أحمد الخطيب يكتب: صناعة الميليشيات «٣»

أحمد الخطيب
أحمد الخطيب


عقب موجة الاستقلال التى اجتاحت الدول العربية من الاحتلال الإنجليزى والفرنسى والإيطالى فى الخمسينيات والستينيات ظهرت النوازع الدينية والطائفية والقومية داخل عدد من البلاد العربية فى ظل تواضع مركزية الدولة وعدم وجود جيوش قوية تسمح بالسيطرة الكاملة على مقدرات الأوضاع الداخلية، الأمر الذى ساهم فى تكوين «الميليشيات» داخل عدد واسع من الدول العربية.

كان تنظيم الإخوان واحدًا من التنظيمات الدينية، التى كان لها العامل الأول فى محاولة تكوين ميليشيا تحت اسم «النظام الخاص» أوائل القرن الماضى. 

كانت المحاولة داخل الدولة المصرية وبمساعدة واضحة من الاحتلال الإنجليزى لولا قوة الدولة ومؤسساتها بعد الاستقلال لكان لميليشيا «النظام الخاص» شأن كبير  

لاسيما أن هذه الميليشيا نجحت فى القيام بعمليات اغتيال واسعة كان لها الأثر فى الضغط على الواقع السياسى والاجتماعى إلا أن قوة الجيش والدولة المركزية نجحت فى اجهاض وجود ميليشيا الإخوان داخل الواقع المصرى.

ورغم قتل المحاولة داخل مصر إلا أن تنظيم الإخوان فى تكوين ميليشيا فى عدد من الدول العربية كانت ولا تزال مصدر توتر كبير حتى نجحت فى الاستيلاء على السلطة فى بعض البلاد الشقيقة! 

عقب نجاح الثورة الإيرانية وتصدير نموذج وجود فكرة «الحرس الثورى» لتكون بجوار الجيش طارت الفكرة إلى عدد من البلاد، خاصة لبنان والسودان والعراق فيما بعد، فكانت محاولة صناعة ميليشيا لتتواجد جنبًا إلى جنب بجوار الجيش، مما شكّل ذلك ضغطًا كبيرًا على الدولة ومركزيتها.

تسببت الثورة الإسلامية بعد تنظيم الإخوان فى إنشاء أول ميليشيات طائفية فى لبنان، حيث ساهمت فى إنشاء منظمة أمل، التى انبثق منها حزب الله عام ١٩٨٢.

وتمدد حزب الله من ميليشيا مسلحة محلية الى ميليشيا مسلحة إقليمية فى سوريا والعراق واليمن وأصبحت له نشاطات سياسية واقتصادية حتى أضحى الخطر الأكبر على عدد من هذه الدول التى تواجد فيها.

ومع تطور الحالة السياسية الإقليمية فى المنطقة العربية أصبحت هذه الميليشيات ذراعًا عسكرية مباشرة لعدد من القوى الإقليمية وبدأ تعميم هذا النموذج وأصبح كما ذكرت لحزب الله 20 جماعة فى العراق وسوريا منها ميليشيات «زينبون وفاطميون»، التى تم تكونت فى أفغانستان.

كان لوجود الفكر الميليشياوى أثر كبير على القضية الفلسطينية، التى تأثرت فصائلها المسلحة بهذه الميليشيات فى المنطقة العربية، حتى إن إسرائيل نفسها دفعت فى تبنى هذه الفصائل فكرة الميليشيا وصناعتها لضرب منظمة التحرير الفلسطينية وضرب فكرة النضال الوطنى لبعض الفصائل الفلسطينية المقاومة، إذ ليس خافيًا مساهمة إسرائيل فى صناعة ميليشيا فلسطينية داخلية لمواجهة منظمة التحرير ووصمها فيما بعد بالإرهاب لخلع رداء المشروعية من عليها أمام المجتمع الدولى فى صراعها مع الداخل الفلسطينى المقاوم للاحتلال.

تضررت القضية الفلسطينية جدًا من ارتباط بعض فصائل المقاومة ببعض الميليشيات الطائفية فى المنطقة المُرتبطة بالدول التى تعمل لصالحها،

إذ كان هناك فرق بين هذه الميليشيات التى تعمل لصالح دول إقليمية وبين فصائل المقاومة التى تعمل لصالح مناهضة جيش الاحتلال والدفاع عن الأرض الفلسطينية المحتلة.

لكن بعض هذه الفصائل المقاومة تحالفت مع بعض الدول الإقليمية من أجل التمويل الأمر الذى ساهم فى تشويهها وجعل قراراتها مشوبة بعدم الوطنية ولصالح الممولين. 

هناك أربعة مشاريع فى المنطقة جميعها يستخدم الميليشيات فى صراعاته فيما عدا مشروع واحد وهو المشروع العربى، فيما يستخدمها كل

من:

١- المشروع الإسرائيلى. 

٢- المشروع الإيرانى. 

٣- المشروع التركى. 

المشروع العربى الذى تقوده الدولة المصرية مع أشقائها لم يستخدم الميليشيات؛ لأنه كان يحارب فى الماضى حربًا نظامية لصالح منطقته وحقوقها.