غابة الأحلام المتحجرة

اللوحات للفنان: خلف طايع
اللوحات للفنان: خلف طايع


حسين عبد البصير

يتسلل الفجر ببطء عبر الأفق، غارقًا فى ضبابٍ خفيف، حين بدأت السيارة تشق طريقها عبر رمال الصحراء الباردة التى كانت تتلألأ كحبات الزجاج تحت ضوء الفجر الخافت.

كانت الرياح تعانق النوافذ بصوت خافت، وكأنها تنذر بشىء مجهول. جلس يوسف خلف المقود، يضغط بأصابع متعبة على عجلة القيادة، وعيناه نصف مغلقتين من إرهاق سهر الليل الطويل. كان شعاع الضوء ينسل عبر الزجاج الأمامى ويلامس وجهه، فيرسم ظلالًا خافتة على ملامحه المجهدة.

إلى جانبه، كان آدم يجلس صامتًا، مستغرقًا فى دوامة من أفكاره المتشابكة، عيناه متسمرتان نحو الأفق البعيد، وكأنه يبحث عن إجابات وسط الصحراء المترامية. لم يكن يتكلم، لكن الصمت الذى أحاط به كان أثقل من أية كلمة قد يقولها.

فى الخلف، كانت منى ويارا تتبادلان الكلمات بهمسٍ حذر، وكأن المستقبل الذى تتحدثان عنه هشٌ، لا يحتمل أن يسمعه أحد. فى عينى كل منهما كان هناك بريق غامض؛ خليط من الأمل الذى يشرق بين حين وآخر، والخوف الكامن من المجهول الذى يلوح أمامهما كظلال الصحراء المتراقصة.

كان الطريق خاليًا، مجرد خط طويل يمتد نحو المجهول. تهتز السيارة مع كل مطب. يغلف الهدوء كل شىء عدا أصوات أنفاسهم. ألقى يوسف نظرة جانبية على آدم وقال: «هل تعتقد أننا سنتعلم شيئًا من هذه الرحلة؟».

تنهد آدم وقال: «أعتقد أن هذه الرحلة قد تكون الأخيرة لنا قبل أن نفقد أنفسنا تمامًا. كل منا يحمل خيباته على كتفيه.»
كانت منى تستمع بصمت، تتأمل الكلام وهى تنظر إلى الأفق البعيد. «ربما سنجد ما نبحث عنه هناك»، قالت بهدوء.

«أو ربما نضيع أكثر»، أضافت يارا بنبرة ساخرة، وهى تحاول أن تخفى قلقها.

بدأت الأشجار المتحجرة تظهر فى الأفق كأشباح ضخمة تجمدت فى مكانها منذ ملايين السنين. كانت تمتد على مد البصر، متشابكة ومتصلبة، وكأنها بقايا عظام عملاقة من عصر آخر، منحوتة منذ زمن عتيق، بدت تلك الأشجار وكأنها سور حجرى طبيعى، يحيط بمكان غارق فى أسرار لا يعرفها أحد، بدت كل شجرة وكأنها حارسة قديمة تقف على أعتاب عالم مجهول، تنتظر من يجرؤ على الاقتراب.

أوقف يوسف السيارة، وأطلق نفسًا طويلاً قبل أن ينزل منها، صوت احتكاك حذائه بالأرض كان الصوت الوحيد الذى يكسر السكون. نزلوا جميعًا ببطء، وكأنهم يخشون أن يوقظوا شيئًا نائمًا فى هذا المكان المهجور.

كانت الأرض تحت أقدامهم صلبة، مليئة بالصخور الصغيرة والحصى الخشن. يتسلل شعور الخشونة عبر الأحذية، وكأنها ترحب بهم ببرود لا يعرف الرحمة.

كان الصمت كالبحر الهادئ الذى لا يتحرك، لكنه يثقل على الأجواء. كلما اقتربوا من الغابة، ازداد هذا الصمت كثافة، حتى كاد يصبح ملموسًا، يلتف حولهم مثل رداء خفى من العزلة.

