرتنا المتخيلة كمجموعة عن تعقيد غسالات الصحون الديجيتال، البساطة التى لم تعصمها من عبثنا بها لكنه عبث لم يحرمنا من صحونٍ نظيفة كل يوم؛ حيوانات تتحرك بحُرية حول بيوت الإقامة وتراقبنا.

كما نراقبها بفضولٍ ووِد حتى يحاول أحدنا الاقتراب فتركض إلى مجالها الآمن فى العشب الكثيف الذى تعرف أننا لن نتبعها إليه؛ عُشب نَدى طاب لى خلع حذائى والسير عليه حافية رُغم التشديد على التزام الحذر من بعض الحشرات التى تعلق بالطويل منه؛ أوراق شجر تتبدل ألوانه وتزهو تحت شمس الخريف الدافئة ويسقط بعضه مع الهواء دون أسف على ترك مكانه من الشجرة أو قلق بشأن مكانه الجديد على الأرض رغم لا يقينٍ أصيل بخصوص الاتجاه الذى تحمله فيه الريح.

أشكال متعددة من طاقة التجدُد والانفلات والانتقال من طبيعة لطبيعة ومن وسط إلى وسط دون الوقوف طويلًا أمام الارتباك الذى يسببه هذا الانتقال والتغيير وتتابُع الترك والالتحاق، واعتباره جزءً من العملية الحتمية للنمو، ولن أستخدم كلمات كبيرة كالموت والميلاد مثلًا.

عن أُنس اللغة وفقاعة الحدود
فى أثناء إقامتى تلعثمتُ كثيرًا لفارق اللغة الأم، لغة التفكير والشعور، عن اللغة المنطوقة، وشاركنى فى هذا الزملاء ممن يتحدثون الانجليزية كلغة ثانية مهما بلغت درجات إجادتنا لها، ما خلق بيننا لغةً مختلفة ومتأنية، قوامها كلمات إنجليزية نتوقف لحظة للتأكد إن كانت مناسبة، ولغة الإشارة، والوصف المطول لمعنى كلمة واحدة، والاستعانة بمكونات محيطنا المادى لتقريب الصورة والقواميس الإلكترونية وجوجل لترجمة ما يتداخل مع الانجليزية من لغاتنا الأصلية، العربية والكتالونية والألمانية والبولندية والإستونية.

شكَّل هذا حالة لغوية خاصة امتدت طوال فترة الإقامة اختلطت فيها أصوات لغاتنا الأصلية مع اللغة الثانية فصار هذا التكوين خلفية صوتية لا تقل شاعرية وقوة عن أصوات الطبيعة من حولنا، أصوات بشر تحركهم رغبة أصيلة للتواصل مع بعضهم البعض وكسر حواجز وحدود سياسية وجغرافية باردة، أو تحييدها وإحاطتها بدفء الممكن والإنسانى.

هل ساعدنا الوجود معًا فى مجال واحد لفترة طويلة مع حيوانات وطيور وحشرات وزواحف، لا تعرف الحدود، فى مأوىً مشترك، وآمن لهم ولنا، على تجاوز الفروق المُجردة التى تصنع حدودًا يعزل بها الإنسان نفسه عن الآخر، أى آخر، ويرسم منطقة نفوذه ويصنف العالم بين شمال وجنوب، شرقى وغربى، أبيض وملون، عربى وأوروبى وأمريكى و...؟ ربما!

شَكَّل الشعراء أكثر من ثُلث المشاركين فى الإقامة وكانت أغلب الفعاليات التى حضرناها فى هادسُن متعلقة بالشعر، فصار الشعر جزءً من التكوين اللغوى للمجموعة ودارت حوله الكثير من حواراتنا.

أحب الاستماع للشعر حتى بلغاتٍ غريبة لا أفهمها، استمتع بموسيقاه ثم أنشغل بالمعانى إن كان مُترجمًا للعربية أو الانجليزية، رُغم ما يضيع منه فى عمليات الترجمة مما لا يمكن تعويضه باللغة المنقول إليها، مهما بلغت مهارة المترجم.

قد تحمل هذه النظرة بعض قسوة «البرفكشنيست» بداخلى، وربما هى مكانة الشعر التى أراها لا تتناسب مع فقد ذلك الجزء من روح النص، أصواته وموسيقاه، والذى يضيع حتمًا بين لغتين، أو أننى مازلتُ عالقة فى ميراث قديم يقول بأن الشعر سماعى ومنه نتلقى اللغة.

فى إحدى الفعاليات عن الشعر المترجم بدأت المترجمة ياسمين سيل قراءة مقاطع باللغة العربية من نصوص لابن حزم والخنساء، قبل أن تتبعها بترجمتها للانجليزية، فرصدتُ بداخلى شعور فرحٍ لتفاعل الجمهور مع قراءتها للنصوص العربية، هل هذا انتماء؟ أحسب أنى تخلصت منذ فترة من هذه الكلمات الكبرى، أو من ربط اللغة بها على الأقل وصرت أستبدلها بالحب، أحب العربية وأحب وأفرح وأرتبكُ وأغضب وأسُب وألعن بالعربية.

ربما كان سبب هذا الفرح هو اختبار تلقى جزء من تكوينى الأصيل بين أغراب فى مكانٍ غريب وأربكه أن وجدت نفسى أعتز تلقائيًا بما أحارب ضغطه عليَّ فى اليومى والعادى، فانفصل اعتزازى بأصلٍ ما، جزء منه اللغة، عن سخطى للواقع الضاغط الذى يحاصرنا به انتماءنا لهذا الأصل. معضلة تراجعت قليلًا أمام متابعة سلطنة الجمهور بالاستماع لجرْس العربية الحميم، ومعانى كلمات بن حزم مترجمة إلى الانجليزية. هل خلق استخدام ياسمين لكلمات «اللغة العربية «و»بن حزم» فى جملةٍ واحدة بينما تُقدم عملها للجمهور قبل القراءة كل هذا الأُنس؟

تكرر الأُنس بصورةٍ أشد ارتباكًا فى أثناء فعالية القراءة التى عقدتها آرت أومَى لتقديم أعمالنا للجهور العام، مع حرصى على قراءة مقطع باللغة العربية من النص الذى قرأتُ مقاطع مترجمة منه للإنجليزية بترجمة د. إيناس تركى، وتكرر إثرها انتباهًا من زملائى الكتاب والجمهور لجرْس العربية.

أخبرتنى مارتا هوبفرجيل، الزميلة البولندية، أنها تستمع إلى نصوصٍ أدبية عربية لأول مرة خلال هذه الإقامة، وأنها لأول مرة خلال العشرة أيام الأولى من فترة الإقامة تسمع صوتى منطلقًا بهذا الثبات والثقة حتى أنها أحبت أن أكمل القراءة بالعربية لتستمع المزيد من صوتيات اللغة، رغم كونى لا أجيد الإلقاء، أقرأ بسرعة فيرتفع صوتى وينخفض فى مواضع عجيبة من النص، لكنى رددتُ لها هذا اللطف بتشغيل «عقبالك يوم ميلادك» لعبد الحليم حافظ حين فاجئناها باحتفالنا بعيد ميلادها الذى تصادف أن حل خلال الأسبوع الثالث من إقامتنا، فصارت اللغة العربية خلفية صوتية للحظة وثقها مقطع فيديو مَرِح أظنه سيظل على هاتفها طويلًا وينتقل معها بين مدينتها، وارسو، ومدينة إقامتها الحالية، أوسلو عاصمة النرويج.

30 إى، وسط منهاتن
لم تكن الرحلة لتكتمل بدون قضاء بضعة أيام فى نيويورك، المدينة المهيبة. أقمتُ فى غرفة بمبنى 360، عند تقاطع الشارع الرئيسى الثانى مع شارع 30 الهادئ من الجانب الشرقى لوسط جزيرة منهاتن، وهو موقع استراتيجى يمكننى السير منه لقلب المدينة، اعتبرت هذه الأيام مكافأة لى لإنجازى جزءً معقولًا مما خطت لإنجازه من مشروعى وتأهيلًا مناسبًا قبل العودة إلى زحام القاهرة بعد أسابيع قضيتها فى منطقة خضراء بعيدة عن المدينة.

