الشفرات السرية فى قصائد السماح عبد الله

السماح عبدالله
السماح عبدالله


خالد عبد القادر رطيل

الشاعر السماح عبد الله واحد ممن استطاعوا أن يستخدموا الرمز الشعرى الدالّ الفاعل، الذاتى المستبطن المجدد المتجدد، وقد استطاع مغازلة اللغة، ومحاورتها ومبارزتها واستجوابها حتى تبوح له بكلّ مكنونها مطيعة مانحة، حيث تخطى حواجز اللغة العادية التى يدركها القاصى والدانى إلى إشارة أو رمز دالّ ذى طبيعة غامضة، له مدلولات مشتركة بينه وبين صفوة المتلقين، وندرك ذلك فى رحلته الشعرية بدءاً من أول دواوينه الشعرية: «خديجة بنت الضحى الوسيع» حتى آخر منتجاته الشعرية، ففى أول قصيدة من الديوان الأول: «باب» يقول:

يا خديجة
هذا الهسيس الذى كنت أهسه بينى وبيني
كبر حتى صار كتاباً
وأنت لا تعلمين.
 من البداية وهو يعمل على هذا الاقتحام الجبرى للغة وهى لا تدرى، فها هى خديجة تأخذ منحنى رمزياً دالاً، يسرد من خلاله مواجيد وأسراراً وبواطن لم يكن له ليبوح بها عياناً، والمرأة رمز قديم قدم الإنسانية، وهى تمثل جوهراً متزامناً مع جوهر الرجل وقدرته على التأسيس والإثراء، لذا فهى رمز حياة وخصب وسبر لأعماق الروح والجسد، لهذا نجد الرجل دوماً هو الرائح إليها الراغب فيها، المتلمس حنوها وكفكفة يديها، ولهذا نجده فى كلّ الأشعار العربية والعالمية هو من يرسل إليها الهسيس الذى كان يخبئه ويعتصر نفسه وهو يكابد الكلام وممرات اللغة الوعرة التى تحاول فضح حاله دوماً، إذ إن اللغة لا تبيح نفسها إلا للقليل ممن وقعوا أسيرين تحت قبضتها، وكبرت أرواحهم فى حضنها، لهذا نرى شاعرنا وهو شاب فتى تقع عينه على هذه المفردة «الهسيس» وتعنى الكلام الخفى الذى يدور بين النفس ونفسها، ولا صلة للشفاه به، ويعنى أيضاً الخبز المفتت المدقوق، وكذلك يعنى صوت الجنّ فى البراح.

هل كان يعى منذ البداية كلّ تلك المعانى الدالة؟ بالطبع كان يعنى وإلا لما عبّر بعد ذلك بقوله: وأنت لا تعلمين، ولما كانت هنالك حاجة لأن يصير كلّ هذا الهسيس كتاباً محفوظاً، كنوع من الرمزية فى وضعها الشعرى الذى يعنى الحفظ والتعمية عن المباشرة. 

استخدام الرمز فى الشعر مظهر من مظاهر اللغة، ووسيلة أدبية فاعلة للتعبير عن المشاعر والأحاسيس، فهو يعطى أبعاداً وإشارات للصورة الشّعرية وذلك من خلال دلالتها الرمزية.

وحينما نقف عند شعرية السماح عبد الله تلك التى تناولت أغراضاً رمزية عدة نجدها قد أقامت حاجزاً كبيراً بينها وبين الرمز كوسيلة جمالية بحتة تتزين بها القصائد، وإنما يتخذ الرمز عنده أشكالاً تسهم فى إحداث مفارقات أكثر إيحاء بقضايا الشاعر المختلفة، تلك التى تتعدد ما بين قضايا إنسانية ومجتمعية وأخلاقية ووطنية، ولكلّ رمز عنده وظيفة لا يتعداها إلى غيرها، ولا يمكنه أن يسهم خارج نطاقها، فخديجة فى الديوان الأول تتعدد إشاراتها ما بين الحبيبة والوطن والعقيدة والحلم، وهى رمز يعطينا يقيناً بأنّ شاعرنا وُلد واعياً بكلّ هذه القضايا، وواعياً بقيمة الرمز الشعرى كأداة فى تكوين الشاعر وتفعيل مواهبه. فتارة تتزيا خديجة بأساطير الوطن، وتصبح حلماً ناصعاً فى ثنايا البلاد، ففى قصيدة «خديجة» يقول:

شمالية ربما راودتها بلاد الجنوب
فوحدت النيل من أول النبع حتى نهايته
واستعاضت عن السفر المتواصل بالسفر المتواصل تبحث عنى
وضفّرت الطمى بالوجع القاهرىّ
وخشّت إلى زمنى
واصطفتنى.