«هل تشعرون بهذا الهدوء؟» سألت منى وهى تتلفت حولها.

«نعم، وكأنه هدوء ما قبل العاصفة»، قال آدم وهو يراقب الأشجار المتشابكة. كانت تبدو وكأنها تحكى قصصًا قديمة، قصصًا منسيَّة.

بدأوا فى السير داخل الغابة. كانت الأشجار العملاقة تمتد نحو السماء، أوراقها متحجرة كأنها منحوتة من الزمن. شعر يوسف بارتعاش خفيف يسرى فى جسده. «ما هذا المكان؟ يبدو كأنه خارج الزمن.»

نظرت منى حولها وقالت: «هناك شىء غريب هنا، وكأننا لسنا وحدنا.»

فى تلك اللحظة، توقفت يارا فجأة. كانت تحدق فى إحدى الأشجار بعينين مفتوحتين على اتساعهما. اقترب منها يوسف وسألها: «يارا، هل أنت بخير؟»


لكن يارا لم تجب. كانت وكأنها غارقة فى عالم آخر. حاولوا أن يحركوها، لكن دون جدوى.

تقدم آدم نحوها بقلق: «ما الذى يحدث هنا؟ هل هذا المكان يعبث بعقولنا؟».

تذكر آدم اللحظة التى اقترح فيها هذه الرحلة لأول مرة. كانوا جميعًا فى مقهى «زهرة البستان» فى وسط البلد، يتحدثون عن الفشل الذى يلاحقهم.

حاول يوسف إدارة مشروعه الصغير لكنه فشل. انتهت علاقتة منى العاطفية الطويلة مع مراد بشكل مفاجئ. كانت يارا عاطلة عن العمل على الرغم من حصولها على شهادة جامعية. وكان آدم يطارد أحلامه بلا جدوى، كانت الرحلة بمثابة فرصة للهروب من الواقع، بحثًا عن شىء جديد يعيد إليهم الإحساس بالحياة.

فى لحظة من السكون، ظهرت أمامهم امرأة عجوز، كأنها خرجت من ظلال الزمن نفسه. كانت ترتدى ثيابًا بالية، ملطخة بتراب الأرض، ووجهها مجعد كما لو أنه نقش بالزمن، كل تجعيدة تحكى قصة منسية.

عيناها، غائرتان وعميقتان، تلمعان ببريق لا يمكن تفسيره. توقفت على بعد أمتار قليلة منهم، ثم قالت بصوت عميق، كأنه ينبع من أعماق الأرض: «لقد وصلتم.»

تبادل الأربعة نظرات مليئة بالدهشة، لم يستطيعوا النطق بكلمة. لكن العجوز تابعت، وكأنها تقرأ ما يدور فى رؤوسهم: «الغابة كانت تنتظركم.»

من بين صمتهم المربك، انفلتت الكلمات من آدم بصوت حائر: «ماذا تعنين؟»

نظرت العجوز إليهم نظرة مليئة بالحكمة، وكأنها تحمل فى داخلها ألف سر، «هذه الغابة ليست كأى مكان. إنها مرآة لأحلامكم المخبأة وأحزانكم المدفونة. كل ما تخفيه قلوبكم، سيتجسد هنا، أمامكم.»

شعر يوسف بتوتر يتسلل إلى أوصاله. تصاعدت دقات قلبه وكأن شيئًا ثقيلًا يضغط على صدره. قال بصوت مرتجف: «عن أى شىء تتحدثين؟ ماذا تريدين منا؟»

ابتسمت العجوز، لكن ابتسامتها لم تكن مريحة، بل حملت معها إحساسًا بالغرابة. «هذه الغابة تمنحكم ما تحتاجونه، وليس ما تريدونه.»

كانت كلماتها كضربة مفاجئة، حيث شعر كل منهم وكأنها تحدثه على حدة، كأنها تعرف شيئًا عنهم لا يدركونه هم بعد.

