لم يكن اختيار روسيا لمدينة قازان عاصمة جمهورية تتارستان الروسية لعقد قمة البريكس الجديد محض مصادفة، فالمدينة العريقة نقطة تلاقٍ تاريخية للأديان فى وسط آسيا ولها اتصال بشعوب عديدة خلال الألف سنة الماضية، وتحديدًا العرب، ولا تزال مبانيها تحتفظ بطرازها المعمارى المميز والمرتبط بتاريخ التتار والروس والمسلمين، تتجاور فيها الكنائس الأرثوذكسية مع مسجد قول شريف مع كرملين قازان المبنى بنفس شكل قباب الكرملين الاسطوانية فى موسكو فى حضور القباب التتارية المضلعة القديمة.
ما يعزز ذلك التفسير هو اختيار روسيا للغة العربية لتكون إحدى لغات التعليم فى المدارس الروسية، أى إننا أمام نهج تتجه فيه روسيا لكسر حاجز اللغة بينها وبين الدول العربية، والاقتراب أكثر من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بعدما أغلقت أوروبا أبوابها فى وجه الدب الروسى.
على أرض قازان ومعناها فى التركية «الوعاء الكبير»، يجتمع رؤساء وكبار مسئولى ٤٠ دولة بعد ضم عدد أكبر من الدول للتكتل الاقتصادى من بينها مصر التى تحضر الاجتماعات بصفتها عضوًا، مع دول عربية كبرى هى السعودية والإمارات، واختارت روسيا عنوانًا أو شعارًا لافتًا لاجتماعات «بريكس بلس» وهو تعزيز التعددية من أجل التنمية والأمن، وتراهن روسيا على التكتل الاقتصادى الأكبر اقتصاديًا وسكانيًا فى دعم تحركها للتخلص من هيمنة الدولار، وتقوية العملات الوطنية لدول البريكس وطرح نظام مدفوعات جديد، يضم دول التكتل ليعزز التجارة البينية بينها، ولا يخضع لأى عقوبات غربية.
وبحسب الكرملين تناقش القمة التى تعقد فى صيغتها الـ ١٦ التوسيع المحتمل للتكتل، من خلال إنشاء فئة جديدة تحت مسمى الدول الشريكة، والاستماع إلى تقارير رؤساء بنك التنمية ومجلس الأعمال وآلية التعاون بين البنوك، وتحالف سيدات أعمال البريكس، وهى موضوعات رئيسية على أجنده القمة، لأن الطلب على الانضمام فى تزايد عقب النمو الذى شهده اقتصاد التكتل فى السنوات الماضية، حيث بلغت قيمة الناتج المحلى الإجمالى للدول الأعضاء العام الماضى حوالى ٢٦ تريليون دولار، كما تشير البيانات للتزايد المستمر فى نسبة الناتج المحلى الإجمالى لدول «بريكس» إلى الناتج المحلى الإجمالى العالمى، وتفوقها على دول مجموعة السبع الصناعية، كما شهد حجم التبادل التجارى والتجارة البينية بين دول مجموعة «بريكس» نموًا متزايدًا بين عامى ٢٠١٠ : ٢٠٢٢ إذ، بلغ نمو التبادل التجارى بين دول مجموعة «بريكس» نحو ٩٥%.
ويمثل انضمام مصر للتكتل فرصة ذهبية، من أجل توسيع إطار التعاون بين دول التكتل وأحد أكبر أسواق إفريقيا، حيث إن الفرص والمكاسب متبادلة بين القاهرة والتكتل، وتحتفظ مصر بعلاقات مميزة داخل البريكس وتحديدًا مع المؤسسين مثل الهند والبرازيل والصين وروسيا.
على الجانب الاقتصادى استفادت مصر من زيادة التبادل التجارى بينها وبين الهند والصين وعمليات نقل التكنولوجيا، وتوطين عدد من الصناعات وعلى الجانب السياسى تمثل مصر حجز الزاوية فى أمن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فهى محطة اتزان الإقليم وصاحبة جهود الوساطة التاريخية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.. صوت العقل الباحث عن الاستقرار من أجل زيادة فرص التنمية.
الحضور المصرى والعربى فى أعمال القمة تتزايد أهميته مع التغييرات الحاصلة فى العالم، ورغبة دول عديدة فى تشكيل نظام دولى جديد متعدد الأقطاب، يضمن العدالة ويعالج الخلل فى المنظومة الدولية وتكتوى به القضية الفلسطينية الآن، بحيث يضمن العدالة وعدم الانحياز لطرف على حساب حقوق طرف آخر، وعدم تحمل الدول النامية لأخطاء الدول الكبرى، وفواتير إدارتها السيئة للاقتصاد العالمى، وتجاهلها لمتاعب البسطاء بعدما تأثرت حياتهم نتيجة التضخم العالمى الناتج عن الصراعات المسلحة وفرض برامج للإصلاح الاقتصادى، لا تراعى البعد الاجتماعى لدول عديدة تدفع فواتير صراع القوى الدولية.
ولذلك يحمل اجتماع تكتل البريكس فى قازان قدرًا كبيرًا من الاهتمام العالمى، لما سينتج عنه من قرارات ربما تكون مصيرية لدول عديدة، تتطلع لتغيير ما يرسم ملامح مستقبل مختلف للاقتصاد العالمى ويعطى بريق أمل لشعوب تريد أن تعيش فى نظام عالمى يضمن لها العدالة والمساواة والحياة الكريمة.

شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»
التعامل مع البنوك بالتليفون ممنوع







