وصف الشاعر «بودلير» فن الأرابيسك بأنه الأكثر مثالية. وفي كتابه «الروحانية في الفن» تحدث الفنان «فاسيلي كاندينسكي» عن الفن الإسلامي بأنه لا يروي ولا يصف ولا يشاهد، بل يشهد للذي ليس كمثله شيء.
أما «بابلو بيكاسو» فقال: «لو كنت أعلم بوجود شيء كالخط الإسلامي لما اتجهت إلى الرسم، فبينما كنت أسعى لبلوغ قمة التجريد، اكتشفت أن ذلك الخط قد سبقنى بعصور».
والقائمة طويلة لفنانين أحبوا وتأثروا بالفنون الإسلامية فى أعمالهم، وهو ما ذكرته منظمة اليونسكو فى بيان إعلانها يوم «18 نوفمبر» يومًا عالميًا للفن الإسلامى قائلة إنه رمز التواصل الحضارى، الذى أثر فى عدد من الحركات الفنية المعاصرة.
◄ «ماتيس» و«بيكاسو» و«بول كلي» أشهر من تأثروا به
◄ العمارة أثرت في تصاميم «لوكربوازييه»
◄ المستشرقون نقلوا الطابع الإسلامي إلى الذائقة الأوروبية
◄ النقوش أسهمت في نشوء حركة «أرت نوفو» بأوروبا

■ أعمال للفنان جوزيف ألبيرت
في عام 2019 أقام المتحف البريطاني معرضًا تحت عنوان «مستوحى من الشرق»، عرض خلاله أعمالا تمثل تأثير الشرق وفنونه فى مبدعى الغرب. وفى العام نفسه أقرت منظمة اليونسكو اليوم العالمى للفن الإسلامي.
ما يجعلنا نتساءل عن حجم وطبيعة تأثيره على الفنون الحداثية، وعن مدى حضوره الجمالى على المستوى الإنساني، ولماذا لدى البعض اعتقاد بأنه تراث من الماضى، لم يعد يتفاعل مع الذائقة المعاصرة؟

■ البناء لكمال الدين بهزاد
◄ حضور دائم
«لتعارفوا.. العقيدة والثقافة الإسلامية» كان عنوان المعرض الذى أقامه المتحف الوطني الأسترالي عام 2018، منوها لمعنى الآية القرآنية، حول سبب خلق الله للناس مختلفين، شعوبا وقبائل. وقد أقيم بعد عام من مسح أجرته مؤسسة «سكانلون» حول تماسك المجتمع، وكان من بين نتائجه أن 25% من الأستراليين لديهم انطباعات ومواقف سلبية تجاه الإسلام والمسلمين. المعرض أقيم بالتعاون بين متحف الفاتيكان «أنيما موندي» ومؤسسة متاحف الشارقة. وضمن ما أدهش الزوار وجود ملابس نسائية منقوشة بألوان زاهية، حيث كان لدى البعض انطباع بأن المسلمات لا يرتدين سوى اللون الأسود.

■ براد الشاي من تصميم ماريان براندت
المتاحف والأقسام المحتفية المختصة بالفن الإسلامي هى بالعشرات على امتداد العالم، بالإضافة لعشرات المجموعات الخاصة. والاهتمام فى تزايد، حيث جرى على سبيل المثال مطلع الألفية توسعة صالات القسم الإسلامى من متحف «متروبوليتان» بنيويورك، الذى يضم أكثر من 12 ألف قطعة، بتكلفة تزيد على 250 ألف دولار. كما تجرى الآن عمليات توسعة وتطوير لمتحف برلين للفن الإسلامي.
◄ اقرأ أيضًا | ختام فعاليات الدورة التدريبية لتوثيق الخزف بمتحف الفن الإسلامي| صور

■ رسم من العصر الفاطمي بمتحف الفن الإسلامي
◄ زخارف
«الفن الإسلامي والغرب» عنوان كتاب للمؤرخ «أوليج جرابر»، تناول فيه التأثير العميق للفن الإسلامى على الغربى خلال القرنين 19، 20. وتمثل ذلك فى إلهام الزخارف الهندسية والأنماط المتكررة للفنانين «بول كلى»، و»ماتيس»، اللذين تبنيا الأشكال المجردة للتعبير عن الجماليات غير التمثيلية، فاتحين المجال أمام إمكانيات جديدة لتصوير الفضاء وضبط إيقاع العمل بعيدا عن الأنماط الكلاسيكية. كما تأثر «ماتيس» بالألوان الجريئة التى رآها فى الأسواق والعمارة المغربية. وتأثر «بيكاسو» و»كاندنيسكى» بالأبعاد الروحية.

