مهرجان الجونة السينمائي| فيلم رفعت عيني للسماء.. نال إعجاب الناس وتعاطفهم

فيلم رفعت عيني للسماء
فيلم رفعت عيني للسماء


محمد كمال

للمرة الأولى فى تاريخ السينما المصرية تشهد دور العرض فى القاهرة عرضا تجاريا لفيلم تسجيلى، فى تجربة مغايرة عن المألوف تشبه الفيلم نفسه الذى يحمل اسم “رفعت عينى للسماء”، ذلك العمل المصرى الأصيل الذى حلق فوق سماء الجونة خلال العرض الأول له فى مصر وفى الشرق الأوسط والقارة السمراء، الفيلم الذى حصد جائزة الكاميرا الذهبية عند مشاركته فى مسابقة أسبوع النقاد بمهرجان كان فى مايو الماضى، والذى شارك فى المسابقة الرسمية للأفلام التسجيلة بالدورة السابعة لمهرجان الجونة السينمائى وشهدت عروض الفيلم حفاوة واستقابل رائعين، خاصة وأن فريق عمل الفيلم استلم الجائزة الخاصة بمجلة فاراياتى خلال المهرجان، ومن المنتظر طرح الفيلم فى دور العرض فى يوم 6 نوفمبر المقبل.

الفيلم شارك فى إخراجه الزوجين ندى رياض وأيمن الأمير الذين قدما من قبل الفيلم القصير الجميل “نهايات سعيدة” عام 2016، ثم بعده الفيلم القصير أيضا “الفخ” عام 2019،  ليعود الثنائى من جديد فى تجربتهما الجديدة الفريدة من نوعها، والتى انخرطت داخل صعيد مصر وتحديدا فى إحدى القرى الصغيرة بمحافظة المنيا، حيث تقرر مجموعة من الفتيات تأسيس فرقة مسرحية تحمل اسم “بانوراما برشا”، وعرض مسرحياتهن المستوحاة من الفلكلور الشعبي الصعيدي، بشوارع قريتهن الصغيرة لتسليط الضوء علي القضايا التي تؤرقهن كالزواج المبكر والعنف الأسري وتعليم الفتيات، بينما هن أنفسهن يمتلكن أحلاما كبيرة.

على مستوى السرد يجمع الفيلم بين الشكل التسجيلى الذى يتخلله بعض المشاهد التى تحتوى على تمثيل للأشخاص الحقيقيون وهو ما أضفى الكثير من المصداقية والعمق والاقتراب من قضايا تلك الفتيات بشكل أكبر وأصبح وصوله للجمهور بصورة أسرع، فنحن أمام سبعة فتيات هن عضوات الفرقة حيث المؤسسة يوستينا سمير ومعها كلا من ماجدة مسعود وهايدي سامح ومونيكا يوسف ومارينا سمير ومريم نصار وليديا هارون.

كان من المتوقع أو الطبيعى أن تكون بداية السرد مع مؤسسة الفرقة لكن أنها كانت خلال النصف الأول من الفيلم مجرد محرك للتفاصيل، حيث اختار الثنائى ندى رياض وأيمن الأمير التركيز على شخصيتين آخرتين من خلال عرض تفاصيل حياتهن وأزماتهن، الأولى والتى كانت معها الداية مونيكا يوسف صاحبة الصوت المميز والقوى، والثانية هايدى سامح الفتاة المترددة بعض الشئ، فقد اشترك الثنائى فى بعض الأزمات الأولى بالطبع نظرة المجتمع الصعيدى المتحفظ للفرقة، الثانية فكرة الارتباط برجل وهو بدوره قرارا قد يغيير مسار حياتهن والخطط التى يحلمن بها للمستقبل، لكن الفارق كان مع هايدى من خلال وجود والدها الداعم لها فى قراراتها، وعلى النقيض كان يرفض تفكير ابنته فى مسألة ترك الفرقة من أجل إرضاء خطيبها.

