اهتمام غير مسبوق من القيادة السياسية بتطوير البحيرات المصرية ، نجح فى إعادتها إلى سابق عهدها، وتأتى فى قائمتها بحيرة قارون.
تضمنت محاور تطوير بحيرة قارون تحسين جودة المياة عبر إنشاء محطات معالجة الصرف الصحى للقرى المحيطة بالبحيرة، لضمان تقليل تلوث البحيرة واستعادة توازنها البيئى.
تشمل هذه المشروعات إنشاء 24 محطة معالجة، منها مشاريع ممولة ضمن مبادرة "حياة كريمة"، ومشروعات قروض أوروبية، لضمان أعلى معايير الجودة البيئية .
أما اليوم، فقد شهدت بحيرة قارون تحولا نوعياً، وبدأت بوادر الأمل تلوح فى الأفق. مع افتتاح موسم الصيد أمس، بحضور محافظ الفيوم الدكتور أحمد الأنصارى، يبدو أن الحياة عادت لتنبض فى بحيرة قارون بعد فترة عصيبة من الحظر والجهود المضنية. لكن ما الذى تغير؟ وكيف تحولت بحيرة قارون من مجرد لوحة حزينة إلى صورة حية نابضة بالأمل؟
بحيرة قارون، تلك اللوحة المائية الخلابة التى تتوسط محافظة الفيوم، لطالما شكلت مصدر إلهام للكتاب والفنانين وموطنا للثروة السمكية، لسنوات طوال، كانت البحيرة تعانى من تدهور بيئى هدد توازنها الطبيعى ومخزونها من الأسماك، مما انعكس سلبا على الصيادين الذين يعتمدون عليها كمصدر رزق أساسى.
اقرأ أيضاً| محافظ الفيوم: مصر بذلت جهودا كثيرة لتطوير بحيرة قارون
منذ سنوات، أدركت الجهات المعنية مدى التدهور البيئى الذى لحق ببحيرة قارون، وأطلقت خطة طموحة لإنقاذ هذا المورد الطبيعى الهام. البداية كانت بقرار جرىء حظر الصيد لمدة شهرين كاملين، بهدف منح البحيرة فرصة للتعافى واستعادة توازنها البيئى. كان هذا القرار محط جدل وتوتر بين الصيادين، لكنه جاء مدعوما بجهود مكثفة من الدولة ومؤسساتها العلمية والتنفيذية لوقف نزيف البحيرة وتدهور حالتها.

فى هذا السياق، وقف الدكتور أحمد الأنصارى محافظ الفيوم إلى جانب الصيادين فى لحظة الافتتاح ليشاركهم فرحتهم بعودة البحيرة، معبرا عن سعادته بهذا الإنجاز الذى تحقق بفضل جهود مشتركة بين عدة جهات.
وأوضح الأنصارى أن ما نشهده اليوم هو ثمرة لجهود طويلة شملت جهات عدة مثل "جهاز حماية وتنمية البحيرات"، و"وزارة البيئة"، و"وزارة الصحة"، و"جامعة الفيوم"، و"مركز البحوث الزراعية". إذ عملت هذه الجهات الجهات بالتعاون مع الدكتورة نسرين عز الدين وفريقها العلمى على إجراء الدراسات البيئية اللازمة وتحليل الوضع المتدهور للبحيرة، وتقديم خطط استراتيجية لحمايتها.
كان الهدف من كل هذه الجهود هو استعادة التنوع البيئى لبحيرة قارون، مع التركيز على مكافحة الطفيليات التى تؤثر على الأسماك، وعلى رأسها طفيل الأيزوبودا.

ومن الإجراءات العملية التى ساهمت فى إعادة إحياء البحيرة، كانت هناك خطوات لتعزيز مخزون البحيرة من الأنواع السمكية التي تُعد رمزاً لها، مثل أسماك الجمبرى والموسى والبلطى والبورى. إذ تم إنزال زريعة الجمبرى على دفعات تجاوزت 6 ملايين زريعة، وهو رقم كبير يعكس حجم الجهود المبذولة لتجديد الحياة فى البحيرة. ويعتزم المسؤولون رفع هذا الرقم إلى 20 مليون زريعة مستقبلاً لتعزيز المخزون السمكى بشكل أكبر.

