فوجئ وكيل النيابة بأن المتهم الماثل أمامه فى القفص «حمام زاجل»!! وأن حرز المحضر رسالة مربوطة فى رقبته مكتوبة بلغة عصيَّة على الفهم فأمر بإيداع الطائر حديقة الحيوان!!
«دفتر الأحوال» الموجود فى نوبتجية كل أقسام ومراكز الشرطة يعد الشاهد الصامت على كل ما جرى ويجرى.. وطبيعة عمل محررى الحوادث والقضايا تتيح لهم معرفة ما يتم تسجيله بالدفتر من احداث وحوادث ومَحَاضر الطريف منها والمأساوى.. دفتر الأحوال يعد وثيقة للتاريخ وصندوقا للذكريات.. وهذه بعض الذكريات التى عشتها وعايشها «وهى غيض من فيض»..
المتهم «حمام زاجل»!
قبل ثلاثين عاما وفى أواخر الالفية الثانية وبينما كانت عقارب الساعة تشير إلى الرابعة عصرا كان «حمام زاجل» يحلق فى السماء وقاده حظه العثر إلى الهبوط فى حديقة إحدى المنشآت الهامة ربما ليستريح قليلا من عناء رحلة طويلة.. ارتاب الحاضرون فى هذا الحمام الغريب خاصة بعد أن لاحظوا أنه يحمل رسالة مربوطة فى عنقه فتم الإمساك به.. ازداد الشك بداخلهم عندما وجدوا الرسالة مكتوبة بلغة عصية على الفهم عبارة عن أرقام وحروف!!
وتمت الاستعانة بأحد المتخصصين فى التعامل مع الحمام الزاجل لفحص الرسالة وأكد عدم وجود شبهة جنائية وأن الحمام كان فى طريقه من الإسماعيلية الى الأقصر لتوصيل رسالة لأعضاء جمعية الحمام الزاجل بالصعيد عن عقد مؤتمر وقال إن هذه اللغة يفهمها المتعاملون مع الحمام الزاجل.
تم تحرير محضر بالواقعة وكان لا بد من العرض على النيابة.. ولان الوقت كان متأخرا اتصل مأمور القسم بوكيل النيابة خالد عبدالغفار «الرئيس بمحكمة الجنايات حاليا» واستأذنه فى الانتظار قليلا وعدم مغادرة النيابة للتصرف فى هذا المحضر الغريب وأبلغه أن ضابطا فى طريقه للنيابة وبرفقته «الحمام الزاجل».. وخلال دقائق قليلة كان الضابط بالمحضر امام وكيل النيابة وقام بوضع القفص المحبوس بداخله الحمام الزاجل على مكتب وكيل النيابة وقال ضاحكا: المتهم يا افندم!!
اندهش وكيل النيابة وتصفح الرسالة المكتوبة بلغة غريبة وقام بإخطار المحامى العام الذى طلب منه معاينة الحرز وسؤال الضابط محرر المحضر والخبير المتخصص فى التعامل مع الحمام الزاجل الذى أكد أن الرسالة التى يحملها الحمام عادية جدا فقرر وكيل النيابة إيداع الحمام الزاجل- بعد أن ثبتت براءته- بحديقة الحيوان ليسدل الستار على أغرب محضر!!
تعديل تشريعى استجابة لـ «الأخبار»
زيارات متعددة قمت بها لسجن النساء بالقناطر.. كنت حريصا على الالتقاء بأكبر عدد من السجينات والاستماع لرواية كل منهن عن جريمتها التى قادتها الى غياهب السجن.. فى إحدى الزيارات اقتربت منى سجينة وقالت بصوت خفيض: يا صحافة أنقذوا أقدم سجينة منسية 10 سنوات بعد أن أنهت عقوبة المؤبد؛ لأن الجمارك تشترط سداد 35 مليون جنيه قيمة أرضية حرز المخدرات التى ضُبطت بحوزتها قبل 35 عاما حتى يتم الافراج عنها!!
ما أخبرتنى به السجينة أثار فضولى الصحفى وسالتها بلهفة: أين هى؟ فأشارت اليها ووجدتها عجوزا منهكة أكل عليها الدهر وشرب.. قلت لها: أريد أن أساعدك. فبكت وقالت: أنهيت عقوبة المؤبد منذ 10 سنوات ولم يتم الافراج عنى لان الجمارك تطالبنى بسداد 35 مليون جنيه لا املك منها مليما !!..
سألتها عن حكايتها فقالت: قادنى حظى العثر للزواج من تاجر ثرى اصطحبنى لقضاء شهر العسل فى بيروت وأثناء العودة جهز لى حقائبى بالهدايا على أن يلحق بى الى القاهرة بعد يومين..
لم أكن أدرى أنه دسَّ فى حقائبى شحنة هيروين وتم القبض علىَّ فى مطار القاهرة وحكم علىَّ بالأشغال الشاقة المؤبدة والغرامة واختفى عريسى واكتشفت انه اعتاد الزواج من فتيات لاستخدامهن فى تهريب المخدرات..
