عصير القلم

إعمل الخير وارميه فى البحر

أحمد الإمام
أحمد الإمام


‭..‬كثير‭ ‬منا‭ ‬يفعل‭ ‬الخير‭ ‬ولكن‭ ‬معظمنا‭ ‬يحب‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬نتيجة‭ ‬سريعة‭ ‬لعمله،‭ ‬إما‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬النتيجة‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬دعوات‭ ‬بالخير‭ ‬تتلقاها‭ ‬مسامعه،‭ ‬أو‭ ‬نظرات‭ ‬امتنان‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬الناس،‭ ‬أو‭ ‬سيرة‭ ‬محمودة‭ ‬تتناقلها‭ ‬الألسن‭.‬

ولكن‭ ‬هناك‭ ‬نوعية‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬ارتقت‭ ‬فوق‭ ‬أي‭ ‬مشاعر‭ ‬دنيوية‭ ‬واختارت‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬الخير‭ ‬دون‭ ‬انتظار‭ ‬أي‭ ‬مقابل‭ ‬،‭ ‬يكفيها‭ ‬فقط‭ ‬الشعور‭ ‬بالرضا‭ ‬عن‭ ‬النفس‭.‬

أذكر‭ ‬جارا‭ ‬لي‭ ‬اعتاد‭ ‬يوميا‭ ‬إطعام‭ ‬جميع‭ ‬الكلاب‭ ‬والقطط‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬رغم‭ ‬أحواله‭ ‬المادية‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬جميع‭ ‬السكان‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يستغربون‭ ‬تصرفاته‭ ‬ويردد‭ ‬بعضهم‭ ‬بسخرية‭ ‬‮«‬‭ ‬هو‭ ‬قادر‭ ‬يأكل‭ ‬عياله‭ ‬لما‭ ‬يأكل‭ ‬الكلاب‭ ‬والقطط‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬؟‭!‬‮»‬

وكلما‭ ‬سأله‭ ‬أحدهم‭ ‬كان‭ ‬يجيب‭ ‬بابتسامة‭ ‬هادئة‭ ‬‮«‬ربنا‭ ‬اللي‭ ‬بيرزق‮»‬‭.‬

منتهى‭ ‬الثقة‭ ‬والايمان‭ ‬بأنه‭ ‬سيكافأ‭ ‬على‭ ‬عمله‭ ‬من‭ ‬رب‭ ‬العباد‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬الذين‭ ‬تعجز‭ ‬عقولهم‭ ‬المحدودة‭ ‬عن‭ ‬استيعاب‭ ‬فكرة‭ ‬وجود‭ ‬قلوب‭ ‬يسكنها‭ ‬حب‭ ‬الخير‭ ‬بلا‭ ‬مقابل‭.‬

وهناك‭ ‬قصة‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬سيدة‭ ‬عجوز‭ ‬كانت‭ ‬تركب‭ ‬القطار‭ ‬يوميا‭ ‬ولا‭ ‬تغادره‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬محطة‭ ‬،‭ ‬وأثناء‭ ‬ركوبها‭ ‬في‭ ‬القطار‭ ‬كانت‭ ‬تجلس‭ ‬أمام‭ ‬نافذة‭ ‬تفتحها‭ ‬بين‭ ‬لحظة‭ ‬وأخرى‭ ‬وتخرج‭ ‬كيسا‭ ‬من‭ ‬حقيبتها‭ ‬وترمي‭ ‬أشياء‭ ‬من‭ ‬الكيس‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬،‭ ‬ويتكرر‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬كل‭ ‬يوم‭.‬

وفي‭ ‬أحد‭ ‬الايام‭ ‬سألها‭ ‬أحد‭ ‬الركاب‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬ماذا‭ ‬تفعلين‭ ‬أيتها‭ ‬العجوز‮»‬

فردت‭ ‬عليه‭: ‬‮«‬أنا‭ ‬ألقي‭ ‬بذور‭ ‬الورد‭ ‬لأني‭ ‬أنظر‭ ‬من‭ ‬النافذة‭ ‬و‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬موحشة‭ ‬ولدي‭ ‬طموح‭ ‬أن‭ ‬أسافر‭ ‬و‭ ‬أمتع‭ ‬نظري‭ ‬بألوان‭ ‬الزهور‭.‬

ضحك‭ ‬الرجل‭ ‬من‭ ‬كلامها‭ ‬ورد‭ ‬عليها‭ ‬ساخراً‭: ‬لا‭ ‬أظن‭ ‬ذلك‭ ‬فكيف‭ ‬للزهور‭ ‬أن‭ ‬تنمو‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الطريق؟

ردت‭: ‬صحيح‭ .. ‬أعلم‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬منها‭ ‬سيضيع‭ ‬هدرًا‭ ‬و‭ ‬لكن‭ ‬بعضها‭ ‬سيقع‭ ‬على‭ ‬التراب‭ ‬وسيأتي‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬ستزهر‭ ‬فيه‭.‬

