دعاء فودة تكتب: يوم مع معالي زايد أخرى

معالي زايد
معالي زايد


ذات يوم وقبل العام 2010، اكتشفت أن الفنانة الراحلة معالي زايد التي أسرت القلوب بموهبتها وفنها، لها وجه آخر تأسر به كل من يقترب منها وتقترب منه، وجه أكثر إنسانية وتواضع وحب حتى للجماد والحيوان، يشعر به من ساعده الحظ وقضى يوماً مع إنسانيتها.

ورغم أنها من أسرة فنية وولدت وعاشت بالقاهرة بعيداً عن الزراعة وحياة الريف، إلا أنها داخل مزرعتها بطريق مصر الإسكندرية الصحراوي كانت "ولا أجدع فلاح" تزرع وتحصد وتسعد بإنجازاتها البعيدة عن الفن والشهرة والأضواء، حيث خلقت لنفسها حياة الريف، ترى فلاحة مصرية أصيلة وكأنها تجتهد في إجادة دور في عمل فني تسعى به للحصول على الأوسكار، لدرجة أني تشككت أنها نشأت في الريف ووسط الزراعة!

من مفارقات حياة معالي زايد أن تاريخ ميلادها رحيلها في نفس الشهر مع اختلاف العام، وبينهما ٥ أيام، ولدت ورحلت في شهر نوفمبر، الميلاد ٥ نوفمبر ١٩٥٣، والوفاة ١٠ من نفس الشهر ٢٠١٤، ونحن في هذا الشهر أتذكر يوما لن أنساه ماحييت قضيته معها في أحب الأماكن إلى قلبها، كنت من أصحاب الحظ السعيد عندما أذهب إليها أحيانا وأقضي معها بعض الوقت في هذا المكان الذي كانت تعشقه وتلجأ إليه في الأوقات التي لم تنشغل فيها بعمل فني، وفي ذات يوم ذهبت إليها لأقضي معها وقتا وكان بإلحاح منها لأني كنت أمر بأزمة نفسية، وكانت أكبر داعم لي في وقت الأزمات، رأيت في ذلك اليوم "معالي" أخرى أكثر إنسانية وتواضعا، كانت تتعامل مع الحيوان والجماد بمنتهى الحب واللطف والحنان، تقوم بنفسها بكافة أعمال "الفلاحة" رأيتها تتعامل مع الحمار وكأنه إنسانا تتحدث إليه وتحنو عليه، كان هناك ثورا ثائرا جدا ولم يستطع العامل الذي يساعدها السيطرة عليه، ولم يهدأ الثور إلا بعد أن ربتت بيدها عليه بكل لطف وحنان وكأنه حدث سحرا للثور وفي لحظات أصبح كالحمل الوديع.

"لم أجد الراحة والحب سوى في هذا المكان ووسط هذه الكائنات"، هكذا وصفت معالي زايد علاقتها بالمزرعة، تعتبر كل ما تحويه هم عائلتها الحقيقة التي تأنس بها، تتابع بكل نشاط وحيوية وحب النباتات والأشجار والحيوانات والطيور.

تجولت معها في هذا اليوم داخل المنزل وخارجه، شاهدت داخل المنزل ذلك المرسم الذي تقضي فيه بعض الوقت، وهو عالم آخر من عوالم معالي زايد الخاصة بها، وقد بدأت وقتها في رسم لوحة جديدة فهي من هواة رسم البورتريه، ثم اصطحبتني لتطلعني بكل حب وفخر وسعادة على إنجازاتها في هذا المكان، معبرة عن مدى سعادتها وهي ترى النباتات التي تزرعها بيدها تنمو والحيوانات التي تولد بين يديها تكبر وكأنها أم تسعد برعاية أطفالها ونموهم أمام عينيه.

تجولنا بصحبة العامل المساعد لها في الحديقة والأرض الزراعية المحيطة بالمنزل، زرعت بها كل ما يخطر على البال من أنواع محاصيل وخضراوات وفواكه مختلفة "ولا أجدعها فلاح" عنب، ذرة، زيتون، بردقوش، خيار، عباد الشمس، برسيم، وكلما مررنا على نوع معين من الزرع تُعدد لي فوائده وكيف يزرع وكيف ومتى يحصد، ثم نمر على المنحل وتشرح دورة حياة النحل حتى يصل إلى الشمع واستخراج العسل، وسبب وضع زيت سيارات في إناء صغير تحت الأرجل الخشبية للمنحل حتى لا يتمكن النمل من الوصول إلى العسل وإفساده.

وسألتها هل درستي في كلية الزراعة؟ ترد "بضحكتها المبهجة والصافية": درستها هنا في مملكتي ومع أبنائي، ثم تأخذني إلى حظيرة المواشي والطيور وكيف تتعامل معهم وكيف يفرحون ويحتفون بدخولها عليهم، وأتذكر في ذلك اليوم كنا نقترب من عيد الأضحى، وإذا به الفنان الراحل هادي الجيار يأتي إليها ليشتري منها "عجل" أضحية للعيد ويتفق معها متى وكيف يتسلمه.

كانت معالي زايد تفوق كل الصفات الإنسانية العادية، عرفتها في المزرعة كما لم أعرفها من قبل كانت تتعامل مع كل مافي المكان سواء كائن حي أو جماد بمنتهى الود واللطف والرحمة، رأيتها تقبل الحمار، وتحتضن المواشي، وتضع السماد تحت الأشجار بيدها وبدون قفاز بطبطبة وحنية شديدة، معالي زايد كانت تلتقي بروحها وإنسانيتها وقلبها الجميل في المزرعة، كانت لا تسكن شقتها في شارع شامبليون بوسط البلد إلا إذا كانت ترتبط بتصوير أعمال فنية، ثم تعود فورا إلى المزرعة.

ذهبت معها إلى تلك الشقة ذات مرة وبالفعل وجدتها مكان بلا روح هي فقط مجرد ذكريات بالنسبة لها ولم تعد لحياتها كانت المزرعة هي حياتها، وجدت نفسها وسط النبات والأشجار والحيوانات التي كانت تأنس بهم ومنحتهم حبها وحنانها، كانت تنسى في ذلك المكان نجوميتها والشهرة والأضواء والمعجبين، كانت لاتهتم بنفسها بقدر اهتمامها بالزرع والأشجار والطيور والحيوانات.