قانون الرؤية.. معاناة الآباء والأبناء

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


3 ساعات فقط فى الأسبوع داخل مركز شباب هى المدة التى يسمح للأب غير الحاضن أن يقضيها مع أبنائه بعد الطلاق، فى الوقت الذى قد لا تلتزم فيه الزوجة بالموعد، ما يتسبب فى مشاكل نفسية سواء للأب أو للأبناء.. يعيش العديد من الآباء فى مصر معاناة بسبب «قانون الرؤية»، ويصفونه بأنه سلاح تستخدمه بعض الأمهات أحيانا، بغرض الابتزاز المادى، أو العاطفى.

◄ مدة الرؤية

يقول أحمد عصام - 38 عاماً - إن موعد رؤيته لابنه تم تحديده من الثانية وحتى الخامسة عصرا، إلا أن طليقته تتعمد أن تأتى بعد الموعد بساعة وتغادر قبل انتهاء المدة بأكثر من نصف ساعة، «مش بلحق أشبع من ابني».

أما عبير فتحى - 28 عاما - فتحكى عن مشكلة من نوع آخر وهى انها رغم كونها الحاضنة تحضر لموعد الرؤية فى تمام الساعة المحددة لها إلا أن الأب يتعمد التأخير فى كل مرة، وأحيانا أخرى لا يأتى مطلقا، غير مكترث بمدى حاجة أبنائه إلى رؤيته.

◄ قانون الأحوال الشخصية

فى البداية يوضح المحامى أحمد مصيلحى رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال بنقابة المحامين أن الرؤية جزء من قانون الأحوال الشخصية، مشيرا إلى أن القانون عرض 3 مرات على مجلس النواب فى 3 دورات مختلفة بتعديلات تم تقديمها من الأحزاب والجمعيات الأهلية وغيرها وهناك الكثير من المناقشات حول تحويل الرؤية لاستضافة، إلا أنه تم الاعتراض، واستبدال «الاستضافة» بكلمة الاصطحاب. حسب صحيفة الأخبار.

وأضاف: قانون الرؤية الحالى ينص على أن الأب أو الأم (الطرف غير الحاضن) من حقه رؤية الأبناء 3 ساعات فى الأسبوع داخل أى ناد أو مركز شباب.

فى أغلب الأحوال يكون الطرف غير الحاضن هو الأب وبنسبة قليلة جدا تكون الأم، نظرا لأن الأب عادة يكون منشغلا بعمله، والأطفال يحتاجون لأم قادرة على رعايتهم، وبعد الأم فى ترتيب أولوية الحضانة تأتى والدتها ثم والدة الأب ثم الخالة والعمة.

◄ تنظيم الرؤية

وتابع: هناك العديد من التعديلات على تنظيم عملية الرؤية نطالب بها منذ عام 2000 وللأسف لم تتم بشكل مباشر والكثير من الأحكام الشرعية لقانون الأحوال الشخصية يجرى العمل به منذ عام 1943.

ويوضح: «مهما حدثت تعديلات على القوانين فالأمر فى النهاية يرجع للأخلاقيات والثقافة المجتمعية بشكل أكبر، فنحن نواجه ثقافة خاطئة فى المجتمع بأن المرأة المطلقة هى عدو لزوجها السابق، والأب يرى أنه طالما زوجته تركته فلابد أن ينتقم منها والضرر فى النهاية يقع على الأبناء، وبالتالى مهما غيرنا أو عدلنا على القوانين يجب فى النهاية تعديل الثقافة حتى لا تتفاقم المشاكل، وعلى الأباء والأمهات المعرفة بحقوق أطفالهم عليهم، والإدراك بأنه من مصلحة الطفل أن يتواصل مع والده فى مرحلة الانفصال وأن يشاركه فى كل تفاصيل حياته وإلا سيحدث خلل شديد فى تنشئته، وهو ما أقرت به جميع الدراسات العلمية على مدار السنوات الطويلة الماضية، وفى النهاية يجب التخلى عن الروح الانتقامية التى تفرض نفسها بمجرد حدوث الانفصال من الطرفين على حد سواء».

◄ حكم الرؤية

وحكى عن الثغرات التى تسبب الكثير من المشكلات يقوم بها الشخص الحاضن مثل الذهاب لمكان الرؤية فى وقت متأخر عن الموعد المحدد ما يجعل الطرف الأخر لا يقضى المدة كاملة مع ابنه، وللأسف القانون يحدد توقيتات بعينها وهى غالبا ما تكون من الساعة الثالثة عصرا وحتى السادسة مساء ولا يمكن تغييرها، ولكن بدأت السيطرة على الوضع مؤخرا عن طريق تسجيل موعد الحضور والمغادرة فى دفتر موجود فى كل مركز شباب أو ناد، والمتضرر يلجأ لمحام ويقدم بلاغا بتعنت الطرف الأخر فى تنفيذ حكم الرؤية.