قضيت فترة العقوبة وكانت سعادتى غامرة استعدادا للخروج الى الحرية لكن غرامة الجمارك حالت دون ذلك.. وظللت رهينة داخل السجن بسبب هذا المبلغ..
أذهلنى ما سمعته من السجينة التى تبلغ من العمر 65 عاما لكن قسوة الحياة بالسجن جعلت ملامح وجهها تقترب من الثمانين.. توجهت الى مساعد الوزير لقطاع السجون وسألته: هل من المعقول أن تظل هذه السجينة بالسجن حتى الموت؟
قال انه وجميع ضباط السجن حتى السجينات متعاطفون جدا معها خاصة انها حسنة السير والسلوك لكن القوانين واللوائح تمنع الافراج عنها الا اذا دفعت المبلغ للجمارك.. قلت: وما الحل خاصة أن المبلغ كبير جدا وهى مقطوعة من شجرة ليس لها أب أو ابن أو أسرة؟ قال: لا بد من تعديل تشريعى وإضافة «مادة للإعسار» فى قانون السجون..
عدت الى «الاخبار» وكتبت الحكاية بعنوان «مأساة أقدم سجينة فى مصر.. قضت 10 سنوات بعد المؤبد بسبب 35 مليون جنيه للجمارك!!».. وطالبت بسرعة تحرك النائب العام ووزير العدل ونواب الشعب لعمل تعديل تشريعى لإنقاذها تحقيقا للعدالة..
وفور صدور جريدة الاخبار تحول الموضوع الى قضية رأى عام وتفاعل الكثيرون وتقدم عدد من النواب بتعديل تشريعى يتضمن إضافة مادة «المعسرة» التى تعطى السجون حق الافراج عن المسجونين اذا اكدت التحريات صدق تعثرهم عن سداد الغرامات المطلوبة منهم.. وكانت هى اول سجينة تستفيد من هذا التعديل وتم الافراج عنها بعد ان كان ذلك فى حكم المستحيل..
وتعاطفا مع حالتها خصص لها وزير الاسكان شقة بمدينة السادات وتبرع أحد رجال الاعمال بتأثيثها وتبرع آخر بمنحها مرتبا شهريا مدى الحياة.. أما أنا فكانت سعادتى بلا حدود لأن حملتى الصحفية تسببت فى تعديل قانون والإفراج عن أقدم سجينة ظلت فى غياهب السجن 10 سنوات كاملة بعد انتهاء عقوبة المؤبد..
تقدمت بهذه القصة لمسابقة نقابة الصحفيين وحصلت على المركز الأول بجوائز النقابة عن فرع القصة الإنسانية.
الآنسة هياتم !!
فى نوفمبر عام 2005 وأثناء ترددى على مباحث الأحوال المدنية أبلغنى مدير المباحث بصدور قرار من النيابة بضبط وإحضار للفنانة هياتم لارتكابها جريمة تزوير فى أوراق رسمية أثناء استخراج بطاقة الرقم القومى حيث استخرجت بطاقة رقم قومى ادعت أنها آنسة رغم انها سبق لها الزواج رسميا 3 مرات بخلاف الزيجات العرفية وأنها أنقصت من عمرها 11 سنة حيث ادَّعت أنها مواليد 22 يوليو 1960 والصحيح أنها مواليد 22 يوليو 1949..
كتبتُ الخبر وقدمتُه للأستاذ وجيه أبو ذكرى مدير التحرير -رحمه الله- فقام بنشره بتوسع فى صدر الصفحة الأولى للأخبار مع صورة كبيرة للفنانة هياتم.. فى صباح اليوم التالى فوجئت بالأستاذ جلال دويدار رئيس التحرير -رحمه الله- يطلبنى غاضبا ويبلغنى أن هياتم اتصلت به وأكدت أن الخبر كاذب جملة وتفصيلا وأنها لم تزوِّر فى بطاقة الرقم القومى..
أكدت له أن الخبر صحيح 100% واتصلت من مكتبه بمدير المباحث الذى أكد له صحة الخبر وأبلغه أن ضباط المباحث نجحوا منذ ساعتين فقط فى القبض عليها بعد أن نجحت فى الاختفاء شهرين مرتدية النقاب!!.. هنا انفرجت أسارير الأستاذ جلال دويدار رئيس التحرير الذى كان من الصعب أن تضبطه مبتسما خاصة فى تعاملاته مع الصحفيين وقرر صرف مكافأة فورية لى قدرها 15 جنيها مع إشادة فى اجتماع مجلس التحرير الأسبوعى الذى يعقد يوم السبت.
وبالفعل تمت إحالة هياتم الى النيابة التى قررت حبسها وإحالتها إلى محاكمة عاجلة وتم ترحيلها الى سجن النساء بالقناطر وقضت المحكمة بحبسها 6 شهور مع الشغل لكنها استأنفت الحكم وقضت محكمة الاستئناف بإلغاء الحبس والاكتفاء بالغرامة المالية

حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر







