للواقعية دائما على شاشة السينما سحرها، لكن أن لم تكن على تماس حقيقي مع المشاهد فلن تستطيع أن تترك كامل تأثيرها، خاصة إذا ما كان الأمر يتعلق بتصوير أحلام تتجاوز المألوف .
في الفيلم الوثائقي “رفعت عيني للسما” الذي عرض على شاشة مهرجان “الجونة”، للمخرجان ندى رياض وأيمن الأمير، نقف عند سؤال محوري: “هل تستطيع أحلامك التغلب على حدود محيطك؟”..
الإجابة بالقطع ظلت حائرة، إلى أن جاء مشهد النهاية الرائع ليواصل الأحلام عبر جيل آخر، وكأن محاولاتنا التي تبدو أنها لم تحقق الهدف، تركت تأثيرها لتعبر إلى جيل آخر، وربما المجتمع بأكمله .
يسلط المخرجان الضوء على فرقة “بانوراما” التي تتألف من فتيات في قرية صغيرة بالقرب من قرية “البرشا” في صعيد مصر، يهزن مجتمعهن المحافظ من خلال تشكيل فرقة مسرحية تقدم عروضاً في الشوارع، تتحدى التقاليد والأفكار التي ينبغي أن تكون عليها المرأة، ويرقصن ويغنين ويغيرن الأدوار بين الجنسين، ويواجهن جمهورهن مباشرة بأسئلة صعبة، وهو ما يثير استياء من يتمسكن بالأعراف، ويطلق عليهن لقب “الفتيات الفاسقات”، لكن ذلك لا يردعهن، لأنهن في سن لا زلن يعتقدن أنهن قادرات على تشكيل مصيرهن وتحقيق أحلامهن.
وعلى الرغم من التحديات المتجزرة التي تواجهها هؤلاء الفتيات، من أدوار تقليدية مفروضة عليهن، فإنهن يجتمعن بعد التدريبات والعروض للضحك على التعليقات السلبية التي يسمعنها من الأصدقاء والعائلة وغيرهم في المجتمع، وفي هذه اللحظات، تصل قدرة المجموعة على الصمود إلى الجمهور، فالاستخفاف بالمواقف الصعبة من خلال التعليقات الكوميدية رد فعل بشري للإبقاء مستمرين، ومع تطور قصصهن، يظهر بصيص من الأمل، لكنها علامات خفية على أن أحلامهن لا تزال على المحك.
مرحلة ما، نفقد الرؤية الثاقبة لحياة أثنتين من الممثلات الرئيسيات، حيث نشعر مباشرة على الشاشة بالرقابة المفروضة على حريتهما، بسبب الإلتزامات الأسرية والزوجية .
الفتيات يحلمن بأن يصبحن ممثلات وراقصات ومغنيات، وبالتالي يواجهن عائلاتهن وسكان القرية بأسئلة صعبة حول زواج القاصرات والعنف الأسري والنظام الأبوي في مجتمعهن المحافظ.
يتتبع الفيلم رحلتهن أثناء تنقلهن بين توقعات مجتمعهن والواقع القاسي، وعلى الرغم من الضغوط المجتمعية والتحيز الذي يواجهنه، فإن سعي الفتيات لتحقيق أحلامهن شهادة على شجاعتهن وتصميمهن على شق طريقهن الخاص.
قصة عن بلوغ سن الرشد تستكشف التوتر بين الأحلام والواقع، والقفزة الإيمانية المطلوبة للتغلب على حدود محيط المرء.
إذا كان الغرض من الفيلم الذي تم تصويره على مدار 4 سنوات، الفتيات من الطفولة إلى النضج، في مواجهة أكثر الاختيارات أهمية في حياتهن، هو زيادة الوعي وليس فعل أي شيء، فقد تم إنجاز المهمة .
جاء أداء البطلات فطريا، ينقصه شيء ما، ينبض قلوبنا للتفاعل أكثر، مديرة المسرح ماجدة (ماجدة مسعود)، والراقصة هايدي (هايدي سامح) والمغنية مونيكا (مونيكا يوسف)، طوال عملية التصوير، ظلت هؤلاء النساء يشكلن جوهر المجموعة بلا حالة زخم درامي قوي .
في الجزء الأول، نتابع الفرقة وهي تشق طريقها في رحلتها الفنية، حيث تتفاوض على أماكن أفضل للتدريب، وتنشئ مسارح مرتجلة من الطاولات، ثم تطوف الشوارع، هذا الجزء مليء بالطاقة والصراع، حيث تكافح هؤلاء الفتيات التوتر بين طموحاتهن الفنية والقيود المجتمعية الصارمة.
في حين يتخذ النصف الثاني من الفيلم منعطفًا أكثر تأملًا في تشريح القيود الأبوية، بينما تكافح ماجدة مع تحديات الإلتحاق بالجامعة، خلال محادثة هاتفية مؤثرة للغاية، تطمئن هايدي خطيبها بأنها ليست فتاة تافهة.
أيضًا فكر في الحوار الماكيافيلي بين مونيكا وخطيبها، من المحزن أن نشاهد محاولات شريك مونيكا للسيطرة على اختياراتها من خلال الادعاء بأن كسبها لأموالها الخاصة كمغنية من شأنه أن يجعلها تعصي زوجها المستقبلي، ويسلط الحوار الضوء على أن النظام الأبوي يعمل بشكل جيد كشكل خفي من أشكال التلاعب الذي يلف المرأة بخفة حول إصبع زوجها المستقبلي، ومع ذلك، ليس كل الرجال محركي دمى: يدعم والد هايدي كل قرار تتخذه.
أمام أعيننا، تتحول هذه المراهقات المرحات الطموحات إلى فتيات شابات ثاقبات، وفي الشوارع، بينما يراقبهن الرجال المرتبكون.
يقدم المشهد الأخير العزاء لماجدة وهايدي ومونيكا، حيث نرى فتيات صغيرات أخريات يستولين على تقليد مسرح الشارع، مما يطمئننا إلى أنه سيكون هناك استمرارية.
ومع أن الفيلم يفتقد الكثير من الحميمية السينمائية، إلا أنه بمثابة تذكير بأن بين الأحلام والواقع تكمن في كثير من الأحيان قفزة إيمانية للجميع نحن في حاجة لها، وهو ما برهنه مشهد النهاية على إتساع الشاشة، وربما كان ذلك وراء فوزه بجائزة “العين الذهبية” بمهرجان “كان” السينمائي.
خالد محمود يكتب : هوس يحاصر الإبداع
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟






