خالد محمود يكتب l رفعت عيني للسماء .. أحلام مشروعة عابرة للأجيال

خالد محمود
خالد محمود


للواقعية‭ ‬دائما‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬السينما‭ ‬سحرها،‭ ‬لكن‭ ‬أن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬على‭ ‬تماس‭ ‬حقيقي‭ ‬مع‭ ‬المشاهد‭ ‬فلن‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تترك‭ ‬كامل‭ ‬تأثيرها،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بتصوير‭ ‬أحلام‭ ‬تتجاوز‭ ‬المألوف‭ .‬

في‭ ‬الفيلم‭ ‬الوثائقي‭ ‬“رفعت‭ ‬عيني‭ ‬للسما”‭ ‬الذي‭ ‬عرض‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬مهرجان‭ ‬“الجونة”،‭ ‬للمخرجان‭ ‬ندى‭ ‬رياض‭ ‬وأيمن‭ ‬الأمير،‭ ‬نقف‭ ‬عند‭ ‬سؤال‭ ‬محوري‭: ‬“هل‭ ‬تستطيع‭ ‬أحلامك‭ ‬التغلب‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬محيطك؟”‭..‬‮ ‬

الإجابة‭ ‬بالقطع‭ ‬ظلت‭ ‬حائرة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬جاء‭ ‬مشهد‭ ‬النهاية‭ ‬الرائع‭ ‬ليواصل‭ ‬الأحلام‭ ‬عبر‭ ‬جيل‭ ‬آخر،‮ ‬وكأن‭ ‬محاولاتنا‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬الهدف،‭ ‬تركت‭ ‬تأثيرها‭ ‬لتعبر‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬آخر،‭ ‬وربما‭ ‬المجتمع‭ ‬بأكمله‭ .‬

يسلط‭ ‬المخرجان‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬فرقة‭ ‬“بانوراما”‮ ‬التي‭ ‬تتألف‭ ‬من‭ ‬فتيات‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬صغيرة‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬قرية‭ ‬“البرشا”‭ ‬في‭ ‬صعيد‭ ‬مصر،‭ ‬يهزن‭ ‬مجتمعهن‭ ‬المحافظ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تشكيل‭ ‬فرقة‭ ‬مسرحية‭ ‬تقدم‭ ‬عروضاً‭ ‬في‭ ‬الشوارع،‭ ‬تتحدى‭ ‬التقاليد‭ ‬والأفكار‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عليها‭ ‬المرأة،‭ ‬ويرقصن‭ ‬ويغنين‭ ‬ويغيرن‭ ‬الأدوار‭ ‬بين‭ ‬الجنسين،‭ ‬ويواجهن‭ ‬جمهورهن‭ ‬مباشرة‭ ‬بأسئلة‭ ‬صعبة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬استياء‭ ‬من‭ ‬يتمسكن‭ ‬بالأعراف،‭ ‬ويطلق‭ ‬عليهن‭ ‬لقب‭ ‬“الفتيات‭ ‬الفاسقات”،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يردعهن،‭ ‬لأنهن‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬لا‭ ‬زلن‭ ‬يعتقدن‭ ‬أنهن‭ ‬قادرات‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬مصيرهن‭ ‬وتحقيق‭ ‬أحلامهن‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬المتجزرة‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفتيات،‭ ‬من‭ ‬أدوار‭ ‬تقليدية‭ ‬مفروضة‭ ‬عليهن،‭ ‬فإنهن‭ ‬يجتمعن‭ ‬بعد‭ ‬التدريبات‭ ‬والعروض‭ ‬للضحك‭ ‬على‭ ‬التعليقات‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬يسمعنها‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والعائلة‭ ‬وغيرهم‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات،‭ ‬تصل‭ ‬قدرة‭ ‬المجموعة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور،‭ ‬فالاستخفاف‭ ‬بالمواقف‭ ‬الصعبة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التعليقات‭ ‬الكوميدية‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬بشري‮ ‬للإبقاء‭ ‬مستمرين،‭ ‬ومع‭ ‬تطور‭ ‬قصصهن،‭ ‬يظهر‭ ‬بصيص‭ ‬من‭ ‬الأمل،‭ ‬لكنها‭ ‬علامات‭ ‬خفية‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أحلامهن‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬على‭ ‬المحك‭.‬

