«كوب 29».. ساحة لـ«التضليل الأخضر» الإسرائيلي| آلياتها العسكرية أنتجت انبعاثات 20 دولة في شهرين

■ صورة أرشيفية
■ صورة أرشيفية


بنبرة بدت حزينة استهل سيمون ستيل، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ صباح الاثنين، كلمته في افتتاح قمة المناخ «كوب 29»، بالحديث عن معاناة جارته فلورانس، بجزيرة كارياكو الواقعة في منطقة الكاريبي، التي تهدم منزلها في يوليو من هذا العام، بسبب تداعيات تغيرات المناخ الجامحة.

كان الهدف من تلك البداية الإنسانية، الإشارة إلى أن ملايين الضحايا في العالم سيعانون مثل فلورانس، إذا لم ينجح المجتمعون في باكو بأذربيجان من اتخاذ خطوات جادة نحو تحقيق أهم بنود اتفاقية باريس 2015، بالحد من الاحترار إلى 1.5 درجة مئوية.

ولا يملك كل من حمل بين ضلوعه قلبا ينبض بالإنسانية، سوى أن يشارك ستيل، قلقه على ملايين الضحايا مثل فلورانس، والذين سيواجهون تداعيات تغير المناخ، ولكن ما لم يستوعبه أصحاب هذه القلوب، ألا يمتد قلقه إلى الآلاف الذين يلقون حتفهم يوميا فى قطاع غزة ولبنان جراء عمليات عسكرية للاحتلال الإسرائيلي، خلفت انبعاثات كربونية قياسية تساهم في الاحترار العالمي.

◄ سياسة الكيل بمكيالين

ولا ينسى المتابعون لقمة المناخ فى شرم الشيخ قبل عامين (كوب 27) كيف كان الحديث عن البصمة الكربونية للحرب الروسية الأوكرانية يخيم على مناقشات القمة التى عقدت بعد شهور من اندلاع تلك الحرب، ولكن يبدو أن عاما من الحرب الدائرة فى قطاع غزة، ومؤخرا فى لبنان، لم يكن كافيا للإشارة إلى بصمتها الكربونية، فى بداية بدت مخيبة للآمال، وكاشفة عن أن من يسعون لتحقيق العدالة المناخية، يمارسون سياسة «الكيل بمكيالين» عند الحديث عن «البصمة الكربونية».

وكانت أجواء الحرب الروسية الأوكرانية حاضرة فى كلمة ستيل خلال افتتاح قمة «كوب27 »، وتم تنظيم أكثر من فاعلية تطرقت إلى بصمتها الكربونية، والتى تشكلت، بحسب رسلان ستريليتس، وزير حماية البيئة فى أوكرانيا خلال إحدى الفعاليات بالقمة، من مساهمة الحرب بشكل مباشر فى انبعاث 33 مليون طن من الغازات المسببة للاحتباس الحرارى التى تعمل على ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوى للأرض، كما تمت الإشارة وقتها إلى أن إعادة بناء أوكرانيا سيتسبب فى انبعاثات أكبر بكثير، تصل إلى 49 مليون طن من ثانى أكسيد الكربون.

وبينما أتاحت الأمم المتحدة للوفد الأوكرانى الحديث بحرية عن البصمة الكربونية للحرب فى «كوب27»، تعكس بدايات «كوب 29»، أن هناك رغبة غير معلنة فى منح إسرائيل الفرصة  لممارسة «التضليل الأخضر» الذى يبدو أنها ستمارسه بنشاط خلال القمة. 

ويمثل دولة الاحتلال فى القمة مائة عضو، وهو وفد كبير إلى حد ما مقارنة بقمم المناخ السابقة، وهوما يعكس «العلاقة الوثيقة بين إسرائيل وأذربيجان»، والتى وصفها جدعون بيهار، المبعوث الخاص لتغير المناخ والاستدامة فى وزارة الخارجية بدولة الإحتلال بـ «الدولة الصديقة».