وفى النهاية الاصطحاب أو الاستضافة أفضل بديل للرؤية وهذا من منطلق حق الطفل وليس الأب والأم، ومدتها يوم كامل، بالإضافة إلى إجازة سنوية لمدة أسبوع فى السنة، ويومين فى الأعياد.

◄ الصراعات الزوجية

وعن معايير الاستضافة وضمان أن الأب لن يأخذ الأبناء ولا يعيدهم مرة أخرى للأم يقول مصيلحي: «هناك الكثير من مشاريع القوانين تقر بضرورة توافر بعض الشروط منها ألا يكون صدر حكم جنائى قبل ذلك على الأب، وأن يكون ملتزما بسداد النفقة، وأن يكون حسن السير والسلوك، وهناك تقرير اجتماعى يصدر عن إدارة الأسرة والطفل ما يضمن صدق الأب فى أن يعيد الأبناء لوالدتهم مرة أخرى».

اقرأ أيضا| أدفع بالتى هي أحسن| أزهري: الرجل المنفصل تحول لـ «ATM» حتى لا يمنع من رؤية طفله

وبالطبع هناك الكثير من المشكلات تحدث من الأب غير الحاضن وهى التأخير عن حضور الرؤية فى الموعد المحدد، أو عدم حضوره من الأساس، وغيرها الكثير من المشكلات التى تنتج عن الرؤية.

وترى د. هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع بجامعة الزقازيق أن الصراعات الزوجية وصلت لدرجة كبيرة من العنف وهو ما يدفع ثمنه الأطفال، وتتصور أن نظام الزواج نفسه فى مصر يحتاج إلى علاج اجتماعى وثقافى وقانونى وتربوي، فالأمهات لم يرشدن بناتهن للطريق الصحيح.

◄ المسئولية الاجتماعية

وتستطرد: هل يشعر شباب اليوم بالمسئولية الاجتماعية ويقدرون حجم ماهم مقبلون عليه من مهام؟ على من لا يشعر بهذا ألا يتزوج حتى لا يحملوا جيلا كاملا ما لا طاقة لهم به، فمن حق الأطفال أن يحصلوا على حقوقهم من آبائهم وأمهاتهم.

وتؤكد على ضرورة تواجد برامج إعلامية وتدريبية وحديث يسود المجتمع كله عن مسئولية الزواج والأمومة والأبوة، فالآباء لهم دور كبير فى تربية الأطفال.

وعن قانون الرؤية تقول د.هدى أننا لن نصنع بالقانون أطفالا سعداء، وهو قانون ظالم للطرف الذى يعيش بعيدا عن الأبناء، ولكن يجب علينا أن ننمى الشعور بالمسئولية الاجتماعية للأم والأب تجاه الأطفال، فمهمة الأب لا تقتصر فقط على الإنفاق، وعلى الأم ألا تصدر لأطفالها شعور الكراهية تجاه الأب لأنه بهذه الطريقة سيكره نفسه معه وسيصاب بالكثير من الأمراض.

◄ النزاعات الأسرية

ويقول محمود البدوى المحامى وخبير حقوق وتشريعات الطفل: بعيدا عن النظرة الحقوقية، وإذا بحثنا فى الأمر سنجد أن حوالى 85٪ من المشاكل التى تحدث نتيجة انفصال الأب والأم من أمراض نفسية تحدث للطفل أو مشاكل التشتيت بين الأبوين أو المشكلات التى تنتهى بأن الطفل يخرج للشارع الذى يقول البعض أنه أحن عليه من أبيه وأمه، فتكون فى المقام الأول عناد وخصومة بينهما، ونحن كمحامين نشاهد قضايا النزاعات الأسرية وننصحهم بمحاولة التفكير فى التراجع عنها قبل اتخاذ القرار لأن من سيحاسب على هذه الفاتورة هم الأبناء، فالأب والأم بعد الانفصال فى الكثير من الحالات يتزوج كل منهما ويصبح الطفل مشتتا بين الطرفين مما ينعكس سلبا عليه فى صورة ممارسات ضده من ضرب أو استغلاله فى أعمال عنف أو تعديات جنسية وهو ما أصبح منتشرا الآن.

ويرى أنه إذا صنعنا ملايين القوانين دونما وجود أشخاص مدركين لمدى الإشكاليات التى تنتج عن نزاعاتهم الأسرية وتنعكس سلبا على الأبناء، وبدون نهوض فى الوعى المجتمعى بكيفية الإيمان بأن الطفل هو المتضرر الأول من كل هذا، لن يكون هناك نفع من أى قانون، فبدون توعية الناس والرقى بفكرهم وتزويد مساحة الوعى المجتمعى لديهم لن تحل الأزمة.

