مع بدء العد التنازلى لحرب أكتوبر المجيدة، تحقَّق، واقعيًا أو عمليًا، شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، وفى 11 فبراير 1973، أعلن الدكتور عزيز صدقى، رئيس مجلس الوزراء، وقتها، أمام مجلس الشعب، عما سمّاه بـ «ميزانية المعركة»، التى استهدفت توفير احتياجات قواتنا المسلحة وتمويل المتطلبات الناتجة عن الحرب، بحزمة إجراءات، من بينها: ترشيد أو تخفيض جديد للإنفاق الحكومى، وإعادة النظر فى خطة التصدير والاستيراد والعمل على إحلال المنتجات المحلية بديلًا للمستوردة، وتأجيل تنفيذ المشروعات التنموية، التى ليس لها مردود خلال السنة نفسها، أو لا علاقة لها بالمعركة، و... و... وجرى تشكيل لجنة عليا، لتحديد الإجراءات المطلوب تطبيقها فى جميع المجالات، استعدادًا للحرب.
لا صوت يعلو، الآن، فوق صوت التوترات المتصاعدة، التى تشهدها المنطقة، والتوقعات المتزايدة باشتعال حرب إقليمية مفتوحة. وعلى سبيل التوضيح، التحذير، أو التلويح، تحدَّث الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، عن «اقتصاد الحرب»، خلال مؤتمر صحفى، عقده الأربعاء الماضى، عقب اجتماع الحكومة الأسبوعى. والمصطلح، مصطلح «اقتصاد الحرب»، يعنى مجموعة إجراءات، أو تدابير، استثنائية تتخذها الدولة، أى دولة، ليس فقط لتجهيز الجيش لمعركة، أو لجعل الاقتصاد فى خدمة المجهود الحربى، لكن أيضًا لمواجهة الأزمات والتحديات، الداخلية أو الخارجية، التى لا تختلف تأثيراتها عن تأثيرات الحرب، والتى قد تكون هى نفسها حربًا، مستترة أو مُعلنة، تشنها دولة، أو مجموعة دول، معادية.
بالنص، قال رئيس مجلس الوزراء، الذى مرَّت، أمس، الجمعة، مائة يوم على أداء حكومته الثانية اليمين الدستورية: «إذا تعرضت المنطقة لحرب إقليمية، ستكون هناك تداعيات شديدة الخطورة، وستضطر الدولة إلى التعامل مع ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد حرب»، ثم طمأننا بأن حكومته حريصة على استمرار واستقرار واستدامة توفير السلع والخدمات الأساسية للمواطن، فى ظل الظروف الراهنة، مشيرًا إلى أنه تم التأكيد، خلال اجتماع مجلس الوزراء، صباح اليوم نفسه، على مزيدٍ من الحوكمة والترشيد فى كل النفقات، أو الاستهلاك، تحسبًا للسيناريوهات الأسوأ. كما أكد الدكتور مدبولى أن هناك تكليفات واضحة جدًا لوزراء البترول والثروة المعدنية، والكهرباء والطاقة المتجددة، والمالية، بالإضافة إلى التنسيق مع محافظ البنك المركزى، لضمان عدم حدوث أى تأثير سلبى على الدولة المصرية، بأكبر قدر ممكن.
لن يغنى حذر عن قدر، ولن يقلل أكثر السيناريوهات تفاؤلًا، حال قيام الحرب، من حجم الأعباء، التى لم يعد المواطن قادرًا على احتمالها، والتى كان التكليف الرئاسى، الصادر فى 3 يونيو الماضى، قد ألزم الحكومة، التى أدت اليمين الدستورية فى 3 يوليو الماضى، بأن تعمل على تخفيفها، وأن تبذل «كل الجهد للحد من ارتفاع الأسعار والتضخم وضبط الأسواق». وبين التكليف وأداء اليمين، تحديدًا فى 30 يونيو الماضى، خلال احتفالنا بالذكرى الحادية عشرة لثورتنا المجيدة، قال الرئيس عبدالفتاح السيسى لـ «أبناء شعب مصر العظيم»، الذين «يتحملون مشاق الحياة وارتفاع الأسعار»، إنه يعرف، بشكل كامل، حجم معاناتهم، وأكد أن «تخفيف تلك المعاناة» سيكون شغله الشاغل، والأولوية القصوى للحكومة الجديدة.
ما يشغل الحكومة فى الوقت الراهن هو الشأن الإقليمى، بتعبير رئيسها، الذى أكد أن المنطقة تمر حاليًا بمرحلة شديدة الاستثنائية، لم تمر بها منذ عدة عقود، موضحًا: أنه حتى فى الفترات التاريخية التى كانت فيها الدولة طرفًا فى حروب مباشرة كان هناك توجه واضح للأحداث، وكانت هناك إمكانية للتخطيط بناء على معطيات قائمة بالفعل، على الأرض، لكن فى ظل المرحلة الحالية فإن الوضع يتغير يوميًا، لأن المنطقة تعيش حالة شديدة من عدم اليقين.
ومن هذا المنطلق، أشار رئيس مجلس الوزراء إلى أن حكومته تتعامل مع هذا الوضع من خلال حزمة من الإجراءات والسياسات، التى تمثل فى جزء منها رد فعل للأحداث الحالية، وفى الوقت نفسه تعمل على وضع مجموعة من السيناريوهات، التى يتم تغييرها باستمرار، نتيجة التطورات والمستجدات. ومع ذلك، ومع كل هذه الظروف المحيطة، والمُحبطة، أكد الدكتور مدبولى أن الدولة المصرية حريصة، كل الحرص، على زيادة النمو الاقتصادى، وجذب وتحسين مناخ الاستثمار، مشيرًا إلى أن تقارير المؤسسات الدولية تؤكد إيجابية الرؤية المستقبلية للاقتصاد المصري، وتشهد بأن مصر أثبتت قدرتها على الصمود، والاستمرار، فى تلك الظروف شديدة الصعوبة.
..أخيرًا، ومن زاوية مستقيمة، هى المسافة الأقصر بين نقطة وأخرى، نرى أن رؤية القيادة السياسية المتوازنة، المعتدلة والرشيدة، فى التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية، السابقة والراهنة، أفشلت محاولات استدراج مصر إلى أى أزمة، وجعلتها الدولة الوحيدة فى محيطها، التى تتمتع بالاستقرار والأمن، مع ثقتنا الكاملة والمطلقة فى قدرة قواتنا المسلحة على حسم أى معركة، فى أى جبهة، ومع أى طرف، لو كُتب علينا القتال، الذى هو كرهٌ لنا. كما نرى، أيضًا، أن دولة 30 يونيو، التى اجتازت، خلال السنوات العشر الماضية، تحدياتٍ وأزمات، شديدة الصعوبة، لن تتنازل عن مبادئها وثوابتها، مهما عانت وتحت أى ضغط، ولن تعود إلى ما قبل 3 يوليو 2013، ذلك اليوم الفارق فى تاريخ مصر ومسيرتها، ومجمل تاريخ ومسيرة محيطها الإقليمى، والذى لم ينتصر فيه المصريون، وجيشهم، على جماعة الإخوان فقط، بل سحقوا، أيضًا، مستعملى تلك الجماعة، الذين أقاموا شبكة معقدة من العملاء والوكلاء والإرهابيين، وأنفقوا مليارات، بلا عدد، لتنفيذ مخطط شيطانى، أرادوا به التهام المنطقة، دولةً تلو الأخرى.

التوافق لشركاء نهر النيل وتأمين القرن الإفريقى
صدمة الحليف!
طفرة فى جامعات مصر





