مضى قرن كامل وعامان على إنشاء مدرسة تحسين الخطوط الملكية، ومنذ عامين اعتمدت منظمة «اليونسكو» فنون الخط العربى تراثا إنسانيا
جمالُ الخط قوةٌ وانتصارٌ، واعوجاجُه هزيمةٌ وانكسار.. منذ فترةٍ طالعتُ عددًا من المخطوطات العربية من عهد المماليك، وكنتُ أتعجَّب من انسيابِ الخط وتناسقه؛ وكأنَّ آلة ماهرة هى التى كتبته وليس بشرًا سويًّا مثلنا؛ فضلا عن الزخارف المُبهجة التى تُحيط بالصفحة من أقطارها..
فعلمتُ أن أناملنا مُدربة ومُجيدة منذ الجِبلة الأوّلين، وأن الإبداع «الخطيّ» المصرى لا يزال موصولَ النسبِ مُتجذرا بفنون العربية القولية؛ فنرى القرآن مكتوبًا ومقروءًا؛ ونرى الشعر ممهورًا ومسجوعًا؛ ونرى الرسائل والخطب والحِكم فى كل بيت تُزين الجدران كما تملك اللسان.. فلا حائط خاليًا من: «الصبر مفتاح الفرج» و: «رأس الحكمة مخافة الله» وغيرها من تشابكات النسخ والرقعة والثلث والديوانى والفارسى فى أتون الواقع المصري.
وقف ذلك الخطاط الشاب محمود إبراهيم متوترًا قلقًا أمام الزعيم جمال عبد الناصر، وهو يُقلب فى عدة لوحات للخطوط العربية أمامه ليختار منها خطا رئيسيا للجريدة الوليدة؛ ثم أشار إلى لوحةٍ أمامه قائلًا بيقين: هذا الخط الذى أريده!.. ثم صافح الخطاط الشاب بابتسامة ود ومحبة، وهو يتنبأ له بمستقبل كبير.
قد تظهر مخايل عبقرية القائد فى فلتات اللسان ولمحات البصر، تمامًا كما تظهر فى القرارات الخطيرة والأعمال العظيمة؛ والزعيم جمال عبد الناصر كان قائدًا عبقريًا فى دقائق الأعمال وعظيمها على السواء؛ فإذا كان هو القائد الذى غيّر المنطقة كلها بقراراته الجريئة للدفاع عن الهوية العربية؛ فإنه أيضًا الخطيب المفوّه، الذى يملك حس فنان يستشعر دقة الإبداع وروعته.
مضى قرن كامل وعامان على إنشاء مدرسة تحسين الخطوط الملكية والتى أمر بإنشائها فؤاد الأول؛ ومنذ عامين اعتمدت منظمة «اليونسكو» فنون الخط العربى تراثا إنسانيا؛ وهو ما يؤكد تجذرنا فى محبة الخط العربى والاهتمام به؛ وهو عكس ما يحدث الآن فى مدارسنا، فإضافة إلى ارتكاننا التام إلى الكتابة الآلية؛ فإن الكثير من الطلاب «بالكاد» يكتبون أسماءهم بخط مقروء؛ وهى آفة خطيرة يجب أن ننتبه إليها لنعالجها قبل استفحالها وضمورها فى بلد الخط والخطاطين الكبار الذين ملأوا الدنيا بخطوطهم وزخارفهم وحازوا تقدير العالم؛ ومنهم الخطاط الكبير محمود إبراهيم سلامة، أحد رواد هذا الفن الجميل، الذى قدَّم الكثير إلى فن الخط طوال عمره المديد: «الأول من مايو ١٩١٩م/ ٦ أكتوبر ٢٠١٧م».. وقد كان لى شرف إجراء حوار معه للأخبار قبل شهور من وفاته؛ وكان يحكى لى كيف أنه يرى صفحة المصحف فى الرؤيا قبل أن يخطها بيده فى اليوم التالى على الورق، وكيف أن يده تهتز بسبب سنه الكبيرة إلا عند كتابة المصحف فتهدأ وتثبت.
وقصة سفره إلى ليبيا ومشاركته فى تأسيس معهد الخط هناك، وكتابة أول مصحف فى حياته برواية «ورش» وقد تخطى السبعين من عمره بتكليف من مجلس قيادة الثورة؛ وكذلك كيف التقى بالمخرج العالمى مصطفى العقاد الذى استضافه فى لندن مرتين كتب خلالهما أفيشات فيلمى «الرسالة» و»عمر المختار»؛ كما بدأ كتابة أغلفة إصدارات بعض دور النشر، وفى مقدمتها دار الشروق، التى طلب مؤسسها الراحل محمد المعلم منه كتابة مصحف، وقال له: «إن مصر أولى بخطاطيها»؛ وكذلك كتب أغلفة كتب: الأستاذ هيكل، وعبد الرحمن الشرقاوي، ونجيب محفوظ؛ وبعد أن اقترب من التسعين غامر وأقدم على كتابة مصحفه الخامس بخط الثلث، تاج الخطوط وأصعبها، بمقاس: سبعين فى خمسين سم بالألوان، وبعد نجاح التجربة أغراه الأمر فكتب درة أعماله ومشروع عمره المصحف الكبير أيضًا بخط الثلث، ولكن بمقاس فريد: سبعين فى مئة سم، وهو أمر لم يحدث منذ أيام المماليك.
الخط العربى فن عميق الأثر فى الذوق الجمالى والهوية العربية، ولا يُمكن أن نتركه نهشًا ليد الإهمال فى مدارسنا، فيخرج أبناؤنا مرتعشى اليد واللسان؛ وإنما يحتاج الأمر إلى تفعيل حصة الخط والاهتمام بذوى الموهبة من الطلاب، فيعود الجمال إلى قلوبنا وجدراننا.

دينا الأدغم تكتب: ضربة حاسمة علي الحدود الجنوبية .. مصر تعزز أمن حدودها وثرواتها
علي فتحي يكتب: شجاعة الرئيس وحماسة "العميد".. هل نكمل البناء؟
أسطورة البقرة الحمراء !