■ سالومي ترقص أمام هيرودس لوحة لجوستاف مورو تعكس تأثره بفنون الشرق
وعلى العموم يظهر الأثر على التكعيبيين من خلال التجريد، وعلى السيرياليين عبر البعد الروحى. وذكر الكتاب أيضا تأثر المعمارى والمصمم «لوكربوازييه» بتوزيع الزخارف على السطوح فى الفن الإسلامى وبترك مساحات فارغة لتعزيز التناغم فى الفضاءات المفتوحة فى العمارة، التى رآها تتناسب مع العمارة الحديثة، وتلتقى مع أفكاره حول البساطة والنقاء. كذلك ذكر الكتاب تأثير الفن الإسلامى على المدرسة الرمزية التى استلهمت البعد الروحى فى الفن.

■ علبة مجوهرات المغيرة مصنوعة من العاج متحف اللوفر
وفى كتاب «الإسلام والغرب: صنع الصورة» أكد المؤرخ «نورمان دانيال» على حقيقة أن الفن الإسلامى كان أهم مصادر تشكيل صورة الغرب عن الإسلام، فضلا عن تأثر الفنانين به، وخصوصا فيما يتعلق بالزخارف النباتية المتشابكة والمختلفة عن الزخارف الكلاسيكية الغربية. وهو ما ظهر فى أعمال «ماتيس»، و»وليام موريس».

■ قاضي القضاة من مقامات الحريري المكتبة الوطنية الفرنسية
كما أشار إلى ما قدمته العمارة الإسلامية للمعماريين الغربيين من تصورات ونماذج جديدة للتوازن الجمالى والفضاء الداخلى، والتعامل مع مصادر الضوء. وكذلك تأثير الفنون التطبيقية من حلى وسجاد وخزف، التى كانت تصل إلى الأسواق الأوروبية، باعتبارها صناعات متقدمة للغاية، أبهرت الفنانين الغربيين بتفاصيلها المعقدة، وأسهمت فى نشوء حركة «آر نوفو» التى استلهم فنانوها تعقيد الزخارف الإسلامية.

■ قصر الجعفرية في سرقسطة أحد الأبنية التي أثرت على العمارة الغربية
◄ استشراق
وفى كتابها «المستشرقون: من لاكروا إلى ماتيس» ركزت الباحثة «مارى آن ستيفنز» على الاستشراق كطريقة أثر بها الفن الإسلامى على الفنانين الغربيين. ووصفته بأنه كان نافذة على العالم الإسلامى وفنونه، أجج الشغف بالجماليات الإسلامية، من خلال تبنيها فى اللوحات التى امتلأت بالأبنية العربية، والزخارف، والملابس والألوان الشرقية، وبشكل غير مباشر من خلال استيعاب جمالياتها، وتأثيرها على رؤى الفنانين، أدى إلى تغير كبير على اللوحة الغربية خلال القرن 19.

■ للفنان فرانك ستيلا
كما أن العمارة الإسلامية لم تكن مجرد موضوع فى أعمالهم، ولكن مرجعا فلسفيا وجماليا أعاد تشكيل فهمهم للتصميم والهندسة. وذكرت الكاتبة أن تصوير المسلمات عند المستشرقين، منحهم رؤى خيالية ورومانسية، وأحيانا مثالية حول النساء عموما.