مرحلة‭ ‬ما،‭ ‬نفقد‭ ‬الرؤية‭ ‬الثاقبة‭ ‬لحياة‭ ‬أثنتين‭ ‬من‭ ‬الممثلات‭ ‬الرئيسيات،‭ ‬حيث‭ ‬نشعر‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬بالرقابة‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬حريتهما،‭ ‬بسبب‭ ‬الإلتزامات‭ ‬الأسرية‭ ‬والزوجية‭ .‬

الفتيات‭ ‬يحلمن‭ ‬بأن‭ ‬يصبحن‭ ‬ممثلات‭ ‬وراقصات‭ ‬ومغنيات،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يواجهن‭ ‬عائلاتهن‭ ‬وسكان‭ ‬القرية‭ ‬بأسئلة‭ ‬صعبة‭ ‬حول‭ ‬زواج‭ ‬القاصرات‭ ‬والعنف‭ ‬الأسري‭ ‬والنظام‭ ‬الأبوي‭ ‬في‭ ‬مجتمعهن‭ ‬المحافظ‭.‬

يتتبع‭ ‬الفيلم‭ ‬رحلتهن‭ ‬أثناء‭ ‬تنقلهن‭ ‬بين‭ ‬توقعات‭ ‬مجتمعهن‭ ‬والواقع‭ ‬القاسي،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬المجتمعية‭ ‬والتحيز‭ ‬الذي‭ ‬يواجهنه،‭ ‬فإن‭ ‬سعي‭ ‬الفتيات‭ ‬لتحقيق‭ ‬أحلامهن‭ ‬شهادة‭ ‬على‭ ‬شجاعتهن‭ ‬وتصميمهن‭ ‬على‭ ‬شق‭ ‬طريقهن‭ ‬الخاص‭.‬

قصة‭ ‬عن‭ ‬بلوغ‭ ‬سن‭ ‬الرشد‭ ‬تستكشف‭ ‬التوتر‭ ‬بين‭ ‬الأحلام‭ ‬والواقع،‭ ‬والقفزة‭ ‬الإيمانية‭ ‬المطلوبة‭ ‬للتغلب‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬محيط‭ ‬المرء‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬الغرض‭ ‬من‭ ‬الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬تصويره‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬4‭ ‬سنوات،‮ ‬الفتيات‭ ‬من‭ ‬الطفولة‭ ‬إلى‭ ‬النضج،‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬أكثر‭ ‬الاختيارات‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬حياتهن،‭ ‬هو‭ ‬زيادة‭ ‬الوعي‭ ‬وليس‭ ‬فعل‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬إنجاز‭ ‬المهمة‭ .‬

جاء‭ ‬أداء‭ ‬البطلات‭ ‬فطريا،‭ ‬ينقصه‭ ‬شيء‭ ‬ما،‭ ‬ينبض‭ ‬قلوبنا‭ ‬للتفاعل‭ ‬أكثر،‭ ‬مديرة‭ ‬المسرح‭ ‬ماجدة‭ (‬ماجدة‭ ‬مسعود‭)‬،‭ ‬والراقصة‭ ‬هايدي‭ (‬هايدي‭ ‬سامح‭) ‬والمغنية‭ ‬مونيكا‭ (‬مونيكا‭ ‬يوسف‭)‬،‭ ‬طوال‭ ‬عملية‭ ‬التصوير،‭ ‬ظلت‭ ‬هؤلاء‭ ‬النساء‭ ‬يشكلن‭ ‬جوهر‭ ‬المجموعة‭ ‬بلا‭ ‬حالة‭ ‬زخم‭ ‬درامي‭ ‬قوي‭ .‬

