الموقف السياسى

محمود بسيونى يكتب: السلام الممكن.. ووصية السادات

محمود بسيونى
محمود بسيونى


اختار برنامج «كلام فى السياسة» من تقديم الكاتب الصحفى والصديق العزيز أحمد الطاهرى رئيس تحرير مجلة «روزاليوسف» على قناة «إكسترا نيوز» النقاش حول سيرة ومسيرة بطل الحرب والسلام الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وذلك عقب إشارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى الرؤية الثاقبة والسابقة لعصرها للرئيس السادات فى اختياره للحرب والسلام.

والحقيقة أن النقاش الثرى خلال الحلقة وضع سردية جديدة لسيرة الرئيس الراحل، وطريقة إدارته للبلاد واستشرافه للمستقبل وانتصاره على رواية تلك الحقبة، التى حاولت التقليل من إنجازه والتشكيك فيه، بل إن السادات ترك لنا تراثًا أقرب للوصية، من أجل حماية بلد أحبه، وقرر الدفاع عنه، والمحافظة على استقلاله طوال سنوات حياته.

طلب السادات أن يكتب على قبره «عاش من أجل السلام ومات من أجل المبادئ»، اختار الرئيس الراحل كلمات تمثل طريقة ونمط تفكير شخصية، تجاوزت حدود زمنها، وقررت أن تترك خلفها ما يمكن البناء عليه من أجل إحلال السلام، والتوقف عن إشعال نيران الحرب فى منطقة تهوى إشعال النيران وتتنفس البارود.

توقع الرئيس السادات فى خطاب النصر أمام مجلس الشعب -آنذاك- بأنه سوف يأتى يوم نجلس فيه معًا لنقص ونروى..، وبعد أكثر من أربعين سنة جاء هذا اليوم وهو فى رحاب الله، ونرى الآن صدق رؤيته وصواب اختياره، رغم سُحب التشكيك الكثيفة، التى أحاطت بتجربته التاريخية، واختلط فيها التعجل والمصالح الشخصية، ومحاولة الانتقاص من النصر الكبير الذى حققه، ثم من سلامة اختياره للسلام كمسار لتحرير الأرض، بعد أن أنهى السلاح مهمته، لكن القدر أعطى له انتصارًا نراه يتحقق الآن وهو فى رحاب الله، ويكفيه فخرًا أن مصر بحُسن تصرفه هى الدولة العربية الوحيدة، التى استعادت كامل أراضيها بعد العدوان الإسرائيلى.

وأنها تمكنت خلال سنوات السلام من بناء قوات مسلحة قادرة ومتطورة ومستعدة دائمًا لكل الاحتمالات، وتدرك معنى القوة التى تحمى السلام، فى منطقة لم ولن تتوقف فيها الصراعات، باعتبارها ميدان لعبة الأمم، ونقطة سيطرة تتسابق عليها الإمبراطوريات على مر العصور.

لقد قرأ الرئيس السادات المشهد فى زمنه بشكل صحيح، وكانت رؤيته سابقة على النخبة المصرية آنذاك، أدرك أن إدارة الصراع العربى الإسرائيلى من الأساس كانت خاطئة، لقد تحول من صراع سياسى إلى صراع دينى عقائدى، وأن ذلك يخدم إسرائيل فى ظل الدعم الأمريكى والغربى اللامتناهى، واختار السادات الانتصار لكرامة الأمة بالحرب، رغم ضعف الإمكانات الهائل فى ذلك التوقيت، وتعويض ذلك بالرهان على المقاتل المصرى وقدراته، ثم تحويل الصراع إلى ملعب السياسة، والسير فى طريق التفاوض، بحثًا عن سلام تحقق رغم أن النخب المصرية والعربية أجمعت وقتها أنه كان وهمًا، وحاصروا التجربة، ليظل الصراع فى ملعب الدين والمزايدات العقائدية، ويبتعد تمامًا عن ملعب السياسة، الذى شهد استعادة الأرض بالتفاوض وإحلال السلام.

وبعد أكثر من أربعين عامًا على تلك اللحظة التاريخية تتكرر نفس الظروف فى ذات المنطقة المنكوبة بالصراع الدموى، ويقف الرئيس السيسى ليتحدث عن السلام فى تفتيش حرب الفرقة السادسة المدرعة بالجيش الثانى الميدانى، وسط استعراض قوة لجزء من القوات المسلحة، فى رسالة مفادها أن مصر يقظة ومتنبهة لما يدور فى المنطقة، وأن قواتها المسلحة فى أعلى درجات الجاهزية والكفاءة القتالية، والاستعداد للدفاع عن أمنها ومصالحها، وفى ذات الوقت تطرح على الطاولة ورقة السلام باعتباره الخيار الوحيد لإنهاء الصراع العربى الإسرائيلى.

ويستند الرئيس السيسى إلى نجاح تجربة الرئيس السادات الناجحة، وكيف أنه جلس مع القادة الذين تصارع معهم، وكيف أنه واجه بقوة وشجاعة كل تحديات السلام، وذهب إلى داخل البيت الإسرائيلى ليتحدث عن السلام العادل، فالقضية الفلسطينية عادلة، والسلام لن يتحقق بدون دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وهى ثابت من ثوابت السياسة المصرية، وتنطلق من قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية.

إن أخطر ما واجه القضية الفلسطينية هو أنها تركت نفسها فريسة لتيارات وقوى داخل وخارج فلسطين، حولت الصراع من ميدان السياسة، وتركت التفاوض وآليات الأمم المتحدة والشرعية الدولية، وذهبت إلى ميدان الدين والصراع العقائدى، بحثًا عن الحسم بالقتال خارج منظومة القانون الدولى الإنسانى، وهو ما وظفته إسرائيل لمصلحتها، ومارست عبر مظلته العدوان على الأراضى الفلسطينية والعربية، وسيطرت على المزيد منها، بحجة توفير الأمن لنفسها، دون أن تتوقف عن إشهار خطاب المظلومية، وأنها ضحية الإرهاب والتطرف والكراهية. 

ما يطرحه الرئيس السيسى هو السلام الممكن، استنادًا إلى وصية الرئيس السادات بأن يظل السلام هو الخيار الإستراتيجى لحل تلك القضية، وفق مقررات الشرعية الدولية، وهى التجربة التى أثبتت نجاحها مع مصر، وأن تكون البداية بتنفيذ ما وضعته مصر منذ 7 أكتوبر من العام الماضي؛ وهو: وقف إطلاق النار وعودة الرهائن، ثم إدخال المساعدات إلى قطاع غزة، حيث يعانى أكثر من مليونى إنسان منذ نحو سنة.

لقد دفع الإنسان الفلسطينى ثمنًا باهظًا لاستمرار ذلك الصراع، فقد سقط أكثر من 40 ألف ضحية، ثلثهم من النساء والأطفال، وأكثر من 100 ألف مصاب، وحجم الدمار فى قطاع غزة وصل لمستويات غير مسبوقة، شمل البنية الأساسية للقطاع، مثل المستشفيات والمدارس ومحطات المياه والكهرباء والمساكن العادية، واستعادة ذلك يتكلف مليارات فى ظرف اقتصادى صعب.

يظن البعض أن أحداث «7 أكتوبر» فرضت تحديًا لنظرية الأمن الإسرائيلى، القائمة على امتلاك إسرائيل لقدرات عسكرية تفوق محيطها، تمكنها من حسم أى تهديد فى أسرع وقت، وتجعلها قادرة على تأمين حياة مواطنيها المهاجرين إليها من كل أنحاء العالم، لكن ما حدث بعد «7 أكتوبر» يحتاج إلى إعادة نظر فى تلك النظرية، لأن إسرائيل تجاوزت كل الخطوط الحمراء فى القتل والتدمير خلال عام كامل فى غزة وجنوب لبنان، والآن تعتدى على سوريا دون أن يوقفها القانون الدولى، أو الخوف على حياة المحتجزين. 

لكن ما يحمله اليوم التالى لـ«7 أكتوبر» يختلف تمامًا عما قبله، فالمعادلات الإقليمية تتغير، وهناك قوى ستختفى من المشهد، وقوى أخرى تدفع فاتورة غالية، تلك هى الحقيقة.

وبنظرة على تسريبات كتاب الصحفى الأمريكى المخضرم بوب وودورد الجديد «حرب»، وما جاء فيه من إشارات إلى تعامل الولايات المتحدة مع إسرائيل عقب اندلاع صراع «7 أكتوبر» يكتشف أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية فى أقوى حالاتها، ولا تختلف كثيرًا عن حالتها عام 1973، بل وتغض الطرف عن كذب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عليها. 

وبحسب مقتطفات نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز» عن الكتاب، سأل بايدن فى إحدى المحادثات فى أبريل نتنياهو بشكل مباشر: «ما إستراتيجيتك، يا رجل؟». وعندما أصر نتنياهو على التوغل فى جنوب غزة، رد بايدن بحزم: «بيبى، ليس لديك إستراتيجية».
وفى مايو، بعد إصرار نتنياهو على دخول رفح رغم التحذيرات الأمريكية، وصف بايدن نتنياهو لمستشاريه بلغة قاسية، واصفًا إياه بالكاذب، مضيفًا أن معظم فريقه أيضًا كذابون: «18 من 19 كلهم كذابون».

كما يذكر الكتاب أن بايدن عبّر عن شكوكه فى دوافع نتنياهو، قائلًا إنه «لا يهتم» بحماس، بل «فقط بنفسه»، مستخدمًا تعبير «ابن العاهرة».

وبلغ التوتر ذروته فى يوليو، عندما صرخ بايدن فى وجه نتنياهو بعد غارات إسرائيلية أدت إلى مقتل القائد العسكرى البارز فى حزب الله، فؤاد شكر، والعديد من المدنيين فى غارة جوية بالقرب من بيروت، بعد أن قتلت إسرائيل إسماعيل هنية الزعيم السياسى لحركة حماس، فى زيارة لإيران. قائلًا: «بيبى، ما هذا بحق الجحيم؟».

وحذر بايدن نتنياهو قائلًا: «أنت تعلم أن تصور إسرائيل حول العالم يتزايد على أنها دولة مارقة، إلى فاعل مارق».

ورد عليه نتنياهو «هذا هنية.. أحد كبار الإرهابيين. رجل فظيع. رأينا فرصة واغتنمناها».

وبعد التسريبات، وما يمكن أن تتركه من تأثير على الانتخابات الأمريكية، سارع الرئيس الأمريكى جو بايدن ومعه نائبته المرشحة الرئاسية كامالا هاريس إلى الاتصال الهاتفى بنتنياهو، وأكد بايدن بحسب بيان البيت الأبيض التزامه الثابت، الذى لا يتزعزع بأمن إسرائيل، وأدان على نحو لا لبس فيه الهجوم الصاروخى الباليستى، الذى شنته إيران على إسرائيل.

وأكد بايدن حق إسرائيل فى حماية مواطنيها من حزب الله، الذى أطلق آلاف الصواريخ والقذائف على إسرائيل خلال السنة الماضية لوحدها، مع التأكيد على ضرورة تقليل الضرر الذى يلحق بالمدنيين، لاسيما فى المناطق المكتظة بالسكان فى بيروت.

نستنج من ذلك أن الرئيس الأمريكى حينما يستاء من تصرفات قادة إسرائيل، وما تسببه من إحراج للولايات المتحدة، وتأثير مباشر على مصالحها يكتفى بالألفاظ النابية، لكن على الأرض أمن إسرائيل عقيدة أمريكية.

قدّم الرئيس السيسى رؤية استشرافية للمستقبل، مبنية على واقع يفرض نفسه، فكان قراره حماية مصر من معادلات تتحرك فى الخفاء، وتنتقل إلى العلن فى المنطقة، وأن الحماية الفعالة تنطلق من امتلاك قدرات متعاظمة للدفاع عن أمنها ومصالحها، أمام تحديات غير مسبوقة تواجه الأمن القومى المصرى على أكثر من اتجاه إستراتيجى، وأن مصر اختارت السلام، وإقامة دولة فلسطينية، وتصفية مخططات التهجير القسرى، وتطرحه على الطاولة من منطق القوة، لصياغة معادلات الإقليم بشكل مختلف، يضمن فى النهاية الأمن والاستقرار للجميع.