يحاول الرمز هنا أن يتخذ مناحى عديدة من إشاراته التاريخية التى لا يجهلها القارئ، والتى تتمثل فى الجنوبى «مينا نارمر» الذى وحّد قطرى مصر، وكأنه يشبّه أحاسيسه وقلبه بقطرين مشتتين منفصلين قبل خديجة التى وحّدت مشاعره على قلب واحد، وامرأة وحيدة، وهى إيزيس التى دارت بالأقطار وضربت الأرض لتجمع رفات أوزوريس، ورغم أنّ الفرعون ست سرقه وقسمه اثنين وأربعين جزءاً لكنها لم تفقد أملها، وظلت تضرب البلاد فى سفر متواصل حتى جمعت رفاته ودفنته ليصير إلهاً للموتى ويُخلّد ذكره، وقد ارتسمت صور الشاعر حية ناطقة: (وضفرت الطمى بالوجع القاهرىّ) ليكون الجنوب بمائه الجارى إلى الشمال بلسماً ناجعاً فى مواجهة العطش القاهرى.

ولم تكتفِ خديجة / الرمز هنا أن تكون على هذه القدرة من المنح والعطاء؛ بل تجسدته لتكون زمنه الآتى، وبلاده الوسيعة، ولأنّ شاعرنا دائماً يترقب مصيراً آتياً، ويعدّ له زوايا حجراته، ويتزيا كلّ يوم لعله يأتى بغتة، والذى يثير دهشتنا من موقفه تجاه المصير أنه لا يرهبه ولا يتمنى تأجيله كما يفعل سائر الناس، ولكونه يعرف أنه آتٍ فهو فى زينته دوماً:

أنر يا حبيبى مصابيح البيت كلها وشغّل الموسيقى
وأشعل الشموع
وانثر الوردات فى جميع الأركان والزوايا
وتعالَ نرقص عريانين أمام مرايا الحجرة الكبيرة
أريد أن أراك فى كلّ مكان وفى كلّ حال
لأننى سأموت غداً
عندما تشرق الشمس وتملأ صحن الحجرة
لأنّ ظلام المقبرة قاس جداً.

 هل نلمس هنا احتياجاً ملحّاً للمرأة كنوع من التطهير والتنقية الروحية والجسدية معاً؟ ربما هو يعيش هذه المشاعر من حياته حيث يشعر أنّ النفس تحتاج هذا التطهير المستمر، والحاجة إلى أن يجد ذاته التى يفقدها فى كلّ صحوة من صحوات الإبداع، وعند كتابة أية قصيدة من قصائده، فهو الآن يبحث عن تلك الذات الفاقدة والمفقودة منه، وهو شعور متنامٍ عنده لا يكبحه فرح بقصيدة، ولا اعتلاجه بهموم أكثر من قبل كتابة القصيدة، فالشاعر هنا يستقبل الموت راضياً راقصاً، رغم أنّ النبى عيسى حين علم نهاية الرحلة من هذه الدنيا قال :«نفسى حزينة جداً حتى الموت» ولكن ما الذى يجعل «السماح عبدالله» يفرح بالموت هكذا؟ لعلّ ما يلقاه الشاعر فى دنياه هو أكثر ما ينغّص عليه العيش فيها، فى حين يجد الذين لا يحملون همّ الإبداع ومكابداته يحيون حياة ملؤها الرضا والسعادة، وإذا كان يتيقن أنه عائد إلى ظلمة من التراب، وأنّ كلّ هذا إلى زوال فهو يرحّب بالموت وهو فى أزهى مظاهره، وأقوى حالاته النفسية.


