فى السبعينات والثمانينات كان الدعاة المتطرفون يركزون على أبناء الفقراء، ويقدمون لهم البدائل، فمن لا يستطيع شراء بدلة بمائة جنيه يقدمون له جلباباً بعشرة جنيهات، ونعلاً بجنيهين بدلاً من الحذاء، والعلاج بالحجامة بدلاً من الأطباء، والمهر 25 قرشاً.
وفى الثمانينات خرج من صوبة الدعاوى التكفيرية إرهابيون، كانوا يقتلون ويذبحون جرياً وراء جنيهات قليلة وخداعهم بأفكار دينية مغلوطة.
ثم جاء زمن الداعية الشهير على أجنحة الثروات الطائلة التى هبطت على البعض، وكان ضرورياً تطهيرها بدعاة من نفس المستوى، فظهرت أسماء كثيرة اغترفت من الثروة اغترافاً، واقتنوا أفخر القصور والسيارات والمجوهرات، ويعيشون حياة الملوك.
الزمن تغير ونحن الآن فى عصر سوشيال ميديا والذكاء الاصطناعى، دعاة جدد، عضلات مفتولة «الجيم» ورءوس حليقة «الموضة» وجينزات مقطعة من على الفخذين والركبة، شبه أبناء جيلهم.
وصار الإنترنت يحمل كل شيء، من إفساد الأخلاق بفتيات البلوجرز حتى طرق تصنيع القنابل والمتفجرات، والقادم أسوأ ويحتاج إعلان حالة التأهب القصوى للوعى والمكاشفة.
والدعاة الجدد يطورون أنفسهم ليتواءموا مع العصر، الساعات والبدل والقمصان والجينز والحظاظة وحلقة شعر «ديك رومى أو بالموس»، كله سينيهات حتى البنطلون المقطع من الركبة.
من حق كل إنسان أن يرتدى ما يشاء ويقول المثل «كُل.. تناول الطعام على كيفك، والبس على كيف الناس»، ولكننا لُدغنا من حجر التضليل مرتين وثلاثاً وعشراً.
داعية شهير - مثلاً - انتشرت له منذ فترة صورة ساعة فى يده ثمنها عشرة آلاف دولار، وكان يحاضر عن إعانة المحتاج والفقير، وأغرورقت عيناه بالدموع، وقبل ذلك كان يروج لعطور فاخرة، ولا يرتدى أزياء إلا من كبريات بيوت الموضة الإيطالية، وتخصص فى اقتناص شباب وشابات الطبقة الثرية، فصار إمامهم ووليهم ومرشدهم.. ودشن هويته بالجرى وراء محمد صلاح فى مدرجات الملاعب الأوربية، وكان معه أحياناً نجم آخر من نفس صنفه.
استثمر حب الجماهير فى دعاية سياسية ودينية لصالح الإخوان، ولم يتعرض للهجوم لكونه فلتة كروية ولكن لأنه داعية إخوانى، عندما ظهر فى برنامج رياضى يتحدث عن صناعة «البشر وليس الحجر»، كانت عباراته سخيفة ومضللة، لأن بلده يبنى ويشيد ويعمر، ويريد أن يوفر حياة كريمة للناس، ولو اقتصر دوره على الرياضة، لكان نجم الجماهير، ولكنه استغل نجوميته وشهرته فى الترويج لأفكار سياسية بعيداً تماماً عن مقاصد الدين ومراميه.
من حق كل إنسان أن يختار ما يشاء دون الإضرار بالمجتمع الذى يعيش فيه، أو توظيف الدين لصالح أهداف شخصية، وخداع الناس بشعارات وفتاوى مخادعة.
والطريق «الآمن» هو عدم توظيف الدين لصالح السلطة أو الثروة أو كليهما، فمصر أكبر دولة فى العالم فيها مآذن يرتفع فيها الآذان، ولا يستطيع أحد أن يزايد على إسلام شعبها.

المناطق العشوائية
الثالث من يوليو ٢٠١٣
يوسف القعيد يكتب: حكاية مصر الجديدة






