«البيت المهجور» قصة قصيرة للكاتبة زينب درويش

الكاتبة زينب درويش
الكاتبة زينب درويش


 

ليلة مظلمة وهادئة، لا يُسمع سوى همسات الرياح بين الأشجار، كان البيت المهجور يقف وحيدًا على أطراف البلدة. قيل إن شيئًا شريرًا يسكنه، وكل من تجرأ على الاقتراب منه لم يعد أبدًا كما كان.

اختار بعض الأصدقاء المتهورين أن يكسروا الصمت ويكتشفوا بأنفسهم سر هذا البيت المنسي. لكن ما لم يعرفوه هو أن سر المنزل في الداخل كان ينتظرهم بفارغ الصبر، وأنه بمجرد دخولهم، لن يكون هناك طريق للخروج.

بدأت خطواتهم تقترب من مواجه المجهول بمفردهم دون أن يبلغوا أحد أنهم ذاهبون إلى ذلك البيت المنسي.

وعند ما أصبح ما يفصلهم عنه بضع خطوات صرخ أحدهم صرخة قوية تسببت في إفزاعهم، نظر الجميع في لحظة واحد له وهم في منتهى الغضب الممزوج بالخوف قائلين: ماذا حدث؟؟

فأجبهم فهد وهو يشعر بالحرج: لقد سمعت صوت أنفاسي في هذا الصمت الرهيب فاعتقدت بأن هناك من يقترب منى

قال سيف: بهذا الأسلوب لن تستطيع الدخول معنا عد أنت ولا تخبر أحدا بأي شيء

غضب فهد وقال: سيف لا تتعامل معي وكأني طفل صغير سنذهب معا كما اتفقنا.

وبعد عدة خطوات يصرخ فهد للمرة الثانية

التفت إليه الجميع وهم يضحكون قائلين: أسمعت صوت أنفاسك؟

قال وهو متجمد وكأنه شجرة عتيقة معمرة: لا بل هناك من أمسك بقدمي ولا أستطيع أن أخطو خطوة واحدة، وأثناء تفحص سيف لقدمه، صاح مالك وأنا أيضا وهكذا طارق ويوسف، وتجمدوا في أماكنهم وفقدوا القدرة على الحركة.

ساد الصمت بينهم وتبادلوا نظرات الخوف وكأنهم نادمين وظلوا على هذا الحال حتى أول شعاع لفجر اليوم الجديد حينها تحرروا فانطلقوا ولم يجرؤ أحد أن ينظر خلفة وعندما ابتعدوا وقفوا ليلتقطوا أنفاسهم .

 

قال مالك: هل سنقول لأحد عما حدث معنا؟ أكيد والدي سيسألني أين كنت طوال الليل؟ ولابد من إجابة وأنتم أيضا

ماذا سنفعل ما حدث لم يكن متوقع

قال سيف: لابد أن يظل هذا الأمر سر حتى نستطيع أن نعود غدا

 

قطع طارق حديثهم: لابد أن نقول ما حدث معنا

همهم يوسف بصوت منخفض: ماذا أتى بنا إلى هذا البيت من الأساس

 عاد مالك يسأل ماذا سنقول لأهالينا؟

قال سيف: نقول إننا ضللنا الطريق

ضحك طارق: ومن سيصدقك؟ لسنا أطفال

قال يوسف: لنقول أن أي منا وقع في البئر الكبير وظللنا نحاول إخراجه طوال الليل، هيا لنمزق ملابسنا لنقول أننا صنعنا منها حبلا لنخرجه من البئر

مزقوا الملابس وصنعوا منها حبلا طويل ووضعوا التراب على وجوههم وأجسادهم حتى يظهر عليهم مظهر الإرهاق والتعب، واتفقوا على أن يوسف من وقع في البئر وأن يتقابلوا غدا في نفس الموعد.

 

وحين وصلوا منازلهم لم يجدوا أحدا، لقد خرج الجميع ليبحثوا عنهم بالفعل.

فقال يوسف: والدي يقتفي الأثر، سيعرف ما حدث أمس، لابد أن أحذر الجميع قبل أن يقولوا ما اتفقنا عليه. ومد يده ليفتح الباب وجد والده أمامه.

