هاني أبو العلا يكتب: استضافة المنتدى الحضري في القاهرة تتويج للسياسات العمرانية

هاني أبو العلا
هاني أبو العلا


استضافة القاهرة للمنتدى الحضري العالمي بنسخته الثانية عشرة في الفترة 4-8 نوفمبر 2024، يعد تتويجاً صريحاً واعترافاً دولياً بنجاح تجربة التنمية العمرانية المصرية. ويعتبر  هذا المنتدى هو أهم ثاني حدث تنظمه منظمة الأمم المتحدة بعد مؤتمر التغير المناخي، الذي سبق أن استضافته مصر في نسخته COP27  (بشرم الشيخ( في الفترة من 6 حتى 18 نوفمبر العام قبل الماضي.

وفي السطور التالية نلقي الضوء على أهمية هذا المنتدى، وما هي الرسالة الكامنة في انعقادة في القاهرة في هذا العام، تلك المدينة التي يزيد عدد سكانها عن العشرين مليون. فالمنتدى الحضري العالمي World Urban Forum - WUF الذي يعقد تحت رعاية برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat)، يمثل منصة لتبادل الخبرات والتجارب العالمية حول التحضر وسبل تطوير المناطق الحضرية والوقوف على أفضل الممارسات والحلول المبتكرة للتحديات الحضرية ومحاولات خلق بيئات حضرية مستدامة تحسن نوعية الحياة لجميع سكان الحضر، كما يعني باستعراض أفضل سبل الدفاع عن حقوق جميع سكان الحضر وأهمية التحضر المستدام في تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs).من خلال الشراكات بين مختلف أصحاب المصلحة، وإتاحة الحوار وتبادل المعرفة حول القضايا الحضرية بما في ذلك الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص. 

يحرص على المشاركة فيه الحكومات والخبراء والمهتمين من جميع أرجاء العالم، وهو يمثل فرصة تشاورية تعقد كل سنتين للدول الأعضاء والحكومات المحلية والقطاع الخاص والمجتمع المدني للمشاركة بالخبرات ومشروعات التطوير الحضري وما اتخذته الدول والادارات الحضرية من استراتيجيات ناجحة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. 

يعقد المنتدى كل عامين، حيث تعود بداية انطلاق النسخة الأولى للمنتدى إلى عام 2002، بمدينة نيروبي، في كينيا، تحت شعار: "المدن: مفاتيح المستقبل المستدام"، تلا ذلك النسخة الثانية للمنتدى في برشلونة بأسبانيا، تحت شعار: "إعادة اختراع المدن: التصدي لتحديات التوسع الحضري" في عام 2004. وقد حمل المنتدى في كل نسخة من نسخه شعار يتعلق بالتحدى العمراني المعاصر، كما تم اختيار المدينة المستضيفة لتتماشى مع هذا الشعار،فكانت النسخة الثالثة في فانكوفر بكندا في 2006، ثم في نانجينج، بالصين 2008، وريو دي جانيرو بالبرازيل 2010، ونابولي بإيطاليا 2012، وفي ميديلين، بكولومبيا 2014، و كيتو، بالإكوادور 2016، وكوالالمبور، بماليزيا 2018، و أبو ظبي، بالإمارات العربية المتحدة 2020، و كاتوفيتسه، في بولندا 2022، وسط شعارات: مدن الموانئ والتحضر والهجرة، والتحضر المتناغم، وسد الفجوة الحضرية، والمستقبل الحضري، والعدالة الحضرية في التنمية، ومستقبل المدن، ومستوطنات بشرية آمنة وشاملة. ثم كان اختيار القاهرة في 2024 مع رفع شعار " كل شيء يبدأ محليًا - لنعمل معًا من أجل مدن ومجتمعات مستدامة".

ومما لاشك فيه إن اختيار القاهرة تلك المدينة المزدحمة، مع حرص المنتدى على اختيار مدن ذات كثافات سكانية منخفضة في النسخ الإحدى عشر السابقة يعتبر تحدياً مقروناً بثقة منظمة الأمم المتحدة في ما تم انجازه من تنمية حضرية حقيقة تسمح باستضافة 30 ألف شخص من 180دولة. وفي السياق ذاته فإن استضافة القاهرة للمنتدى الحضري تمثل فرصة في تحقيق مكاسب في مجالات متعددة، لعل أهمها هي التنمية والتخطيط الحضري، حيث يوفر السياق التاريخي والثقافي الغني للقاهرة تجربة فريدة للمناقشات حول التنمية الحضرية مع استعراض أفضل الممارسات والأفكار المبتكرة لمواجهة التحديات الحضرية، في تلك المدينة العريقة. وفي الوقت الذي تواجه فيه المدن في جميع أنحاء العالم آثار التغير المناخي، تؤكد استضافة القاهرة للمنتدى على أهمية التنمية الحضرية المستدامة، وفتح الحوارات العالمية حول بناء القدرة على الصمود في البيئات الحضرية المزدحمة. ومن ناحية أخرى فقد يوفر الجمع بين قادة الفكر وصناع القرار للقاهرة منصة لعرض إمكاناتها كمركز متنام للأعمال والابتكار في المنطقة. واستعراض ما تم انجازه من تجارب للتنمية الحضرية وحلول لمشكلات العشوائيات وغيرها على أرض الواقع، ما قد يزيد من الثقة، بما يتبعه من اجتذاب الاستثمار الأجنبي وتحفيز النمو الاقتصادي من خلال المشاريع الحضرية ذات التمويل الأجنبي.

ومن خلال استضافة عدد كبير من الوفود من مختلف أنحاء العالم، فقد يسر المنتدى التبادلات الثقافية والتعاون الدولي، حيث استطاعت القاهرة أن تضع نفسها كلاعب حيوي في المحادثات الحضرية العالمية، وتعزيز الحوار بين الثقافات والتعاون في القضايا الحضرية. فضلاً عن درسة التحديات، التي مازالت تواجه القاهرة، مثل التحضر السريع، والتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، والمستوطنات غير الرسمية، خصوصاً مع استضافة مصر لعدد كبير من الضيوف من البلدان المجاورة (سوريا، والسودان، والعراق، وغيرها). هو ما يضع العالم في صورة واقعية.

وهنا لا يمكن أن نصف استضافة المنتدى الحضري العالمي 12 في القاهرة بالحدث البسيط. بل إنه يبرهن على دور القاهرة كمركز للحوار والعمل في التنمية الحضرية، مع التأكيد على التجارب الناجحة لسعى الإدارة المصرية إلى مستقبل حضري مستدام وشامل. ومن خلال الاستفادة تجربتها الفريد، تصبح القاهرة مصدراً للإلهام وقيادة المناقشات الجارية حول مستقبل المدن.

حفظ الله مصر

كاتب المقال : أستاذ نظم المعلومات الجغرافية وخبير التنمية المستدامة باليونسكو