ناى فى التخت الغربى: رواية مبنية على الوهم!

صورة موضوعية
صورة موضوعية


د. منير الحايك

يصف الفيلسوف الفرنسى «غاستون باشلار» المنزل بأنه «المكان الذى مارسنا فيه أحلام اليقظة وتشكَّل فيه خيالنا، ومن غيره يصبح الإنسان كائنًا مفتّتًا»، وكلنا يعرف قوله الشهير «البيت هو ركننا فى هذا العالم»، وقد قصد باشلار البيت بالفعل، المكان الصغير بجدرانه وسقفه وما يختزنه من ذكريات، ولكن أن تصبح مدينة بعينها ركنُ الإنسان فى هذا العالم، المدينة التى يمارس فيها هذا الإنسان أحلام يقظته، فهو أمر تستمرّ ريما بالى فى تأكيده، هذا المكان هو حلب، ركنها فى هذا العالم، هذا الركن الذى حُرمت منه، ولكنها استمرّت فى إدهاشنا بأنه ما زال ركنًا، من دونه تصبح كائنًا مفتّتًا، وها هى تؤكد ذلك فى روايتها «ناى فى التخت الغربي» الصادرة عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر.

 وفى مقالٍ سابقٍ كتبت عن «خاتم سليمى» وركّزت على أنها رواية الأسلوب، ولكنها كانت رواية الوهم والجديد الذى يحمله هذا الوهم، وفى «ناى فى التخت الغربي»، يظلّ الأسلوب حاضرًا، ولكن الوهم والعلاقة به، وكيف دخلت القضايا المطروحة من خلاله، كان لحضوره سيطرة منذ بدء النص. ولولا صفحة واحدة فى نهاية الرواية، أخذت المتلقى لتدله على مواضع الوهم، لقلتُ إنها رواية عادية، وفيها استهلاك وتنظير.

تحكى الرواية قصة ناي/ناديا، التى تبدأ باتصال يبلغها بأنّ حقيبتها الحمراء وُجدت بعد حوالى أربع سنوات وسيوصلونها إليها، لا نعرف الكثير عن الحقيبة ومحتواها فى البداية، نعرفه فى منتصف الرواية، ولكنها تفتحها فى النهاية فتفتح المجال أمام التخييل وإعادة صياغة النصّ فى مخيلة المتلقّى من جديد.

تدور الأحداث بين حلب 2021 ولاس بالاماس 2017، وبروكسل بشكل غير أساسي، وبين هذين التاريخين تختبر ناى حياة الزواج والطلاق والعشق فيما بعد، ومع ذلك العشق تُدخِل نفسها، أو تظنّ، مجال الجاسوسية من دون أن تدري، وعندما تدري، أو تظنّ، تترك كلّ شيء خلفها وتعود إلى البيت، وهو حلب بالنسبة إليها.

ناى ورثت مكتبة فى حلب عن خالها اسكندر، الذى حولها من صالون حلاقة كان لوالده فى السبعينيات، إلى مكتبة اشتهرت وذاع صيتها، هذه المكتبة التى تؤدّى رمزية فيها من العمق الكثير، فهى المكتبة التى صمدت فى حلب، لم تهزمها الحرب وتدمرها، بل دمرتها فى الرواية عقليات أبناء المدينة، فهى المكتبة التى كانت مشروعًا مربحًا لاسكندر، تصبح موضة قديمة ولا تنتج شيئًا، لتعود وتتحول إلى صالون حلاقة من جديد فى الـ2021، هذا التحول فى المكتبة يشى بالكثير من التحولات التى حصلت فى مجال الثقافة والأدب والفنون، وفى جميع مجالات التطور الفكرى والمعرفي، لتحكى لنا إلى أين وصل اليوم.


شخصيات عدة حضرت أيضًا، غسان الزوج الذى كان يعود ويظهر عندما يُسأل عن ناي، سيزار العشيق، والذى جنّد ناى فى منظمته، ومعهما شخصية طارق التى تأخذنا الرواية إلى التوهّم بأنه هو الإرهابى الذى  يخطط لأمور كثيرة، ولكنها سرعان ما تبرّئه فى النهاية، لتقول: ليس كلّ من رفض شرب الخمر وأراد الالتزام الدينى داعشياً. أما سيسيل فهى برأيى الحاضرة الأبرز فى النصّ، وقد يكون حضورها، بالنسبة إلى مقاصد الرواية وقضاياها، بما قامت به فى تحليل الـDNA  وما نتج عنه، وفى كتابها المزعوم، أقوى تأثيرًا من حضور ناى نفسها.

الرواية مبنية على الوهم وكان عنصرها الأبرز، وقد سبق وذكرت أنها لولاه لكانت رواية عادية، وقد بدأ الوهم منذ العتبة، العنوان، فالناى الآلة، والتخت المصطلح، لن يصبحا غربيين أو يتبناهما الغرب إلّا فى أوهامنا.

وهم الحبّ والحياة الجديدة والحرية الذى رافق ناى منذ طلاقها وحتى عودتها. وهم الجذور والوصول إلى الإجابات الذى رافق كلّ شخصية وردت فى كتاب سيسيل، خصوصًا وهم الشخصية الفلسطينية التى ظهرت فى النص، والتى تحدثت عنها سيسيل فى رسالتها الأخيرة لناي.

أما الوهم الأبرز، والذى جعلنا نفهم كلّ ما سبقه بشكل صادم ومدهش وممتع، هو وهم العلاقة مع الأب فى حلب، وهنا لن أفصح عنه كما ورد لأترك الملتقى يكشفه ويستمتع.

 طرحت الرواية قضايا كثيرة، العنصرية كانت أبرزها، تجاه آدم ابن سيسيل ووالده ذى البشرة السمراء، تجاه العربى أو كل من هو غير أوروبى، ولعلّ العنصرية الأبرز، وهنا تُحسَب لريما بالي، التى لم تنسَ بوصلتها الأساس على الرغم من كل مشكلات سوريا وقضاياها، فحضرت فلسطين بقوة فى نصّها.

أما الأمر الرئيس الذى أعطى النصّ فرادته، فهو طريقة معالجة فكرة فحص الوراثة والأصول، فأن يكتب جدّ من أجداد سيسيل عرفت أن لها جذورًا منه، رسالة لها تعود فيها الرواية إلى أكثر من 500 عام مضى، ليطلعنا على أحوال التاريخ والجغرافيا هناك، ويستمر الأمر مع كلّ من كشف الفحص بأنّ نسبة مئوية تعود إلى جذور تخصها، لهو أمر جميل وجديد، قدمته الرواية بذكاء وحنكة.

قبل نهاية النصّ كنت قد قررت النقطة الأضعف فيه، وهى حوارات ناى مع والدها، فقد كان فيها من «الفلسفة» والتنظير الكثير، وهذا أمر لا يحدث بالفعل بين امرأة ووالدها يعيشان فى البيت نفسه، ولكن صدمة الوهم والمفاجأة فى النهاية، جعلت الأمر يكون مقبولًا، وقد أقول يكون ضروريًّا.

وفى النهاية أقول، النصّ فكرةً ولغةً وحبكةً ولعبةً روائية، وتجديدًا وتجريبًا، هو نصّ روائيّ ممتاز ومقدَّر.