تبدوا على ملامحه الغضب الشديد

وقال له بصوت حازم: ألم نحذركم من الذهاب إلى ذلك البيت المهجور

رد يوسف وهو يرتجف: اعتذر ولن أكرر ذلك مرة أخرى، ولكن بداخله صوت يقول له هل ستتراجع عن اتفاقك مع أصدقائك، يا لك من طفل صغير. وفي تلك اللحظة تأكد يوسف بأنه في موقف لا يحسد عليه. وعاد لغرفته حتى تأكد والده أنه سيظل بالبيت وأيضا ليفكر هل سيعود لأصدقائه أم لا.

 

في صباح اليوم التالي ذهب يوسف واجتمع مع أصدقائه في نفس المكان الذي اتفقوا عليه. كانت وجوههم شاحبة وعيونهم مليئة بالقلق.

قال سيف: "علينا أن نكون حذرين اليوم، لا نريد أن نثير شكوك أحد."

 

بدأوا في السير نحو البيت المهجور مرة أخرى، ولكن هذه المرة كانوا أكثر حذرًا. عندما وصلوا إلى الباب، توقفوا للحظة، ثم دفع سيف الباب ببطء. كان المنزل مظلمًا وباردًا، وكانت هناك رائحة عفن تملأ الهواء.

 

قال فهد بصوت منخفض: "هل نحن متأكدون من هذا؟"

 

أجاب مالك: "ليس لدينا خيار آخر. علينا أن نكتشف ما يحدث هنا."

 

بدأوا في استكشاف المنزل، وكانت خطواتهم تتردد في الصمت. فجأة، سمعوا صوتًا غريبًا يأتي من الطابق العلوي. تجمدوا في أماكنهم، ثم قرروا الصعود بحذر.

 

عندما وصلوا إلى الطابق العلوي، وجدوا بابًا مغلقًا. دفع سيف الباب ببطء، ووجدوا غرفة مظلمة تحتوي على أثاث قديم ومهترئ. في زاوية الغرفة، كان هناك صندوق خشبي قديم.

 

قال طارق: "ما هذا؟"

 

اقتربوا من الصندوق وفتحوه بحذر. داخل الصندوق، وجدوا مجموعة من الأوراق القديمة والصور. كانت الصور تظهر أشخاصًا يعيشون في المنزل منذ سنوات عديدة، ولكن كان هناك شيء غريب في الصور. كانت وجوه الأشخاص غير واضحة

 

قال يوسف: "ما هذا؟"

 

وبينما كانوا يتفحصون الأوراق والصور، سمعوا صوت خطوات تقترب من الغرفة. تجمدوا في أماكنهم، ثم رأوا ظلًا يتحرك في الظلام. كانت هناك شخصية غامضة تقف في مدخل الغرفة.

 

قالت الشخصية بصوت منخفض ومخيف: "ماذا تفعلون هنا؟"

 

تجمد الأصدقاء في أماكنهم، ولم يعرفوا ماذا يفعلون. كانت الشخصية تقترب ببطء، وكانت عيونها تلمع في الظلام. قال سيف بصوت مرتجف: "نحن آسفون، لم نكن نعلم أن هناك أحد هنا."

 

ابتسمت الشخصية ابتسامة مخيفة وقالت: "لقد دخلتم إلى عالمي، والآن لن تستطيعوا الخروج."

 

بدأ الأصدقاء في التراجع ببطء، ولكن الشخصية كانت تقترب منهم بسرعة. فجأة، انطفأت الأنوار، وعم الظلام المكان. سمعوا صوت ضحكة مخيفة، ثم شعروا بيد باردة تمسك بهم.

 

في تلك اللحظة، أدركوا أنهم قد وقعوا في فخ المنزل المهجور، وأنه لن يكون هناك طريق للخروج.

 

 

عاد الظلام ليغطي المكان، وشعر الأصدقاء بأنهم عالقين في مكان بين الواقع والخيال. بدأ الخوف يتسلل إلى قلوبهم، ولكن سيف لم يستسلم بسهولة. أمسك بيده مصباحًا قديمًا كان ملقى على الأرض وأضاءه ببطء. بدأ الضوء الخافت ينير المكان، وكشف عن تفاصيل مروعة لم يتوقعوها. الجدران محترقة وكأنها تبكى وفي زاوية الغرفة، كان هناك كتاب قديم مفتوح على طاولة متهالكة. اقترب مالك منه بحذر، وبدأ في تقليب الصفحات. وجد رسومات وكتابات غريبة بلغة لم يفهموها، ولكن الصور كانت توضح بعض الطقوس المخيفة.

