يعتبر شارع التبليطة أحد الشوارع القديمة في منطقة الدرب الأحمر، حيث يعود تاريخه إلى زمن تأسيس القاهرة الفاطمية في القرن العاشر الميلادي. يتميز هذا الشارع بالعمق التاريخي والثقافي كونه يحمل ذكريات عصور متلاحقة، من فترات الأيوبيين والمماليك إلى العصور العثمانية.
ويشتهر بتنوع معالمه الأثرية التي تشمل المساجد، التكايا، الوكالات، والأسواق الشعبية، والتي جعلت منه متحفاً مفتوحاً يجسد تنوع وثراء العمارة الإسلامية.
في هذا التقرير يستعرض جوانب متعددة من شارع التبليطة، ويغوص في تفاصيل معالمه الأثرية وأهمية هذا الشارع التاريخية لأهالي الدرب الأحمر وزائريه.
◄ الدرب الأحمر وتاريخ القاهرة الفاطمية
يعد الدرب الأحمر من أقدم أحياء القاهرة، ويعود تاريخه إلى فترة بناء القاهرة الفاطمية في عام 969 ميلادي، حيث وُضعت حدود المدينة لتصبح لاحقًا الحاضنة لأغنى مناطق القاهرة التاريخية. وتعتبر منطقة الدرب الأحمر فريدة من نوعها؛ فهي شهدت استمرارية في تخطيط شوارعها وأزقتها التي حافظت على شكلها الأصلي، مع تغييرات طفيفة للأسماء أو المباني عبر مئات السنين.
◄ أهمية الموقع
يقع شارع التبليطة بجوار الجامع الأزهر الشهير، ويمتد خلف مجموعة محمد بك أبو الدهب الأثرية. يُعرف الشارع أحيانًا باسم شارع الشيخ محمد عبده، وقد ذُكر الشارع لأول مرة في كتاب "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" للمقريزي، حيث أشار إليه باسم "درب البيضاء". ويقول المقريزي عن هذا المكان إنه كان جزءًا من منطقة الأكفانيين ويضم دارًا تُعرف بـ"الدار البيضاء".

وفيما بعد، وصف علي باشا مبارك الشارع في كتابه "الخطط التوقيفية" الصادر عام 1881م، وذكر أهم معالمه ومبانيه، بدءًا من مدفن الغوري ومرورًا ببيت سليمان بك العيسوي، أحد التجار المعروفين في ذلك الوقت.
◄ سوق التبليطة وحنفية المياه العمومية
يُعد سوق التبليطة نقطة محورية لأهالي الدرب الأحمر، فهو سوق شعبي يختص ببيع الخضار والفواكه، حيث كان يُعد المورد الأساسي لعدد كبير من سكان المنطقة.
أمام السوق، كانت هناك حنفية مياه عمومية خدمت سكان الدرب الأحمر إلى وقت قريب، مما جعل الشارع محور حياة المجتمع المحلي. هذا التفاعل اليومي ضمن هذا السوق العريق يعكس ارتباط الشارع بتقاليد الحياة الشعبية.
أبرز المعالم الأثرية في شارع التبليطة
يمتاز شارع التبليطة بمجموعة غنية من الآثار، وهي كالتالي:
◄ مجموعة الغوري
في المدخل الجنوبي لشارع التبليطة، نجد مجموعة الغوري، والتي تشمل المدرسة والخانقاه والسبيل والكتاب. تم بناؤها في عهد السلطان قانصوه الغوري في بداية القرن السادس عشر، وتعد من أهم المعالم الأثرية في الشارع.
◄ وكالة الغوري
تأسست كفندق ووكالة تجارية في عام 1504م. تُعد هذه الوكالة من النماذج المكتملة للوكالات التجارية الأثرية، وهي مسجلة ضمن الآثار الإسلامية، وتعد شاهداً على النشاط التجاري الذي كان يعم المنطقة.
◄ مجمع أبو الذهب
يقع في الجهة المقابلة لوكالة الغوري، ويضم مسجدًا ومدرسة وتكية أنشأها الأمير محمد بك أبو الذهب في القرن الثامن عشر. وكان الأمير أبو الذهب معروفاً بسخائه، حيث اعتاد توزيع الذهب على الفقراء.
اقرأ أيضا| «حمام نجم الدين يوسف».. إرث معماري من العصر الأيوبي
◄ وكالة قايتباي
إلى جانب الوكالة، نجد حوض قايتباي لسقاية الدواب وسبيله وكتابه، وهي جميعها معالم أثرية تحمل تفاصيل عن الحياة اليومية لسكان المنطقة في العصور الماضية.
◄ حمام المصبغة
وهو أحد الحمامات القديمة في المنطقة، بُني في عهد الأيوبيين، وكان يعرف سابقًا بحمام القفاصين. يعكس الحمام الطراز المعماري الذي ساد تلك الفترة ويضيف لشارع التبليطة بعدًا اجتماعيًا وتاريخيًا.
◄ سبيل القاضي زين العابدين
أنشئ في القرن السابع عشر ويقع في نهاية سوق التبليطة. يبرز هذا السبيل أهمية السقايات كخدمة اجتماعية أساسية للسكان.
◄ جمالية التخطيط المعماري
يتسم شارع التبليطة بتخطيطه الذي يخلق شعورًا بكونه مسرحًا عملاقًا يتوزع على جنباته تاريخ لا مثيل له. فبين وكالة الغوري ومجمع أبو الذهب، تظهر المعالم المعمارية المتعددة بتفاصيلها الهندسية، لتروي قصصاً عن العصور التي مرت بها، من السلطان الغوري إلى الأمير أبو الذهب.
◄ التراث الثقافي والاجتماعي
يعتبر الشارع مرآة تعكس ثقافة وتقاليد أهل الدرب الأحمر، حيث يقام سوق التبليطة يوميًا ليجمع السكان المحليين والزوار. ويتذكر كبار السن حنفية المياه التي كانت تجمع الناس وتشكل جزءاً من الذكريات اليومية للأجيال السابقة.
كما ساهمت الوكالات والمساجد في الحفاظ على هوية الشارع من خلال الأنشطة التجارية والدينية والتعليمية التي كانت تُعقد داخلها، ما جعله مكانًا نابضًا بالحياة ومحوراً للأنشطة الاجتماعية.
◄ علي باشا مبارك وحديثه عن الشارع
يذكر علي باشا مبارك في كتابه وصفًا شاملاً للشارع، حيث تحدث عن أحد السواقي النقالة التي كانت تنقل الماء من الخليج إلى سبيل العقادين وسبيل النحاسين، وهي جزء من مشاريع البنية التحتية التي أمر بإنشائها محمد علي باشا.
يمثل شارع التبليطة جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة القاهرة التاريخية، ويظل شاهداً على تطور العمارة الإسلامية وتفاعل الحياة الشعبية مع التراث الأثري. فكل ركن من أركانه يحمل قصة تعود لحقب سابقة، من المجمعات الإسلامية والمدارس إلى الأسواق والوكالات. ومع أن بعض هذه المعالم قد تلاشى، إلا أن الشارع ما زال يحتفظ بجماله وأصالته، جاذبًا الزوار والمهتمين بالتراث والثقافة.






«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







