«اسمه يحيى» قصة قصيرة للكاتب الدكتور فراج أبوالليل

الدكتور فراج أبوالليل
الدكتور فراج أبوالليل


 

 

استيقظت على صرخات شقت الليل النائم إلى نصفين حزينين، قالت والدتي: مات حبيبك، لم أستطع الكلام فقط انهمرت دموعي حزينة ومكلومة.

 

لم يكن طفلاً وحيداً ومرفهاً لأبوين عجوزين، لم يكن أيضاً طفلاً غنياً يذهب للأطباء بمجرد همس الألم في جسده، بل كان طفلاً بائساً وشقياً لأبوين تعيسين أيضاً وله خمسة من الأخوة التعساء بالتبعية.

لا أعلم كيف نما خوفه من المرض، ولكني كنت أعرفه بحكم النجع فوالده يعمل كلافاً للمواشي وفي الفلاحة بمزرعة والدي، كنت في الفرقة الثانية بكلية الطب عندما وقعت تلك الحادثة، ربما أتذكر اسمه للآن "يحيى"..

جاءت والدته ترفُّل في جلبابها الأسود تستعطف الباب الحديد بأن يعلو صوته مع طرقاتها المتلهفة والمتوترة كذلك، كان أول كشف لي وأنا طالب في الكلية، لم يكن لديه مرض ظاهر، نصحتها باليانسون والنعناع المغلي وأعطيتها حبة أسبرين تطحنها وتوزعها على عدة أكواب من النعناع الساخن خلال اليوم.

ومن هنا تعلقت به وكنت لا أنتظر أن تأتي والدته، كنت أزوره بعد رجوعي من جامعة سوهاج بعد أسبوع أو أسبوعين حسب ضغط المحاضرات والسكاشن العملي.

 

تسمرت عيناه السوداوين علي كرة بلاستيكية يتقاذفها الأطفال، يتفاعل معهم يرفع قدمه في الهواء كأنه يركل الكرة، يبتسم وتزداد ضحكاته عندما يتمرغ ابن تهامي في التراب فرحاً بعد إحرازه هدف الفوز، يسرع إلي بمجرد رؤيته لي، يسلم بقلبه الهادئ، أمسح علي رأسه الأسود الناعم برفق، يترد كل مرة في أخذ علبة البسكويت ولكنه يأخذها علي استحياء كأنها أول مرة يفعل ذلك، يمشي مفرود القامة، ونظره إلي السماء، كأنه يتكلم معها، ثم يهمس في كفه الصغير ويمسح وجهه وشعرة الطويل، يتفل يميناً ويساراً ويمضي في طريقه.

 

كنت أتفاءل بدخوله للعيادة، أتذكر عندما تذمرت الممرضة من ملابسه القديمة زجرتها، برغم من ملابسه القديمة لكنها نظيفة كوجهه الأبيض، لا أتركه يتنظر، بعد الكشف عليه، فقط النصائح المكررة بالمشروبات الساخنة والطبيعية.

 

الخوف من المرض هاجس قاتل، تخيل أن تكون طفلاً ممنوعاً من اللعب والقفز والتنطيط، لا شك أنه شعور سيئ ومحبط للغاية، والشعور الأسوء عندما تتقدم في السن ويتقدم معك الخوف ويتضخم، أعلم أن المرض مقيت وحيوان مفترس للراحة والجسد، أعلم أنه يقتل الفرحة عندما يتمكن الوجع والألم، تلك هي بيئته التي ترعر فيها، المرض له سلاحين فتاكين هما الألم والخوف، أعلم أن الألم بيده هو ولكن الخوف بيدك أنت.

عندما عرضت حالته علي أستاذ زائر من دولة أجنبية في مؤتمر علمي بالجامعة، ابتسم ومال على كتفي يحدثني بصوت خفيض، طفل سليم وصحيح جسدياً فقط.

 

الصراخ مازال يرن في أذني، قلت: هل أنا من قتله بالاهتمام وجعلته يخاف المرض والموت، ربما صدق جسده بأنه مريض عندما مرضت روحه.

هدأت من توتري كلمات جاءت من حجرة جدتي: "اللي يخاف يا ولدي من العفريت يطلعله"