الأديب مصطفى عبيد: «ابنة الديكتاتور» لا تستهدف تشويه عصر بعينه

مصطفى عبيد
مصطفى عبيد


يتصور الأديب والروائى والمترجم مصطفى عبيد، أن التاريخ بئر حكايات لا تنتهى، لكن يبقى الخيال كما قال إينشتاين أعظم من الحقيقة، ويتصور أيضًا أن فن الرواية، وفن السينما وجهان لعملة واحدة وهى الحكاية، ويؤكد أن الرواية ليست منشورا سياسيا، وأن الهدف الحقيقى للإبداع هو الإمتاع، وأن الكاتب يخشى كل شىء يُقدم عليه، بدأ «عبيد» حياته الأدبية بكتابة الشعر، ثم اتجه إلى الرواية، والدراسات التاريخية، وأصدر أكثر من 24 كتابًا متنوعًا، وحصل على عدة جوائز، ومنذ أيام قليلة صدرت أحدث رواياته «ابنة الديكتاتور» عن الدار المصرية اللبنانية، وحول هذه الرواية كان لنا معه هذا اللقاء:

اقرأ أيضًا | المعجم التاريخي للغة العربية يخرج للنور بمعرض «الشارقة للكتاب»

 

 

ابنة الديكتاتور» عنوان جذاب ومثير، لا يستهدف شخصا محددا، لكنه يشير إلى مرحلة بكاملها،  فهل الهدف حبكة درامية للكشف عن خبايا فترة زمنية من التاري »


فى رأيى أن الفن فن أولًا وأخيرًا، بمعنى أن الرواية ليست منشورا سياسيا، وليست مقال رأي، أو خطبة عصماء فى مدح عصر أو قدح غيره، لا يجب أن تستهدف الرواية توجيها بعينه دينيًا أو حتى أخلاقيًا أو غيره، لأن الهدف الحقيقى للإبداع هو الإمتاع، وصناعة الجمال، وصياغة السحر، وإنتاج الدهشة، وتحضير الشغف، ولم أقصد تشويه زمن بعينه أو أشخاص محددين.

 

 

وتابع:  كانت الحكاية هى العمود الأول، بغض النظر عما قد تسببه من ضيق أو حزن لدى البعض، من هنا لا أعترف بمسمى عورات زمنية فى التاريخ لأن لكل عصر عوراته، والإشارة إلى هذه القبائح لا تعنى وصم الزمن كله بالسوء، فهذا حكم متعجل، صحيح أن موقفى الإنسانى مناهض لزمن جمال عبد الناصر، وأراه بناء مؤسسًا لهيمنة رقابية عتيدة على الإنسان، لكن ذلك لم يكن مبرر كتابة «ابنة الديكتاتور»، لأن الرواية أو الفن الروائي لا يجب أن يوظف سياسيًا أو فكريًا، أنا انتصر للحكاية المدهشة أولا دون بحث عن آثارها على المتلقي، وأكتب لأمتع القراء لا لأقنعهم بتوجهاتى السياسية.

التاريخ لا يكتبه المنتصرون فقط

وتابع: التاريخ لا يكتبه المنتصرون فقط، إنما يكتبه المنهزمون أيضًا، لا قواعد لكتابة التاريخ، والمعرفة أهم متطلبات الحياة، ومن يملك المعلومات يملك كل شىء، الثروة والنفوذ والبشر، وفى غلاف الرواية دونت عبارة «مستوحاة من أحداث حقيقية طمست عن عمد»، بهدف إطلاق العنان لمساحات شاسعة من التداخل بين الحقائق والتأليف، فشغف البحث عن المخبوء يجرجر الناس بيسر مهما كان وقتهم مشغولا.



إلى أى مدى جرى المزج بين الواقع والخيال؟
أتصور أن التاريخ أشبه ببئر نفط لحكايات لا تنتهي، وثروة طائلة لأى مبدع أو حكَّاء، وبحر من السرديات الجاذبة، لأنه يضم تفاعلات لقصص إنسانية جرت بالفعل فيها رومانسية وإثارة وصراعات وغموض ومنه يُمكن لأى مبدع أن يتعلم ويلتقط حدثًا ما أو شخصية شبيهة ليبنى عليها حكايته، لكن يبقى الخيال.

كما قال إينشتاين: الخيال أعظم من الحقيقة، لأنه يقدم افتراضاتنا وتصوراتنا وتفاعلات ذواتنا بشأن الأحداث، الخيال أساسى فى نصي، ومعنى أن الرواية مستوحاة من أحداث حقيقية هو إشارة لتاريخ يخجل البعض من الحديث عنه تحت لافتات مختلفة، فى العمل سيجد البعض شخصيات حقيقية بوقائع حقيقية عديدة لكنها تبقى ظلالا للأحداث المتخيلة والشخصيات المتخيلة، ومحاولة تقييم حجم الخيال والواقع فى العمل لا مردود له، المهم أولا وأخيرًا أن يكون النص ماتعًا ومستحقًا لقراءته.

فى الرواية، تداخلت الصوفية مع التاريخ والواقع والخيال، كل منطقة منها عالم مختلف عن الآخر، ألم تخشَ من أن الدمج بينها يمكن أن يشتت القارئ؟
الكاتب يخشى كل شىء يُقدم عليه، كل محاولة تجريب هى رهان صعب، وكل طرح أو تبديل فى الإطار النمطى للسرد هو فعل خطر، لكن المبدع فى رأيى لا يجب أن يوقفه تخوف أو يعرقله قلق من خطوة ما، ربما يقرأ البعض تداخلا بين الصوفية والواقع والجاسوسية والرومانسية وربما يتصور كل قارئ توجها ما بشكل معين، وربما يشعر البعض بالتشتت وربما لا يشعر آخرون بذلك، والحكم فى النهاية له.

استخدمت التقنيات السينمائية فى التنقل بين الماضى والحاضر بشكل يجعلنا وكأننا نشاهد فيلمًا سينمائيًا، هل الأحداث فرضت عليك هذه التقنية، أم لجأت إليها لمزيد من التشويق والإثارة والمتعة؟
أحب التجريب وأعشق السينما، وأتصور أن فن الرواية والسينما وجهان لعملة واحدة هى الحكاية، الأحداث المتسارعة والمتتابعة والانتقال من زمن لزمنٍ تحدٍّ صعب فى السرد الروائي، ولكنه مفيد وجاذب وخاطف للقارئ، وأصعب شىء يمكن أن يحققه الروائى هو أن يختطف القارئ من البدايات، إن هناك نحو عشرة آلاف رواية تصدر كل عام فى العالم العربى ورقيًا وإلكترونيًا واستقطاب قراء ما لنص بعينه أمر بالغ الصعوبة ويحتاج لتقنيات متميزة ولغة آسرة وسلسة، وهذا ما يدفع كبار المبدعين إلى ممارسة تجريب مغاير لما هو معتاد، وهنا فإن استهداف التشويق والإثارة ليس عيبًا وإنما هو ضرورة إبداعية، المهم فى النهاية ألا يكون هناك افتعال أو إقحام للغة خارج السياق.