لم يكن قادة الغرور يتوقعون تلك الصفعة المصرية الصادمة التى باغتت أوداج غطرستهم المنتفخة بعد ظهيرة يوم السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣ والأمر لم يتوقف عند حد المفاجأة المزلزلة ولكنه تحول إلى عقدة نفسية أرهقت الكيان الإسرائيلى وتعمقت فى الوجدان الجمعى وصارت كابوسا فى المخيلة لديهم لا تخفت حدته ولا يخبو تأثيره على مدى العقود المتوالية وقد ظهر ذلك جليا فى المصادر الإسرائيلية والنصوص الأدبية العبرية من روايات وقصص وقصائد وأشعار تقدم قراءة أبرزها المفكر د. أحمد فؤاد أنور أستاذ التاريخ والأدب العبرى الحديث بآداب الإسكندرية عبر السطور التالية
حينما يطل أكتوبر علينا من كل عام نستحضر الروح العظيمة الملهمة التى رفضت الهزيمة وبالعلم والصبر والإرادة والشجاعة والدهاء استعيدت الأرض.. وأُسقط المعتدى المتغطرس، روح أكتوبر تنتقل إلينا عبر الأجيال وتظهر كسبيكة فريدة عند الشدائد، ترتبط عند كاتب هذه السطور بالحالة المزاجية لأستاذى د. إبراهيم البحراوى (العالم الجليل صاحب المؤلفات والمقالات المتخصصة والقائم على التحقيق مع الأسرى الإسرائيليين)، واللواء البطل محمود خلف (قائد الحرس الجمهورى والمحافظ السابق)، ود. رشاد الشامى (رائد الدراسات العبرية)، رحمهم الله، واللواء على حفظى (بطل حرب أكتوبر والمحافظ السابق)، واللواء (نصر سالم قائد سلاح الاستطلاع والأستاذ بأكاديمية ناصر) وآخرين متعهم الله بالصحة والعافية، وفى المقابل أتابع كوابيس ودموع ونزيف المعتدى القابع فى شمال الشرق وهو النزيف الذى لا يزال مستمرا منذ الثانية ظهر يوم العبور 6 أكتوبر 1973 وحتى الآن.
منذ هذه الأيام الرمضانية المباركة صدر عن الحرب فى إسرائيل 650 كتابا باللغة العبرية فقط، ونحو 200 بلغات أخرى. وهو ما يحملنا مسئوليات كبيرة بشأن التوعية والتنوير، وواجب الهيئات والأفراد والأدباء والباحثين المصريين والعرب بالطبع أن يضاعفوا الجهد. وألا يستسلموا لعملاء الوحدة 8200 فى الاستخبارات الحربية الإسرائيلية (أمان) الذين يروجون كالذباب الإلكترونى على وسائل التواصل وعبر حسابات مزورة أن حرب أكتوبر تجاوزها الزمن.. وما إلى ذلك من سخافات وترهات.
من الكتب الأساسية التى يجدر بنا التنويه إليها كتاب إيلى زعيرا «حرب أكتوبر الأسطورة أمام الواقع»، وأهميته أنه بقلم «مهندس الهزيمة» كما يصفونه لأنه بصفته مديرا للمخابرات الحربية كان يتمتع بنفوذ ومصداقية ومع هذا خدعته مصر، ولم يستطع أن ينبه حكومته لاستدعاء مبكر لقوات الاحتياط. وكذلك كتاب «اليوم ستندلع حرب» وهو فى الواقع مذكرات عميد «يسرائيل ليئور» السكرتير العسكرى لليفى أشكول ثم جولدا مائير لفهم الإرهاصات والأجواء التى سبقت الحرب. وأيضا كتاب حاييم هرتسوج «حرب يوم القيامة» وهو جنرال أيرلندى الأصل كان والده حاخاما أكبر سابقا ورصد فى الكتاب آثار ونتائج الانتصار المصرى على الشرق الأوسط. وكتاب «أيام ووثائق الحرب» الذى رصد كل البيانات الرسمية الصادرة من رئيسة الوزراء جولدا مائير ورئيس أركانها ووزير دفاعها ثم عناوين الصحف. ومقالات تحليلية بعد الحرب لعدد من الخبراء الإسرائيليين. و«عاصفة فى أكتوبر» وهو كتاب عن كتيبة مدرعات إسرائيلية وما تعرضت له من كمائن ونيران مصرية قوية فى معارك مختلفة.. وهو من تأليف قائد الكتيبة اليشيف شمشي.
ويجدر بنا التوقف عند الكتابة الذاتية لشخصيات غير قيادية عبرت عن مخاوفها وقدمت اعترافاتها دون حسابات سياسية أو دعائية إلى حد بعيد ومن هذه الكتابات كتاب لـ «موشيه بن ديفيد» الذى نسب فيه عجزه الجنسى لحرب أكتوبر وما لاقاه فيها، تحت عنوان «لم أر جنودا سعداء» واللافت للنظر أن النقاد أشادوا بالكتاب ولغته وجراءته فى نوبة احتجاج جماعى على «المحدل» أو التقصير وما تلاه من أمراض نفسية وعضوية.
ومن العناوين التى هى حاليا محل دراسة أكاديمية لباحثة متميزة بجامعة الإسكندرية -تحت إشراف كاتب هذه السطور وأساتذة كبار- رواية «أصوات ترافقنى دائما» للأديبة تيكى فيدس ويمكن القول بأنه «تقرير وثائقي» صورت فيه الكاتبة ما واجهته فى هذه الحرب لمدة 60 ساعة، على غرار رواية «نساء إسرائيل فى ظل الخسارة والحرب» للكاتبة روت شابيرا التى تصف بصراحة وضع هؤلاء النساء اللاتى فقدن أزواجهن فى الحروب والعمليات العسكرية التى خاضتها إسرائيل وتركوا خلفهم هؤلاء النساء والأطفال والرضع وكل ما يعانونه بعد فقدان رب الأسرة. لكن تتفرد «الأصوات التى تلازمني» بأنها لمجندة تعرضت للصدمة ولم تسمع عنها من زوجها.. وتدور أحداثها حول جندية إشارة خدمت فى سيناء قالت إنها تهدى العمل لقادتها فى شمال سيناء الذين سقطوا فى المعارك أمام الجيش المصري. وروت: كيف كانت تتواصل عبر أجهزة اللاسلكى مع كل النقاط الحصينة وكشفت أنها مع زميلاتها كن يتناوبن الخدمة مع الجنود، لكن حين وقعت الحرب جاءت أوامر بإخلاء المجندات من النقاط الحصينة. كما شددت على أن القادة خيبوا آمالها فانهارت تلك الصورة العظيمة التى كانت فى خيالها عن جيش دفاعهم الذى طالما روجوا بين الإسرائيليين أنه ﻻ يقهر. الخلاصة أن الكتابة الذاتية والريبورتاجية للآخر تستحق دوما قدرا أكبر من المتابعة والرصد خاصة حين يتحول الجندى لحالة اﻷديب أو العكس، لا سيما حين يتعلق الأمر بحرب أكتوبر المجيدة.
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