وتشارك خلال فعاليات القمة بجناح يركز على تقنيات المناخ، وتحاول من خلاله بيع صورة إسرائيل كزعيمة بيئية، حيث ستعرض 20 شركة ناشئة تقنياتها فى مجالات الطاقة والمياه والزراعة والتصنيع المستدام والبناء وتكنولوجيا الأغذية والنقل وإدارة النفايات واحتجاز الكربون.

◄ اقرأ أيضًا | مدبولي يشارك في الجلسة الافتتاحية لقمة المناخ «كوب 29»

◄ البصمة الكربونية للحرب

وإزاء هذا «التضليل الأخضر» الذى ستمارسه إسرائيل، يجب على أولئك الملتزمين بتحقيق العدالة المناخية استغلال هذا المؤتمر كفرصة لفضح آلياته وبيان الصلة الواضحة بين البصمة الكربونية لعملياتها العسكرية فى غزة، وتغير المناخ.

ولن يجد هؤلاء أى صعوبة فى توافر الأرقام التى تكشف حجم البصمة الكربونية للحرب فى غزة، حيث يكشف بحث أجراه باحثون فى المملكة المتحدة والولايات المتحدة، ونشرته فى يناير الماضى شبكة أبحاث العلوم الاجتماعية، أن الانبعاثات المسببة للاحترار العالمى الناتجة خلال الشهرين الأولين من الحرب فى غزة كانت أكبر من البصمة الكربونية السنوية لأكثر من 20 من الدول الأكثر تعرضا لتأثيرات تغير المناخ فى العالم. 

وأظهرت التحليلات أن الغالبية العظمى (أكثر من 99%) من 281٫000 طن مترى من ثانى أكسيد الكربون التى يُقدر أنها انبعثت خلال أول 60 يوما بعد بداية الحرب فى 7 أكتوبر، تعزى إلى القصف الجوى الإسرائيلى والاجتياح البرى لغزة.

ولا يمكن لعاقل تصديق أن الدولة المسئولة عن هذه الأرقام هى ذاتها التى تحاول إظهار نفسها كزعيمة بيئية، وهو ما يؤكد ما وصفت به الكاتبة والمحللة الفلسطينية زينة آغا السياسة البيئية لإسرائيل بأنها «ذات وجهين»، فمن ناحية تروج «للإصلاح البيئى والتطوير التكنولوجى» ومن ناحية أخرى « تمارس آلياتها العسكرية تلويث البئية وحرمان الفلسطينيين من أراضيهم ومياههم ومواردهم الطبيعية الأخرى».

◄ مواجهات متوقعة

وإذا كان ستيل، قد تجاهل هذا التحدي البيئي للحرب فى قطاع غزة، فإن هناك شخصيات كانت أعلنت عن عزمها الحديث عنه خلال القمة.

وقال وزير البيئة والمناخ والاتصالات الأيرلندى، إيمون رايان إنه « يخطط بالفعل لمواجهة إسرائيل خلال القمة بشأن انبعاثات الحرب»، وشدد فى مقابلة مع صحيفة محلية على أن «انبعاثات الكربون من العمليات العسكرية يجب أن تؤخذ فى الاعتبار لتعكس التكلفة البيئية الحقيقية للصراع».

وانتقدت زميلته، المتحدثة باسم الحزب الديمقراطى الاجتماعى لشئون المناخ جينيفر ويتمور، مشاركة إسرائيل فى مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين ووصفتها بأنها «نفاقية»، وزعمت فى مقابلة أن «الحرب فى غزة أطلقت فى شهرين نفس كمية الانبعاثات التى تطلقها 20 دولة نامية».

وأضافت أن «إعادة بناء غزة سيستخدم انبعاثات تعادل 135 دولة نامية».. فهل هناك آخرون مستعدون لفضح التضليل الأخضر، أم ستنجح دولة الاحتلال فى استخدام مؤتمر المناخ لإضفاء اللون الأخضر على حربها.