أثناء التخطيط لما سأفعله خلال تلك الأيام، أعددتُ قائمة طويلة من المزارات ووقتًا أقل للمشى، إذ تخيلتُ أنى بعد تمشياتى فى شوارع مدينة هادسُن الهادئة الوديعة بقرب ضفة النهر وفى ممرات الغابة وأسفل شلالات كاتسكل سيصدمنى المشى فى المدينة الكبرى الخرسانية والمزدحمة، وطبعًا سيزعجنى توحُش شوارعها كانزعاجى الناشئ حديثًا، وانزعاج كثير ممن أعرفهم، من المشى فى شوارع القاهرة لنفس الأسباب رغم أن علاقتى بالقاهرة تشكلَّت بالأساس من الجولات الطويلة على قدمى. رُغم ارتياحى فى الأطراف أكثر من المراكز، وتفضيلاتى من نوعية الضجيج وما أحتمله منه، أحببتُ المشى فى منهاتن، قلب المدينة الكبرى، رغم «القلق جوة العيون»، كما ترددت بصوت محمد منير فى ذهنى، وتشابهه مع القلق فى عيون أهل مدينتى، مع اختلاف الأسباب بالطبع.

انحصرت أغلب تحركاتى فى شوارع وسط منهاتن والجزء السفلى منها، والمتعامدة على الشوارع الرئيسية، الأفنيوز. كنتُ أخرجُ فى مسارات يومية ومعى قائمة بكليشيهات الزيارة فى المدينة، تمثال الحرية، مبنى امبريال ستيت، مبنى التجارة ونصب الحادى عشر من سبتمبر، شوارع وول ستريت وبرودواى، ميدان التايمز، ساحة واشنطن، متحف المتروبولتيان، سنترال بارك، حديقة النباتات ببروكلين، وجسرى بروكلين ومنهاتن بالطبع، لأجد نفسى فى النهاية قضيت طوال النهار فى المشى وتصوير الشوارع والبشر وزيارة متاحف صغيرة وكنائس وشوارع فرعية ولم أزُر من قائمتى الكليشيهية إلا القليل.

مع مراعاة حسابات السلامة والأمان التى شددت عليها زميلتى الأمريكية وتنبيهى مرارًا لضرورة العودة للبيت قبل العاشرة لضمان سلامتى الشخصية، واستقلال المواصلات، لا المشى، بعد حلول الظلام، تحركت سيرًا بين بعض شوارع وسط منهاتن، وهو قلب المدينة الكبرى، فى الليل، والليل هنا يقصد به ما بعد السابعة مساءً.

أعادتنى النقطة الأخيرة للنظر فى الحرية، متى تمتع الإنسان بحرية حقيقية فى هذا العالم؟ متى كانت المرأة حُرة من حسابات مطولة عن السلامة فى الشارع وموازنات الوقت المناسب والرداء إلخ، إلخ، إلخ؟ ربما بدأت هذه الحسابات تتراجع قليلًا مع شعور ارتياح بأنى أسير فى شارعٍ لا يتم تغريبى عنه قسرًا، وأنا الغريبة عنه بالأصل، ولا يعادينى فى المطلق وبدون أسباب منطقية وأن من يسيرون حولى لا يتفحصون خطواتى وملابسى مثلًا، قد يبتسم بعضهم فى وجهى إن التقت أعيننا أو يمرون دون الالتفات إليَّ كليًا، وهذا مريح ومُحرِر. كان هذا ختامًا رائقًا للتجربة، فتح لحواسى مجالات جديدة من الفضاء العام للاكتشاف، وترك بداخلى مساحات لمشاعر أخرى تختبرها فى أثناء المشى غير الشعور بالاغتراب والتهديد والقلق والانزعاج لمجرد التواجد فى مكان كل ما حولى ومن حولى يخبرنى أنه لا يخصنى، الشارع.