نجد فى الفيلم أن البطلات من الأقباط يحاولن تحقيق طموحهن والبوح عن ذاتهن فى مجتمع مازال يرى أن هناك مجموعة من “العيب والحرام” تتعلق بالمرأة، فما تحلمن به يعد رغبة معظم الفتيات مهما اختلفت أعمارهن أو تغيرت ديانتهن، وهذا ما أظهره ببراعة المخرجان خلال السرد وحتى على مستوى اختيار الحكايات والمسرحيات التى تقدمها الفرقة لأهالى القرية.

انتقلت الأحداث خلال ثلاثة مسارات، فى النصف الأول كان الإرتكاز على حكايات الفتاتين مونيكا يوسف وهايدى سامح، ومع النصف الثانى من الفيلم تبدأ حكاية مؤسسة الفرقة تدخل شيئا فشيئا، فقد كان حلم يوستينا أبعد من فكرة وجود فرقة مسرحية فى الصعيد، بل فهى تحلم بالسفر للقاهرة ودخول مدينة الإنتاج الإعلامى، والالتحاق بالدراسة فى المعهد العالى للفنون المسرحية، وعرض شخصية يوستينا جاء على مرحلتين الأولى التى جمعت بين أحلام وطموحات الفرقة والتى امتزجت بصراعها الذكورى مع شقيقها الذى يحمل الأعراف والتقاليد فوق كتفه، والمرحلة الثانية كانت التشكك حول مسألة استمرار الفرقة ومدى صلابة زميلاتها فى الصمود أمام المجتمع وأمام أسرهن خاصة بعد زواج مونيكا وإنجابها لطفل، وإقدام هايدى على خطوة الخطوبة.

فى الإطار العام للفيلم نجح المخرجان فى عرض تفاصيل تتعلق بأزمات الفتيات فى القرى المصرية من خلال التركيز على قضيتين بشكل خاص، هما الزواج المبكر والعنف الأسرى، مع القضية العامة فى صعيد مصر التى ترتبط بتعليم الفتيات واستمرارهن فيه، نشعر وكأن المخرجان وقعا فى غرام البطلات، انبهرا بتجربتهن، وانغمسا داخل تفاصيل حياتهن، قد تكون المشاهد التمثيلية تسببت فى حالة إرباك بسيطة للمشاهد، لكنها فى كل الأحوال مقبولة على مستوى الفيلم ككل، وعلى مستوى النظرة المهمة التى طرحها والزوايا التى انتقل منها لعرض الأفكار.

اقرأ أيضا: أصبحت منزوعة الرومانسية.. الحب الضائع في السينما المصرية

من أبرز النقاط التى تميز الفيلم لجوء كلا من ندى وأيمن إلى حبكة درامية لعرض أزمات أبطاله وهى المشاهد التى ظهرت واتضحت جليا على مدار الأحداث، ويأتى فى مقدمتها المشهد الافتتاحى لمونيكا سمير “الفتاة صاحبة الصوت المميز” عندما تقمصت مؤسسة الفرقة دور “المذيعة” وأجرت معها حوار، حيث تحدثت فيه مونيكا عن حياتها بشكل يمزج بين العفوية والسخرية مع الحزن الداخلى، وعدم الثقة فى تحقيق الأحلام فى المستقبل.

يأتى مشهد النهاية البديع كتتويج لتلك التجربة الرائعة والذى فيه استعان المخرجان بالكاميرا العلوية “الدرون” لتغطى القرية بأكملها، وبرغم أن الفيلم لم يطرح بشكل نهائى مصير بطلاته، لكن يبدو أن الثنائى مونيكا وهايدى استسلما للمجتمع، لكنهما مازالا فى نفس الإشكالية المترنحة بين الحياة فى القرية وأحلام المستقبل، أما يوستينا فقد قدمت للدراسة فى المعهد العالى للفنون المسرحية، ويبدو أنها فى الطريق للانتقال إلى العاصمة للبحث عن حلمها الشخصى وأحلام زميلاتها بالفرقة، ويعطى لنا الفيلم بصيص من الأمل والاستمرارية، حيث ظهور جيل أصغر من الفتيات يقمن بتأسيس فرقة مشابهة، لتكون استكمال لمسيرة فرقة بانوراما برشا، وشرارة لوجود فرق أخرى وتجارب أخرى لفتيات فى كل محافظات صعيد مصر.

;