فى تلك اللحظة، تذكر يوسف كل القرارات الخاطئة التى اتخذها، وكيف أن حياته انقلبت رأسًا على عقب، تحول مشروعه الذى حلم به لسنوات إلى كابوس، وخسر كل شىء. شعر الآن، فى هذه الغابة الغريبة، بشىء يتغير بداخله، وكأن العجوز تقدم له فرصة جديدة.

من بعيد، بدأت الأشجار تتحرك ببطء، وكأنها تستعد لشىء ما. أشارت العجوز إلى الغابة وقالت: «امضوا إلى عمق الغابة. هناك ستجدون ما تبحثون عنه.»

تقدموا ببطء. يسيطر الخوف على كل خطوة يخطونها. بدأت الأرض تحت أقدامهم تهتز. أصبح الهواء ثقيلاً. سمع يوسف صوت آدم يتنفس بصعوبة بجانبه، بينما منى كانت تراقب الأشجار بترقب.

فجأة، ظهر أمامهم ممر غامض، يمتد إلى أعماق الغابة. كانت العجوز تقف خلفهم، تراقب بصمت. «هذا هو طريقكم»، قالت قبل أن تختفى فى الظلال.

عندما وصلوا إلى نهاية الممر، وجدوا أنفسهم أمام بحيرة صغيرة، مياهها هادئة وكأنها مرآة تعكس السماء. «ما هذا المكان؟» تساءلت منى بدهشة.

جلس آدم بجانب البحيرة، وأخذ نفسًا عميقًا. «ربما هذا هو السلام الذى كنا نبحث عنه.»

وقف يوسف بجانبهم وقال: «أعتقد أن هذه الرحلة لم تكن مجرد هروب. ربما هى الفرصة لنبدأ من جديد.»

نطقت يارا، التى كانت صامتة طوال الوقت، أخيرًا: «أحيانًا نحتاج إلى الضياع لنجد أنفسنا.»

كان الوقت قد اقترب من الغروب. بدأت الشمس تختفى خلف الجبال البعيدة. شعروا جميعًا بأنهم قد تغيروا بطريقة ما، كأن الغابة أخذت منهم عبء الماضى، وأعادت لهم شيئًا جديدًا.

عندما عادوا إلى السيارة، كانوا صامتين، لكن الصمت لم يكن ثقيلًا هذه المرة. كان مليئًا بالسلام والهدوء. أدار يوسف المحرك، بدأ يقود السيارة فى رحلة العودة إلى القاهرة.

بعد أن ساد الصمت للحظات طويلة، تكلم آدم بصوت هادئ، كأنه يحاول استيعاب ما حدث: «هل تعتقدون أن الغابة كانت مجرد حلم؟».

نظرت منى إليه، وابتسمت ابتسامة خفيفة، تلك الابتسامة التى تحمل وراءها شعورًا عميقًا بالتأمل: «ربما كانت أكثر من مجرد حلم.» كانت كلماتها محملة بمزيج من القناعة والتساؤل، كأنها لم تعد تبحث عن إجابات بل أصبحت جزءًا من اللغز نفسه.

وقف يوسف صامتًا لوهلة، ثم رفع بصره نحو الطريق الطويل الذى يمتد أمامهم فى الأفق. قال بهدوء وهو يفكر فى كل ما حدث: «أو ربما كانت الحقيقة التى لم نكن نعرف أننا بحاجة إليها.» نظرته كانت مليئة بالتحرر، وكأن شيئًا ثقيلًا قد انزاح عن كاهله.

كانت يارا تتابع الحديث دون أن تنطق، لكن ملامح وجهها كانت كافية للتعبير عما بداخلها. هناك، على أطراف الصحراء، حيث تتداخل الحقيقة مع الأحلام، عرفوا جميعًا أن هذه الرحلة كانت شيئًا مختلفًا عن أى شىء مروا به من قبل.