في‭ ‬الجزء‭ ‬الأول،‭ ‬نتابع‭ ‬الفرقة‭ ‬وهي‭ ‬تشق‭ ‬طريقها‭ ‬في‭ ‬رحلتها‭ ‬الفنية،‭ ‬حيث‭ ‬تتفاوض‭ ‬على‭ ‬أماكن‭ ‬أفضل‭ ‬للتدريب،‭ ‬وتنشئ‭ ‬مسارح‭ ‬مرتجلة‭ ‬من‭ ‬الطاولات،‭ ‬ثم‭ ‬تطوف‭ ‬الشوارع،‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬مليء‭ ‬بالطاقة‭ ‬والصراع،‭ ‬حيث‭ ‬تكافح‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفتيات‭ ‬التوتر‭ ‬بين‭ ‬طموحاتهن‭ ‬الفنية‭ ‬والقيود‭ ‬المجتمعية‭ ‬الصارمة‭.‬

في‭ ‬حين‭ ‬يتخذ‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الفيلم‭ ‬منعطفًا‭ ‬أكثر‭ ‬تأملًا‭ ‬في‭ ‬تشريح‭ ‬القيود‭ ‬الأبوية،‭ ‬بينما‭ ‬تكافح‭ ‬ماجدة‭ ‬مع‭ ‬تحديات‭ ‬الإلتحاق‭ ‬بالجامعة،‭ ‬خلال‭ ‬محادثة‭ ‬هاتفية‭ ‬مؤثرة‭ ‬للغاية،‭ ‬تطمئن‭ ‬هايدي‭ ‬خطيبها‭ ‬بأنها‭ ‬ليست‭ ‬فتاة‭ ‬تافهة‭. ‬

أيضًا‭ ‬فكر‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬الماكيافيلي‭ ‬بين‭ ‬مونيكا‭ ‬وخطيبها،‭ ‬من‭ ‬المحزن‭ ‬أن‭ ‬نشاهد‭ ‬محاولات‭ ‬شريك‭ ‬مونيكا‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬اختياراتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الادعاء‭ ‬بأن‭ ‬كسبها‭ ‬لأموالها‭ ‬الخاصة‭ ‬كمغنية‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يجعلها‭ ‬تعصي‭ ‬زوجها‭ ‬المستقبلي،‭ ‬ويسلط‭ ‬الحوار‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الأبوي‭ ‬يعمل‭ ‬بشكل‭ ‬جيد‭ ‬كشكل‭ ‬خفي‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التلاعب‭ ‬الذي‭ ‬يلف‭ ‬المرأة‭ ‬بخفة‭ ‬حول‭ ‬إصبع‭ ‬زوجها‭ ‬المستقبلي،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬الرجال‭ ‬محركي‭ ‬دمى‭: ‬يدعم‭ ‬والد‭ ‬هايدي‭ ‬كل‭ ‬قرار‭ ‬تتخذه‭.‬

أمام‭ ‬أعيننا،‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬المراهقات‭ ‬المرحات‭ ‬الطموحات‭ ‬إلى‭ ‬فتيات‭ ‬شابات‭ ‬ثاقبات،‭ ‬وفي‭ ‬الشوارع،‭ ‬بينما‭ ‬يراقبهن‭ ‬الرجال‭ ‬المرتبكون‭.‬

يقدم‭ ‬المشهد‭ ‬الأخير‭ ‬العزاء‭ ‬لماجدة‭ ‬وهايدي‭ ‬ومونيكا،‭ ‬حيث‭ ‬نرى‭ ‬فتيات‭ ‬صغيرات‭ ‬أخريات‭ ‬يستولين‭ ‬على‭ ‬تقليد‭ ‬مسرح‭ ‬الشارع،‭ ‬مما‭ ‬يطمئننا‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬سيكون‭ ‬هناك‭ ‬استمرارية‭.‬

ومع‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬يفتقد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الحميمية‭ ‬السينمائية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬بمثابة‭ ‬تذكير‭ ‬بأن‭ ‬بين‭ ‬الأحلام‭ ‬والواقع‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬قفزة‭ ‬إيمانية‭ ‬للجميع‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬لها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬برهنه‭ ‬مشهد‭ ‬النهاية‭ ‬على‭ ‬إتساع‭ ‬الشاشة،‭ ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬وراء‭ ‬فوزه‭ ‬بجائزة‭ ‬“العين‭ ‬الذهبية”‭ ‬بمهرجان‭ ‬“كان”‭ ‬السينمائي‭.‬

;