■ لوحة التدرج الثابت الديناميكي للفنان بول كلي متأثرة بالفسيفساء الإسلامية
ويشير كتاب «الفن الإسلامى فى القرن التاسع عشر: التقليد والابتكار والانتقائية» للباحثين «دوريس بيرينز أبو سيف» وستيفن فيرانو» إلى انفتاح الفن الإسلامى على الفن الغربى خلال القرن التاسع عشر، ما جعله يقوم بنوع من الانتقائية من بين عناصره القديمة، وهو ما راق للفنانين الغربيين، ودفعهم لمزيد من الاستلهام، الذى تجلى فى ظهور ما يعرف بالطراز الإسلامى الجديد فى العمارة، الذى أنتج العديد من الأبنية الشرقية فى المدن الأوروبية.

■ لوحة الخشخاش الشرقي للفنان لويس تيفاني
◄ بلا حدود
تأثير الفن الإسلامى على فنانى الغرب أكبر مما نعتقد. ومنذ صعود الحداثة لم يعد يعتمد على نقل مناظر من الشرق، ولكن على استلهام عميق للروح والفلسفة والجمالية. والأمثلة على هؤلاء الفنانين المتأثرين فوق الحصر. ومنهم على سبيل المثال «انريكو بلادينو» و»أوجست ماكى» و«سونى تيرى» الذين تأثروا بالتجريد الهندسى للفن الإسلامى، و»فرانك لويد رايت» الذى تأثر بالعمارة الإسلامية، و»إدوارد لير» الذى تأثر بعمارة القاهرة تحديدا، و»جوستاف كليمت»، و»أندرى دوران» اللذان تأثرا بالزخارف، والمعمارى «أنطونى جاودى» والفنان «بيير بونار» اللذان تأثرا بالألوان والزخارف.

■ لوحة للفنان آني ألبير
◄ اللاهوت الصامت
قام الفن الإسلامي على الفلسفة الإسلامية، المتمثلة فى التوحيد والتناغم والنظام. لكن انحدرت الفنون الإسلامية لأسباب عديدة مقابل الطفرات التى شهدها الفن الغربى منذ عصر النهضة إلى الحداثة.

■ لوحة للفنان عوض الشيمي
وفي مصر لم تصمد الفنون الإسلامية التى عانت التجريف على أيدى العثمانيين الذين أخذوا الفنانين والصناع المهرة إلى تركيا، واحتجزوهم هناك.
ومع ذلك لم يتوقف الفنانون المعاصرون عن استلهام الفن الإسلامى، مثل أعمال الحفر للفنان عوض الشيمى المستوحاة من التراث الإسلامى، وأعمال الخزاف «إبراهيم سعيد» التى تستلهم التراث الإسلامى من فن الخزف، وتعيد صياغتها بلغة فنية معاصرة.

■ لوحة نساء الجزائر لأويجين ديلاكروا تظهر طريقة تقديم المستشرقين للفن الإسلامي
وهو أمر بالغ الأهمية، ويمكن فهمه من خلال مقال الباحث والأستاذ بجامعة فيرجينيا «أولادامينى أوجونايكى» الذى نشر عام 2017 تحت عنوان «اللاهوت الصامت فى الفن الإسلامى».

■ مبنى رويال بافيليون في إنجلترا مستوحى من العمارة الإسلامية الهندية
وقال فى بدايته «إننى إذا ما طُلب منى أن أقدم الإسلام إلى جمهور غير ملم بالدين أو الحضارة الإسلامية، فلن أقدم لهم شرحا أو تفسيرا، ولكن سأسمعهم تلاوة قرآنية على مقام عربى بدون ترجمة، أو أجعلهم يتأملون مخطوطة للقرآن مزخرفة بخط الثلث أو الكوفى، أو سأقدم لهم جامع «ابن طولون» فى القاهرة، أو «القرويين» فى فاس، أو أسمعهم موسيقى شعر «ابن الفارض». وقال إن هذه الروائع التى أنتجتها الحضارة الإسلامية، تنقل لنا جمال الوحى ورسالته بصراحة ووضوح يفوق أى مقالات أو كتب عن الإسلام.
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
لا اعتراف.. لا شرعية.. لا عبث بالتاريخ| القاهرة تتصدى لـ«سفارة الوهم» على أرض القدس
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»