وتتجلّى رمزية المرأة فى أنها ذات ناظرة ومكتشفة، لديها يقين كامل، ومعرفة بالأشياء، لهذا يتشبث كلّ الناس بها، وتختلف رغباتهم فيها، ولكنها فى لحظة اندياحها تكون هى النبوءة بالخلاص، ورسالة كونية بأنها هى هى التى كانت: الذات والروح والحلم، ففى قصيدة «ربوة المتعبة» يقول:

كلّ ليلة قبل أن تنام
كانت تمسح عن جسدها بفرشاة خشنة
أجساد الرجال
وتزيل أصابعهم المتسخة من على جلدها
وتنفض عيونهم عن ناهديها
وتقشر بأظافرها عن مسامها كلامهم الإباحى.

اقتران رائع بين كلمتى: ربوة ومتعبة، لما فيهما من الإيحاء الأولى الذى يشعرنا بقوة الرمز الإيحائى للمرأة هنا، فهى ليست جسداً عرياناً تتمسّح فيه أجساد الرجال، ولا صورة جميلة يزينون بها لياليهم؛ وإنما يستغلون تلك الصورة التى «يعكسون من خلالها آفاق وجدانهم، وهم يرسمون صورة الحياة البشرية كما ينبغى أن تكون») فليست الأصابع التى تخدش هذا الجسد الرقيق سوى انعكاسات رغباتهم المتباينة لها، وحفاوتهم بهذه الروح التى تجدد آمالهم وحياتهم:
عندئذ تستلقى على ظهرها وتغمض عينيها 
وترحل إلى هناك
حيث الكوخ الواطئ والمصباح الشحيح
والسياج البوصى القصير
كانت تستند عليه نصف خائفة ونصف واقفة ونصف فرحانة
وتنظر من خلله
وترى الربوة العالية.

 الشاعر لا يريد من المرأة أن تكون صاحبة المتعة والمنفعة وحسب؛ وإنما يراها أكبر من ذلك، يراها حدوداً واسعة من التواصل بين حياتين، وفاصلاً بين رؤيتين كلتيهما تنبعان من طبيعتها، وتتخلقان من صنيعها، فهى العنصر الفاعل الذى يربط بين الحياة والمصير الإنسانى فى أعمق صوره، لما لها من خاصية التفاعل والاحتمال، فهى الملكة ذات القصور العالية، والفقيرة التى تحتمل عاصفات الريح فى كوخها الواطئ ذى الأسقف البوصية، والمصابيح التى تنبعث منها الظلمة من خلال ضوئها الشحيح، فالشاعر هنا ينظر إليها كونها باعثاً على الرؤية النافذة إلى المصير المفاجئ، وكشفاً نورانياً لتلك الظلمة المرتقبة، وخلاصاً عاجلاً لهذه الأزمات المتأصلة.

تتخذ المرأة فى هذه القصيدة صورة الأسطورة الرمز الذى يرى بعيداً، ويجنح إلى تحقيق غايته رغم القسوة والحاجة ورغم كلّ ما نراه من عجز يعتريها فهى الخائفة والواقفة والفرحانة والمترقبة لكنها- رغم كلّ هذا- ترى الربوة العالية التى تتراءى من خلالها بوادر أكثر يقيناً وتحققاً.
 
إنّ الرمز عند الشاعر صياغة تتسم بالتركيز والقصد، وبالتطهير والترقية إلى ما هو أبعد من ذلك؛ حيث ذلكم المصير الذى ينهى كلّ هذه الصلات القائمة، والعلاقات التى تبدو أكثر ديمومة. 

ومن هنا فإنّه قد استطاع أن يتجاوز مفهوم الرمز الذى رآه كثير من ناقصى الموهبة لهواً يتسترون خلفه حتى لا تكشف اللغة عوارهم وعريهم، لهذا كان الرمز عند شاعرنا خطاباً رامزاً موجهاً إلى ذاته أولاً، ثمّ إلى عالمه الذى يؤمن بالشيفرة السرية بين البواطن القادرة على استبطان اللغة من عمق دلالاتها العادلة إلى أساليب أكثر استسرارية، وهذا مؤداه فى النهاية توافق تامّ بين مكنون الشاعر وما يحتمله مراد المتلقى.