لا يجيد الدكتور أشرف شاكر، القائم بأعمال رئيس قسم الفلك بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، المجاملات، حتى فى التعبير عن آرائه، لذلك دائما ما تخرج الكلمات من فمه سريعة مثل الطلقات، بما يعكس حرص قائلها على الوضوح والصراحة دون التفكير فى آراء يجمل بها الصورة.
يعرف كل من يتعامل معه منذ التحاقه بالمعهد عام 1992، هذه السمة الواضحة فى شخصيته، وكنت أتوقع أن تكسبه المسئولية الإدارية بعضًا من المواءمات فى التعبير عن الآراء، لكنه فاجأنى بآراء تشير إلى أنه لم يتغير، بل ربما صار أكثر وضوحًا وصراحة. ورغم أن الحوارات عادة ما تبدأ بالأسئلة التمهيدية قبل الدخول فى المناطق الشائكة، لكن رغبتى فى اختبار التحولات فى الشخصية بعد تولى المسئولية، دفعتنى للبداية بالسؤال الشائك، وهو نظرة المجتمع إلى الفضاء والفلك، باعتبارها علومًا للمتعة، ولا تستحق أن يتم توجيه الأموال إليها مثل علوم الطب والهندسة وغيرها.
◄ أرصادنا أسهمت في استعادة طابا.. وشاركت في مهمة الهبوط على القمر
◄ خسرنا الكثير من ريادتنا الفضائية.. ووعي الأجيال الجديدة يمكن البناء عليه
لم ينتظر شاكر إكمال سؤالي، وانطلقت الكلمات كالطلقات من فمه، وهو يقول بنبرة صوت مرتفعة تعكس عشقه لتخصصه: «للأسف كثيرا ما يتردد هذا الكلام، الذى لا يصدر إلا من شخص جاهل، لا يعلم أن علوم الفضاء والفلك تتدخل فى كل تفاصيل حياته اليومية».
وقبل سؤاله عن تفسير لتلك الإجابة، واصل الشرح والتوضيح بنفس النبرة المرتفعة، قائلا: «شاركت فى لقاء سئل فيه الملحق الثقافى للسفارة الأمريكية سؤالا شبيها، كان صاحبه يقلل من الجدوى الاقتصادية لعلوم الفضاء، فابتسم الرجل ابتسامة ساخرة، تعكس تعجبه من السؤال، قبل أن يقول بكلمات واضحة لا تقبل التأويل (أمريكا لن تنفق دولارا على الفضاء، إذا لم تكن تعلم أنها ستجنى من ورائه 30 دولارا)».

■ مرصد القطامية الفلكي
◄ عشر دقائق من التفاصيل
وخلف إجابة الملحق الثقافى الكثير من التفاصيل التى استمر الدكتور شاكر يتحدث فيها قرابة العشر دقائق
بنبرة متحمسة، ولولا خوفه من تململى من حديثه الذى لم يتوقف، لاستمر فى حديث لا ينقطع عن الجدوى الاقتصادية لأبحاث الفلك والفضاء.
وبدأ الدقائق العشر بالإشارة إلى هاتفى المحمول قائلا: «سأبدأ بهذا الجهاز الذى تحمله ويحمله كل البشر على اختلاف مستوياتهم الاقتصادية، فهو نتائج البحث الفضائي».
وتابع: «كان تطوير أقمار الاتصالات نتاجا للبحث الفضائي، وساعد ذلك على إنشاء شبكات اتصالات عالمية تشمل الهواتف الفضائية والإنترنت العالمى المحسن وتحسين اتصالات الهواتف المحمولة».
ويرتبط بهذا الجانب المهم، الدور الذى تلعبه الأقمار الصناعية فى جهود الإغاثة والتنسيق، وقال: «الصين على سبيل المثال تفرض حاليا على السفن والسيارات وكل وسائل النقل وضع جهاز تتبع يربطها بالقمر الصناعي، بما يساعد فى توجيه جهود الإغاثة بشكل سريع فى حال حدوث أى مشكلة، وهذا بدوره ساعد على تقليل الحوادث إلى النصف تقريبا».
وتعتمد الملاحة البحرية والجوية على نظام تحديد المواقع (جى بى إس)، القائم على الأقمار الصناعية، التى كانت نتاج البحث الفضائي، فهل نستطيع تخيل الحياة بدون هذا النظام؟
يومئ بالرفض فى إجابته على السؤال الذى طرحه بنفسه، ليتبعه بسؤال آخر يكشف عن تطبيق للبحوث الفضائية فى مجال الصحة والبث التليفزيوني، قائلا: «وهل نستطيع تخيل الحياة بدون البث التليفزيونى وأدوات تشخيص الأمراض القائمة على التصوير الطبي؟
يومئ بالرفض فى إجابته على هذا السؤال أيضا، قبل التوضيح أن «تقنيات مثل التصوير بالرنين المغناطيسى والأشعة المقطعية، تمت إتاحتها فى الأصل لأغراض استكشاف الفضاء، ثم تم تعديلها لتحسين تقنيات التصوير الطبى على الأرض، مما ساهم فى تحسين التشخيص والعلاج».