 

فجأة، سمعوا صوت ضحكة أخرى، ولكن هذه المرة كانت قادمة من فوقهم. نظروا إلى السقف ورأوا شخصية أخرى تتحرك في الظلام. بدأت الشخصية تنزل ببطء نحوهم، وعندما اقتربت، اكتشفوا أنها امرأة ترتدي ملابس قديمة وممزقة،

 

قالت المرأة بصوت مخيف: "لماذا جئتم إلى هنا؟ هذا المكان ليس لكم."

 

شعر يوسف بالخوف، لكنه قال بصوت مرتجف: "نحن فقط نريد أن نفهم ما يحدث هنا. لا نريد إيذاء أحد."

 

ابتسمت المرأة وقالت: "إذا كنتم تريدون الحقيقة، عليكم أن تكونوا مستعدين لتحمل العواقب. هذا المنزل ملعون، وكل من دخله لم يخرج منه سالمًا."

 

في تلك اللحظة، بدأوا في سماع أصوات قادمة من جميع الاتجاهات، وكأن الأرواح التي تسكن المنزل بدأت تستيقظ. بدأ الضوء يختفي تدريجيًا، وشعروا بأن الأرض تهتز تحت أقدامهم.

 

قال فهد: "علينا أن نخرج من هنا الآن!"

 

ركضوا نحو الباب بأقصى سرعة، ولكن عندما وصلوا إليه، وجدوه مغلقًا بإحكام. حاولوا فتحه بشتى الطرق، ولكن دون جدوى. أدركوا أن الحل الوحيد هو مواجهة الخوف واكتشاف سر المنزل.

 

في تلك اللحظة، بدأ الظلام يبتلعهم شيئًا فشيئًا.

 

بينما كانت الأرواح تقترب منهم ببطء، شعر الأصدقاء بأنهم محاصرون في هذا الكابوس. قال سيف بصوت حازم: "علينا أن نتمالك أنفسنا ونفكر في طريقة للخروج من هنا."

 

بدأوا في البحث عن أي شيء يمكن أن يساعدهم. فجأة، لاحظ يوسف أن هناك نافذة صغيرة في زاوية الغرفة. قال: "انظروا! ربما يمكننا الخروج من هنا."

 

اقتربوا من النافذة وحاولوا فتحها، لكنها كانت مغلقة بإحكام. قال مالك: "علينا أن نجد شيئًا لكسر الزجاج."

 

بدأوا في البحث عن شيء يمكن استخدامه، ووجدوا قطعة خشبية قديمة. استخدمها سيف لكسر الزجاج، ونجح في ذلك. قال: "هيا، لنخرج من هنا بسرعة!"

 

بدأوا في تسلق النافذة واحدًا تلو الآخر. عندما خرجوا جميعًا، شعروا بنسمة هواء باردة تلامس وجوههم. قال فهد: "لقد نجونا!"

 

لكنهم لم يكونوا بعيدين عن الخطر بعد. فجأة، سمعوا صوت الأرواح تقترب منهم مرة أخرى. قال طارق: "علينا أن نركض بأقصى سرعة!"

 

بدأوا في الركض، وكانت الأرواح تلاحقهم. شعروا بأنهم يركضون لأجل حياتهم. عندما وصلوا إلى حافة البلدة، توقفوا ليلتقطوا أنفاسهم.

 

قال يوسف: "هل تعتقدون أننا بأمان الآن؟"

 

أجاب سيف: "لا أعلم، لكن علينا أن نكون حذرين. لا نريد أن نعود إلى ذلك المنزل مرة أخرى."

 

في تلك اللحظة، شعروا بأنهم قد نجوا من الكابوس، لكنهم كانوا يعلمون أن هذا السر سيظل يطاردهم لبقية حياتهم. قرروا أن يحتفظوا بما حدث سرًا بينهم، وأن لا يخبروا أحدًا بما رأوه في ذلك البيت المهجور.