د. محمد عبد الرحمن
رأيتنى أجمع أسماكًا نافقة، وكنت لا أعرف سبيلًا للصيد، وكنت بلا موهبة، إلا فى طاعة عمياء وجرأة على المستور، نزلت البحر فى ظلمة وغفلة، والأفق نبى ذبيح يجرى دمه بلا رادع، وعلمت بأمر الجوعى فزعمت أنى لها، وخضت فى البحر وملؤه الروث والقاذورات، وجمعت تلالًا يأكلها الحمقى والمبتورون، وكلما زادت جمهرتهم بالشط زدت توغلًا فى مجهولى اللجى، وكنت هالكًا لا محالة ،ولولا نظرة عابرة إليها، أيقظتنى ولم أدرك ليلى من نهارى.
لا أحد يعرفنى هنا بينما لا أعرف أحدًا غير أبيها، رأيتها لأول مرة فلم أفرقها عن باعة المناديل الورقية وشحاذى إشارات المرور، قصيرة نحيلة وجهها ملطخ بسواد الشقاوة و«العكرتة»، وأبوها نفسه كان معادلًا مزدوجًا لبلطجة الإجرام وتنطع التسول.
عرفته حارسًا للعمارة الكبيرة ومسئول الصيانة وسائس العربيات و«كومسيونجى» الطلبات ومواد التشطيب وسمسار بيع الشقق، رجل لديه ثمن لكل شىء، لن يمتنع عن اقتياد زوجته البائسة إلى فراشك لو أردت، ومع هذا لا تعرف أين يذهب بماله فلا يظهر عليه وعلى أهل بيته إلا الفقر والضنك. لكننى رضيت عن وضعه ورحبت بوجوده؛ ليس فقط لأدب القرود الذى يعاملنى به، ولكن لكونه يضمن للعمارة هيبة مفتقدة فى كثير من العمارات التى أوزع بينها أملاكى. أنا الذى لا أحب أن أتحدث عن نفسى كثيرًا لكننى واحد من كبار المُلاك، هوايتى كانت جمع الشقق على مدار أكثر من نصف قرن؛ ولهذا فلدىَّ خبرة عظيمة بشتى أنواع العمارات وخدمها.
وهو يعلم يقينًا أننى بإشارة من خنصرى أستطيع ليس فقط قطع عيشه وإنما قطع رقبته؛ فمثلى كما يُغنى يستطيع أن يُفقر، وكما يُحيى يستطيع أن يُميت. لكننى لم أشأ ذلك، بل على العكس؛ طالما ألقيت على كتفه أحمالًا كان يبهرنى كل مرة بسرعة ودقة خلاصه منها وإنجاز ما أريد.
شىء آخر أعجبنى فيه، وهو إحساسه الأمنى العالى وسرعة بديهته، ورغم أنه لم يعرف عن خلفياتى أى شىء قد استنتج وضعى بقليل من الاحتكاك والتعامل.
وفى فترة قياسية استوعب تعليماتى الصارمة؛ أنا أحضر من العاصمة إلى مدينتهم الساحلية فى الخميس الأخير من كل شهر، تمامًا كما كانت تفعل الست ثومة فى حفلاتها الأسطورية، يستقبلنى على الباب ويستخدم المصعد الاحتياطى لكى لا يزعجنى برؤية أحد الجيران المتطفلين أو المستكشفين، يكون قد نظف طرقة الدور بعناية وتأكد من سلامة إضاءته، أسلمه مفتاح الباب المصفح فيفتح أقفاله ويقف متجمدًا وكأنه لو اخترق احترق، أعطيه ما فى النصيب وينصرف.
لا يعرف حتى اسمى، وحين تبرع بمناداتى بلقب «الباشا» الذى جرى طويلًا على لسان السوقة نهرته وقلت له بحزم: «بيه.. اسمى سعادة البيه!».
لكنى تأكدت من صدق إخلاصه فى تلك الليلة العاصفة التى نسيت فيها مفاتيحى وكدت أنصرف بحقيبتى خائبًا فما كان منه إلا أن طلب منى أن أنتظر قليلًا وهو سيحل الموقف، وحاول التصرف بثقة وخبرة عسى أن يكسب المزيد من رضائى لكننى كنت أستشيط غضبًا لكونى أعلم كم هى منيعة أبوابى ونوافذى، فما كان منه إلا أن أحضر ابنته المتشردة وقال إنها ستقفز من سور السطوح إلى شباك المنور ومنه تستطيع أن تفتح الباب من الداخل.
ذهلت لخطته؛ كيف له أن يغامر بحياة فلذة كبده هكذا فيعلقها من الدور العشرين إلا إذا لم يكن عنده قلب من الأساس؟! وأعجبنى الأمر، وقلت له إنها ستجد نسخة المفاتيح الاحتياطية فى أحد أدراج غرفة النوم. ووقفت أدخن وراقبت الفتاة تتعلق كدودة بين السور والمواسير وحافة الشباك، تمد أطرافها لآخرها.
وفى اللحظة التى كنت أرتب فيها نفسى لإبداء مشاعر الحزن على ضياع عمرها ومواساة أمها المسكينة وتوبيخ أبيها المعتوه على اقتراحه الكارثى، لم يكن منها إلا اقتحام الحمام، والخروج بعد دقيقتين من باب الشقة كأنها أحد أفراد أفلام العصابات الأمريكية المدربة.
أخرجت من جيبى جملة ما فيه من عملات ورقية ووضعتها فى كفيها، وأقسمت على والدها النطع ألا يحتال عليها لينال المبلغ أو يأخذه منها بأى صورة كانت، وهو كان يعلم أننى سوف أعلم، وكان محقًّا فى خوفه منى، بينما هى نظرت إلى فى تحدٍّ بالغ وقالت: «أنا عاوزة طيارة فراشة عشان لما بتاعتى وقعت م السطوح على بلكونتكم أبويا ما رضيش يخلينى أنط أجيبها والريح والشمس خربوها»!
ضحكت بسخف بالغ وأنا أنزل بقامتى الطويلة لأقبل وجنتها فتخجل وتنظر لأبيها وتجرى مبتعدة والنقود تسقط منها، وهو الملعون وقف جامدًا حتى أذنت له أن يلتقطها بإشارة بظهر يدى، ثم قبل أن يغيب عن نهاية الطابق حذرته: «الفلوس للبنت.. كلها. ولتحضر لها طائرة جديدة».
والحقيقة أننى لم أبالغ هكذا لورطتى بنسيان المفتاح، فأنا لدىَّ فى هذه المدينة شقق أكثر من أن أتذكرها إلا وفق دفترى الخاص، ولو لم أتمكن من فتح الباب المصفح ليلتها كنت سأذهب لأقرب ما فى محيطى منها، والتى لحسن الحظ غالبية أبوابها تقليدية سهلة الفتح، لكننى لم أشأ تغيير خطواتى المعدة سلفًا، خبيئة النقد مكانها هنا، لن أغامر مرة أخرى بافتضاح المستور كما حدث فى تلك العمارة اللعينة التى حدث فيها ماس كهربائى فأتى على شقة بالجوار واضطر رجال الإطفاء إلى اقتحام شقتى للسيطرة على الحريق وانتهى الأمر بإغراق كافة أثاثى ومنقولاتى التى تحفَّظ عليها الأمن، خاصة مبلغ الثلاثة ملايين جنيه التى كنت أضعها فى حقيبة تحت سرير النوم الكبير، غلطة لعينة لا دخل لى بها كلفتنى التنازل عن المبلغ والشقة بأكملها، وإلا كان علىَّ أن أجيب فى محضر رسمى عمَّن أكون ومن أين أحضرت الأموال التى أخفيتها بهذه الصورة المريبة.
لكننى لم أكترث؛ قيل لجحا: «عد موج البحر»، فقال: «ما يجىء أكثر!».
وكالعادة فى مثل هذه المواقف مزقت عقد الشقة الذى يربطنى بالـ «كَحول» الذى باعها لى بتوكيل عن «كَحول» غيره، الذى باعها له بتوكيل عن غيرهما، إلى آخر السلسلة. وعلمت من مصادرى فيما بعد أن الشقة باتت مهجورة تسكنها الهوام والأشباح.
وبالطبع لم أحاول أن أتتبع مصير الملايين الثلاثة، فقط قررت أن أحسن اختيارى هذه المرة فى هذه العمارة التى بها واحدة من أحدث منظومات الإطفاء الذكية، والتى أنفق مؤسسها الكثير على بنائها وتشطيبها وإن لم يفلح فى تسويقها فلم يبع إلا القليل من شققها ومحلاتها، وربما كان ذلك عنصرًا جاذبًا فى حد ذاته؛ جيران كثر يعنون إزعاجًا متكررًا، بينما الأفضل دومًا هو العزلة والتباعد.
اشتريت الدور بأكمله، وفتحته من الداخل وجعلت له بابًا أوحد، وكان مستوردًا يستحيل اختراقه، فالهدوء أيضًا معناه اجتذاب العديد من اللصوص والهجَّامين، وإن كنت سأفرح بعد كل ما كان لمن يستطيع أن يسرق منى شيئًا، لكننى أخذًا بالأسباب نفذت خزينة سرية بعرض المكتبة التى لن يشك لص أنها تستر هذه الثروة الطائلة، حتى زوجتى وأبنائى لا يعرفون عنها أى شىء.
الحقيقة أنهم لا يعرفون شيئًا عمَّا أفعله هنا؛ فأنا قد رتبت لهم فى حال نهاية عمرى ما يضمن العيش الرغد، لكن هذه الثروة لا يستحق التمتع بها غيرى.
أنفقت من أجلها أيامى وصحتى وكامل ذهنى وأعصابى، تحملت المخاطرة تلو المخاطرة، وألفت الدرب الوعر، ونسيت ما يعنيه الشرف وتمثله النزاهة.
أفلا أستحق بعد كل هذا جنة خالصة لى؟!
صحيح أننى أبالغ فى التخفى والتمويه، لكن ذلك عين المنشود، أستقل القطار لا سيارتى، وأعتمد فى تنقلاتى بالمدينة على التاكسى وأحيانًا الترام، لا أُجرى أى مكالمات خلال يومَى إقامتى، ولا أقوم بأى زيارة لأى من الأقارب والمعارف ها هنا، لكن إذا ما رمتنى الصدفة فى مواجهة أحدهم فلا بأس، أجلس معه زمن فنجان القهوة وأنصرف متعللًا بمهمة خطيرة وسرية للغاية، تمامًا كما هو معتاد ومألوف ومعروف عنى، رجل الأسرار والمهام الصعبة.
أحضر الخميس الونيس وأنظم أمورى، ثم لا يمر منتصف الليل حتى تصلنى بعثة العناية والإمتاع، الفريق المتخصص للخدمة الفندقية ذات النجوم الخمس، العشاء الفخم ومشروبات النشوة والفتيات صاحبات الخبرة فى عالم المجون.
كل شهر أحدث قائمة شهواتى، مرة أطلبها عذراء، مرة أطلبها أربعينية ولودًا، صهباء، سمراء، نحيفة، سمينة، راقية، وقاح. هنا جمعت بين الأضداد، وحققت كافة ما حلمت به بعمرى. لا أعتقد أن شيطانًا قد أوحى إلى ماجن بمثل ما كنت أفعل.
أفجر ليلة الجمعة وأبيت منتشيًا، وفى ظهيرة اليوم التالى أصلى الجماعة فى المسجد القريب وأشيح بوجهى عمَّن قد يلتفت إلى شخصى من الجيران، أصافح منهم فقط من أرى أنه يستحق أن أُدنيه منى، وهم يعرفون أننى ساكن الدور الأعلى، صاحب المركز المرموق، وكفى.
لكنى لا أعرف ما الذى أصابنى فى الأخير!
هل هى نوبة الاضطراب الموسمى وخماسين هذه المدينة العنيدة؟! هل هو الملل واعتياد الفعل؟! هل الخوف من النهاية كما لكل شىء آخر؟!
الأمر بدأ حين استيقظت فزعًا ولم أدرك هل حقًّا أنا فى آخر يومى أم فى أوله! وشردت مع الموج الهادر وضاق صدرى برمادية الضباب غير المتناهى، تجمدت بعض الشىء ثم حين سادت الظلمة ارتديت ملابسى ورحلت خطفًا، ومن ليلتها كنت أحضر الخميس شهريًّا لكننى لا أبيت فى الشقة ولا أستدعى أيًّا من رفقة الجنون، كنت أبيت فى أى من المقاهى أو أى جامع مفتوح للسبيل، وكنت أتسكع حتى خيوط النهار الأولى وأفكر دومًا أن علىَّ العودة إلى مدينتى وترك كافة ما لى هنا، وفكرت أن أكتب خطابًا من مجهول للمباحث والنائب العام أرشد فيه إلى خبيئتى المنهوبة، وفكرت أن أُتلفها أو أحرقها وجميع مقتنياتى الثمينة.
لكننى حافظت على روتين زياراتى على أمل تجاوز هذه المحنة والعودة لسابق نشاطى المثير، ولفت نظرى حنين جارف لرؤية الصغيرة التى ما سألت عنها والدها المخادع إلا رد بصيغة مغايرة: «هى فى البلد عند أخوالها.. فى السوق مع أمها.. فى السرير مريضة».
وكان يضحك فى سماجة ويقول إن سعادتى ما دام معى مفتاحى فلا حاجة لى بمطالعة وجهها النكد.
أذكر أننى لمرة واحدة سألته عن اسمها، وإن لم أتوقف أمامه طويلًا إلا فى ذلك الصباح البعيد الذى دخلت فيه (خلود) من شباك المنور بلا خوف ودون أن تكترث لأى من ثروات البيت وبديع محتوياته، فقط كانت تدخل فى خفة وثقة للبلكونة لتُحضر طائرتها الجديدة التى سقطت هى الأخرى، بينما أنا فى غرفة نومى عاريًا غارقًا فى بحر من الخمر، قد نفقت جثتى منذ أمد ولم يفتقدنى أحد بعد ليبحث عنى.
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