ونفس الشيء بالنسبة للأقمار الصناعية الجغرافية الثابتة، والتى تم تطويرها لأغراض فضائية، ثم أصبحت أداة تمكن من نقل إشارات التليفزيون عالميا، مما يسمح ببث الأحداث والبرامج الحية.
وتظهر انعكاسات البحث الفضائى فى كثير من المجالات العسكرية، حيث تعد الأقمار الصناعية المطورة لاستكشاف الفضاء ضرورية الآن لجمع المعلومات الاستخباراتية العسكرية، حيث توفر مراقبة فى الوقت الفعلى للتهديدات المحتملة ومراقبة الحدود وتتبع التحركات.
وأسهم البحث الفضائى فى تطوير اتصالات آمنة ومشفرة عبر الأقمار الصناعية تتيح للوحدات العسكرية التواصل دون تدخل أو اكتشاف، حتى فى البيئات العدائية، كما تعتمد أنظمة الإنذار المبكر التى تتعقب الصواريخ الباليستية والتهديدات الأخرى بشكل كبير على تكنولوجيا الأقمار الصناعية، مما يسمح باتخاذ تدابير دفاعية فى الوقت المناسب، وتستخدم تقنية «جى بى إس» المستمدة من البحث الفضائي، فى توجيه الملاحة بدقة فى العمليات العسكرية وتحسين دقة الصواريخ والأنظمة الأخرى.
◄ اقرأ أيضًا | أستاذ فلك يكشف تأثير القمر على ظاهرة المد والجزر خلال الأيام المقبلة
◄ وعي الأطفال يفوق الكبار
ويصمت شاكر لوهلة يرتوى خلالها برشفة من ماء، قبل أن يضيف وقد انخفضت نبرة صوته قليلا: «هل تريد المزيد أم يكفى ما قلته؟».
سمح سؤاله الذى ختم به إجابته، بالانتقال إلى سؤال آخر كان يلح على ذهني، بينما كان يواصل الاسترسال فى الحديث عن تطبيقات البحث الفضائي، وهو: «هل أنتم مقصرون فى توصيل هذه الحقائق للجمهور العام؟».
ينتزع السؤال على عكس ما توقعت ضحكة عالية من الدكتور شاكر، أتبعها بقوله: «سأفاجئك بأن الأطفال على دراية بما أقول وأكثر، وهذا ما ألمسه فى كثير من الندوات التثقيفية والتوعوية التى ينفذها المعهد، بل إنهم كثيرا ما يفاجئونى بأسئلتهم التى تعكس وعيا كبيرا، ولكن المشكلة فى الأجيال الأكبر، التى تعكس أسئلتها وعيا منخفضا يفسر لماذا لا يقدرون قيمة علوم الفلك والفضاء».
ويرى شاكر أن وعى الأجيال الجديدة، نقطة إيجابية يمكن البناء عليها، لوضع مصر من جديد على خريطة أبحاث الفضاء والفلك، بعد أن خسرنا الكثير من ريادتنا فى هذا المجال، التى تعود إلى أكثر من 200 عام.
وتظهر مسحة من الحزن على وجهه، وهو يقول: «لا أخفيك سرا، أنى أشعر بالحزن أن بلدا كانت صاحبة أول مرصد فى الشرق الأوسط وأفريقيا، وهو مرصد حلوان، والتى تمتلك أيضا أكبر تلسكوبات فى الشرق الأوسط، وواحدا من الأكبر فى العالم، وهو تلسكوب 74 بوصة (1.88 متر) بالقطامية، يكون الانطباع السائد لدى مواطنيها، أن أبحاث الفلك والفضاء غير ذات قيمة».
◄ إنجازات تاريخية
ويبدو أن وقع سؤالى الأول لا يزال مستمرا معه، إذ عاد وقال بعد أن استرجع تاريخ المعهد: «يكفى أن يعرف المقللون من قيمة أبحاث الفلك والفضاء، أن أرصاد باحثيكم فى مرصد القطامية لعبت دورا حاسما فى تقديم قياسات جيوديسية وفلكية دقيقة لدعم مطالبة مصر بطابا، حيث استخدم الباحثون خبرتهم فى علم القياسات الفلكية (القياس الدقيق لمواقع وحركات الأجرام السماوية) لتحديد الموقع الدقيق للعلامات الحدودية التاريخية، وقدموا أدلة علمية دعمت الحجج القانونية لمصر أمام لجنة التحكيم الدولية، كما كان مرصد حلوان واحدا من المراصد الفلكية العالمية التى ساعدت فى تحديد موقع الهبوط المناسب على سطح القمر خلال مهمة أبولو للهبوط على القمر فى الستينيات».
وحديثا، نجح مرصد القطامية فى رصد الصاروخ الصينى التائه الذى حير العالم، واستطعنا تقديم معلومات استفاد منها العالم فى تعقب هذا الجسم، ونعد بالكثير مع المرصد الجديد الذى يتم بناؤه حاليا فى جبل الرجوم بسيناء.
ويعتبر شاكر المشروع القائم حاليا لإنشاء المرصد بتكلفة تصل إلى 4 مليارات جنيه، تعبيرا عن إدراك القيادة السياسية لقيمة وأهمية الأرصاد الفلكية، حيث سيكون هذا المرصد على قدم المساواة مع المراصد العالمية التى توجد فى جنوب إفريقيا وصحراء تشيلى.
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