◄ حملات التوعية

ويضيف: ما نحاول أن نقدمه حاليا من خلال حملات التوعية هو أن نكون حلقة الوصل بين ما هو مكتوب بين دفتى كتاب القانون وأهالينا البسطاء بالمناطق الشعبية ممن لا يشاهدون البرامج أو يتابعون الإنترنت، لتنويرهم وإرشادهم بطرق مختلفة ومبتكرة بعض الشيء لنضمن أن ما نقوله سيصل إليهم ويستوعبونه.

وعن المطالبة بسن تشريعات جديدة، يقول البدوى إننا نمتلك تشريعات أوصلت عقوبة المخدرات والخمر وحتى قضايا الثأر والإرهاب لأقصى العقوبات، ولدينا أقصى بناء تشريعى لحماية الطفل ولكن هل بوجود التشريع انتهت هذه القضايا؟ بالطبع لا فالفكرة كلها تنحصر فى خلق مجتمع واع بقضايا الأسرة وصديق للطفل وجدير به ويتخذ إجراءات حمائية لأى تصرف يقوم به، وهو ما ينطبق على تعاملاتنا وتربيتنا وكل شيء، وإذا صدر تشريع يجبر الأب والأم على ذلك سينتج عنه طفل محمل بكم هائل من الغل والكراهية، وإذا لم يدرك الآباء أن أطفالهم فوق مصالحهم الشخصية لن ينفع معهم أى تشريع، والفكرة تكمن فى كيف نجعلهم يحافظون على الجوهرة التى منحها الله لهم.

ويتحدث الكثيرون عن منظمات المجتمع المدنى ودور الأسرة غافلين الآليات الوطنية المعنية بهذا الأمر مثل المجالس القومية المتخصصة وكما أطلق عليها «المتكلسة» أو المتحجرة، لأنها لا تتعاطى بشكل إيجابى مع قضايا المجتمع، يجلسون بغرفهم الزجاجية أمام النيل ولا يعنيهم المجتمع فى شيء.

◄ الاضطرابات النفسية

أما د. إيمان النبوى استشارى الصحة النفسية فتوضح أن هناك طلاقا سلبيا ومنه ما يمثل ضررا على الطفل ويصيبه بالوحدة والعنف والعدوان والانطواء والمشكلات النفسية كأحلام اليقظة التى تصور له أنه يعيش حياة سوية مثل الطلاق العاطفى بين الزوجين أثناء حياتهما معا مع انقطاع الود والعاطفة وحتى الكلام ولا يعيشون إلا فى أجواء متوترة مليئة بالمشاجرات أو الطلاق النهائى الذى يتخلله نوع من العدوانية تجاه أحد الأطراف، وطلاق إيجابى يؤثر عليه بشكل أفضل وهو ما يتفق عليه الزوجان من استحالة العشرة بينهما فى حين مراعاتهما لمصلحة الأبناء وأهميتها، وبالتالى فلابد من توفير حياة أفضل لهم بعد الانفصال وهذه القناعات لدى الزوجين تصب فى مصلحة أطفالهم وهذا قلما يحدث.

وهناك مؤشر خطير لمزيد من الاضطرابات النفسية نتيجة عدم رؤية الأطفال لأحد أبويه خاصة فى السن الصغيرة فالأولاد يحتاجون لرؤية أبيهم وإلا سيفتقدون النموذج الذى يتوحد معه نفسيا فيؤدى لإصابته بالإضطرابات الجنسية إضافة إلى إحساسه بالذنب وأنه غير مقبول من والده الذى لا يرغب فى رؤيته طبقا لما زرعته والدته بداخله، فيحاول أن يجد الحب والقبول من مجتمع آخر وفئات مختلفة وهم الأصدقاء وهذا أخطر شيء فيصاب بالإدمان، وفيما يخص الفتيات يحدث نوع من العقد النفسية تجاه الزواج وتتوقع البنت أن كل رجل يمثل صورة الأب السلبية داخل عقلها.

وتقترح د. إيمان أن تقوم مراكز الاستشارات الأسرية بعمل دورات مجانية للأزواج تمولها الدولة، حفاظا على الحياه الأسرية والاجتماعية، لنضمن حياة آمنة للطفل، ومن ناحية أخرى يجب تكوين فرق عمل مختلفة تابعة لمكاتب الاستشارات الأسرية المتعارف عليها بكل محافظة تعمل على جمع أبناء المطلقين والمطلقات ومنحهم دورات توعية ليستطيعوا مواجهة المجتمع، وللوقاية من كل هذا قبل حدوثه يجب عمل ورش تدريبية للشباب المقبلين على الزواج لتأهيلهم على التغير الذى سيطرأ على حياتهم.