قال‭ ‬الرجل‭: ‬لكنها‭ ‬تحتاج‭ ‬للماء‭.‬

فقالت‭ ‬السيدة‭: ‬أنا‭ ‬أعمل‭ ‬ما‭ ‬عليّ‭ ‬وهناك‭ ‬رب‭ ‬السماء‭ ‬الذي‭ ‬سيرسل‭ ‬المطر‭ ‬وسيتكفل‭ ‬بها‭.‬

نزل‭ ‬الرجل‭ ‬من‭ ‬القطار‭ ‬وهو‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬العجوز‭ ‬أصابها‭ ‬الخرف‭.‬

‭ ‬ومرت‭ ‬الأيام‭ ‬متلاحقة‭ ‬وركب‭ ‬الرجل‭ ‬القطار‭ ‬وبينما‭ ‬هو‭ ‬جالس‭ ‬والقطار‭ ‬يسير‭ ‬إذ‭ ‬به‭ ‬يلمح‭ ‬زهورًا‭ ‬قد‭ ‬نمت‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الطريق‭ ‬وتغير‭ ‬المنظر‭ ‬وتعددت‭ ‬الألوان‭ ‬فقام‭ ‬من‭ ‬مكانه‭ ‬ليرى‭ ‬السيدة‭ ‬العجوز‭ ‬فلم‭ ‬يجدها‭.‬

فسأل‭ ‬الكمساري‭ ‬عنها‭.. ‬فقال‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬العجوز‭ ‬توفيت‭ ‬منذ‭ ‬شهور‭.‬

تحسر‭ ‬الرجل‭ ‬على‭ ‬موت‭ ‬العجوز‭ ‬وقال‭ ‬في‭ ‬نفسه‭: ‬‮«‬الزهور‭ ‬نمت‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬الفائدة‭ ‬الآن‭ ‬والسيدة‭ ‬العجوز‭ ‬ماتت‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تراها”

وفي‭ ‬نفس‭ ‬اللحظة‭ ‬وفي‭ ‬المقعد‭ ‬المقابل‭ ‬سمع‭ ‬الرجل‭ ‬فتاة‭ ‬صغيرة‭ ‬تخاطب‭ ‬أبيها‭ ‬وينتابها‭ ‬شلال‭ ‬من‭ ‬السعادة‭ ‬قائلة‭: ‬‮«‬أنظر‭ ‬يا‭ ‬أبي‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المنظر‭ ‬الجميل‭.. ‬إنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الزهور‭.. ‬إنها‭ ‬جميلة‭ ‬جداً”

فأدرك‭ ‬الرجل‭ ‬معنى‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬السيدة‭ ‬العجوز‭.. ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تمتع‭ ‬نفسها‭ ‬بمنظر‭ ‬الزهور‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬منحت‭ ‬هدية‭ ‬جميلة‭ ‬للناس‭ .. ‬فعلت‭ ‬الخير‭ ‬ولم‭ ‬تنتظر‭ ‬أن‭ ‬تحصد‭ ‬المقابل‭ ‬من‭ ‬احد”‭.‬

نصيحة‭: ‬ألق‭ ‬بذور‭ ‬وردك‭.. ‬لا‭ ‬يهم‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تتمتع‭ ‬أنت‭ ‬برؤية‭ ‬الزهور‭ ‬،‭ ‬ولكن‭ ‬سيتمتع‭ ‬بها‭ ‬غيرك‭ ‬وتكون‭ ‬أنت‭ ‬سببًا‭ ‬في‭ ‬سعادته‭.. ‬وتكون‭ ‬ناشراً‭ ‬للحب‭ ‬والسلام‭.‬

لا‭ ‬تلتفت‭ ‬للمحبطين‭ ‬ولا‭ ‬الحاسدين‭ ‬ولا‭ ‬الحاقدين‭ ‬ولا‭ ‬تنتظر‭ ‬الشكر‭ ‬والعرفان‭..‬

قدم‭ ‬ما‭ ‬استطعت‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬الجميل‭.‬

يعني‭ ‬ببساطة‭ .. ‬إعمل‭ ‬الخير‭ ‬وارميه‭ ‬في‭ ‬البحر‭.. ‬وسيعود‭ ‬لك‭ ‬في‭ ‬عشرات‭ ‬الصور‭ .. ‬صحة‭ ‬وستر‭ ‬وسعادة‭ ‬وسحابة‭ ‬تظلك‭ ‬يوم‭ ‬لا‭ ‬ظل‭ ‬إلا‭ ‬لرب‭ ‬العباد‭ ‬ثم‭ ‬الأعمال‭ ‬الصالحة‭ ‬التي‭ ‬تظلل‭ ‬صاحبها‭.‬

;