ولتوفير بيئة صالحة لهذه الأسماك، تعمل محافظة الفيوم على تحسين جودة المياه التى تصب فى البحيرة، وذلك من خلال مشاريع إنشاء محطات معالجة للصرف الصحى تخدم القرى المحيطة. تشمل هذه المشاريع 8 محطات ضمن القرض الأوروبى، و 6 محطات مخصصة للقرى الأكثر احتياجا، إضافة إلى 10 محطات أخرى ضمن مبادرة "حياة كريمة". من المتوقع أن تدخل معظم هذه المحطات الخدمة بحلول عام 2025، على أن تستكمل المشروعات تباعاً حتى نهاية 2028 .
هذه الإجراءات التى تبدو تقنية ومعقدة قد حققت بالفعل تحسنا فى خواص المياه، حيث شهدت البحيرة انخفاضا ملحوظا فى نسبة الملوحة، وهو ما يؤهلها لتكون بيئة مناسبة لتربية العديد من أصناف الأسماك والقشريات. هذا التحسن الملحوظ أعاد الثقة للصيادين الذين كانوا قد فقدوا الأمل سابقاً فى إمكانية عودة بحيرتهم إلى سابق عهدها. ليس هذا فقط، بل أعاد الحياة لسوق السمك الذى كان قد توقف لعقد تقريبا بسبب تراجع إنتاج البحيرة. وللمرة الأولى منذ 9 سنوات، أقيم مزاد بيع الأسماك على ضفاف البحيرة، حيث شارك المحافظ مع الصيادين فى هذا الحدث الذى مثل نقطة تحول حقيقية.

لم تقتصر الجهود المبذولة على تحسين خواص البحيرة فحسب، بل امتدت أيضاً إلى دعم الصيادين الذين عانوا لفترات طويلة من تبعات التدهور البيئى.
فى لفتة تعكس حرص المحافظة على تحسين أوضاع الصيادين، وجه محافظ الفيوم رئيس جمعية قارون لتنمية الثروة السمكية بإعفاء الصيادين من رسوم الـ5% التى كانت تتقاضاها الجمعية عند توريد الأسماك، مما يسهم فى تخفيف الأعباء المالية عن كاهل الصيادين ويدفعهم لمواصلة العمل فى البحيرة بمزيد من التفاؤل والحماس.
ورغم هذه الإنجازات، فإن التحديات لا تزال قائمة، خاصة فى ظل الطبيعة المغلقة للبحيرة، التى تجعلها أكثر عرضة للتلوث وللتغيرات المناخية التى قد تؤثر على التوازن البيئى فيها.

وقد أكد المحافظ فى ختام حديثه أن الحفاظ على بحيرة قارون يتطلب تضافر جهود الجميع، من مؤسسات حكومية ومواطنين، للمحافظة على هذا المورد الطبيعى واستمراريته كمصدر للرزق والاقتصاد المحلى، وكذلك كأحد المعالم البيئية والتاريخية المهمة فى مصر.
بهذه الجهود المكثفة والتعاون المستمر، تنبض بحيرة قارون من جديد، لتعود كما كانت فى الماضي نبعا للحياة وملاذا للطبيعة، تتراقص فى مياهها الأسماك والجمال، وتروى ضفافها قصص الصيادين وكفاحهم وأملهم المتجدد.

غداً.. بدء تشغيل المنفذ الجديد لشحن الغاز في أشمون
محافظ المنوفية يلتقي وفد حزب الجبهة الوطنية للتهنئة بالعيد القومي
وزير الصحة يتفقد تدشين منظومة التامين الصحي الشامل بالمنيا






