عمرو سعيد
نظمت مكتبة بيت الحكمة ندوة لمناقشة كتاب «عن بلاغة العامية» لدانتى أليجييري، الصادر حديثًا عنها. ضمت الندوة مترجم الكتاب مينا ناجي، والكاتب والناشر رجائى موسى صاحب دار «هن» بمناقشة الكتاب، بينما أدار اللقاء الكاتب محمد أبو النجا الذى بدأ حديثه بتوضيح اللغة التى تُرجمت منها «الكوميديا الإلهية»، وهى العامية الإيطالية، بينما كُتب كتاب «عن بلاغة العامية» باللاتينية، التى تمثل المعادل للغة العربية الفصحى، وهنا تكمن المفارقة. أن «الكوميديا الإلهية» أشهر أعمال دانتى ترجمت إلى اللغة العربية الفصحى رغم اختلاف لغتها الأصلية.
وتطرق أبوالنجا إلى دور رجائى موسى فى نشر أعمال عالمية بالعامية المصرية مثل «الغريب»، «العجوز والبحر»، و«الأمير الصغير».
ثم تحدث موسى عن أهمية المقدمة قائلاً: «وظيفيًا، وضعت المقدمة كتاب دانتى فى سياقه التاريخى وأيضًا فى السياق المصري.
لم تكن مجرد تمهيد للنص أو ديباجة مكررة، بل كانت بمثابة افتتاحية يمكن قراءتها بشكل مستقل عن النص، ويمكنك أن تستمتع بها وتطارد دانتى فى 'اللعبة' التى كان يلعبها مع اللغات العامية فى إيطاليا وقتها.
ونحن هنا فى الكتاب بصدد لغة مصرية، وأنا لا أقول لغة مصرية وفصحى، أنا أقول لغة مصرية ولغة رسمية، لأن اللغة المصرية لها فصاحتها.
ففى بداية التعريف عندما تقول لغة فصحى، كأنك تقول إن اللغة الأخرى غير واضحة، وكأنك تضع تقييمًا للغة، ولكن... سؤالى لمينا: لماذا لم تكتب المقدمة بالعامية؟»
وكانت إجابة مينا: «أصبح البحث عن إجابة لهذا السؤال مهمًا الآن أكثر من أى وقت مضى، بسبب ظهور وسائل التواصل الاجتماعى باعتبارها وسيطًا مهيمنًا بشكل كامل على تداول المعرفة.
ونجد أن أغلب ما يُكتب هناك بالعامية أو باللهجة الدارجة. وهناك أيضًا بعض الكتاب يكتبون مقالاتهم النقدية والعلمية باللغة الدارجة. وأصبح السؤال ملحًا أكثر من أى وقت مضى: 'لماذا أكتب بلغة ليست لغتى الأم؟! فكانت ترجمة هذا الكتاب محاولة للإجابة عن هذا السؤال بشكل منهجى، وكانت هذه المقدمة هى نتيجة هذا المسعى، لأنها سؤال شخصى جدًا بين أن أكتب، وبين أن أكتب باللغة العربية الفصحى. ولذلك، فإجابتى البسيطة والمباشرة هى مسألة تراكب لتراث من المصطلحات والمفاهيم الفصيحة، وهىمسألة تواصل فقط».
عاد موسى للحديث عن الثنائية الرسمية والشعبية قائلاً: «أنا أيضًا أكتب باللغة الرسمية، ولكننى فشلت فى الكتابة باللغة المصرية.
فلسنا فى صراع أو تعارض بين الثنائيتين، ورغم ذلك دائمًا ما يوجد احتقار للغة المصرية منذ العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ أيضًا، إلى درجة أنه جعل اللغة المصرية للحوار فقط. ونجد أيضًا فى اختياراته للغة، احتقارًا للمصرية.
وهذا فى رأيى أمر غريب جدًا. علاوة على ذلك، نجد أن دانتى فى هذا العنوان تحديدًا كتب- لكى لا يُقال عنه إنه لا يعرف الكتابة باللاتينية »
ولتوضيح ما قاله ناجى حول الفرق بين المحكى والمكتوب، ومحاولة دانتى «مطاردة» لغته اللامعة، أقتبس من مقدمة كتابه: «حلُّ دانتى فى البحث عن لغة فعَّالة يبدو علمانيًا، إذا جاز التعبير.
فقد ارتكز على تطور وتغيُّر اللغة وناقش تكوين لغة جديدة 'لامعة'، لغة كتابة حيَّة، بدلاً من إحياء لغة ميتة حتى لو كانت مقدسة، الأمر الذى حاول فعله علماء عصر النهضة من بعده. فكانت استراتيجيته هى 'مطاردة' لغة تستحق كتابة الشعر - أسمى أنواع الكتابة - بها.
يمكننا أن نلخص ببساطة ما حاول دانتى فعله هنا 'بتقعيد' عاميَّة جديدة، سيستخدمها فيما بعد فى عمله الأشهر، 'الكوميديا'، لتصبح بعدها اللغة الإيطالية كما نعرفها الآن».
وفى نهاية اللقاء طرح أبو النجا سؤالًا: «بعيدًا عن فكرة الفصحى فى الخطاب السياسى أو الديني، لماذا هناك قبول أوسع من الجمهور المصرى للكتابات الشعرية مقارنة بالقصة القصيرة والرواية؟».
أجاب ناجي: «فى بدايات القرن العشرين كان الكتاب مهمومين بقضايا مثل الهوية الوطنية والاستقلال، وما بعد ذلك مناقشة قضايا مثل الهوية. فانتقل جزء من الفكرين إلى الأدب. طبعًا المثال الأشهر على ذلك هو نجيب محفوظ، فقد أراد أن يكون مفكرًا ومصلحًا اجتماعيًا، ومن ثم اتجه إلى الأدب.
كان المعترك الأدبى هذا معتركًا سياسيًا بالأساس، وكان استخدام اللغة العربية الفصحى شبه مسلم به، لأنها تمثل الهوية المصرية مقابل الإنجليز.
وعلى النقيض الآخر، كانت مدرسة الإحياء الشعري، وكانت اللغة التى تحاكى الشعر الجاهلى القديم، وكانت هناك بالطبع محاولات للكتابة بالعامية، لكن الأدب كان محمَّلًا بالأيديولوجيات الخاصة بقضايا المجتمع. ومن ثم ظهر الشعر العامى الذى كان يُنظر إليه على أنه فن فلكلورى أو شعبي، ممثل للهامش».
فى محراب «البرنامج الموسيقى»
مكتبة الإسكندرية تستضيف أساطير الجاز الإيطالى
محسن عبد العزيز فى ورشة الزيتون







