..كثير منا يفعل الخير ولكن معظمنا يحب أن يرى نتيجة سريعة لعمله، إما ان تكون هذه النتيجة في صورة دعوات بالخير تتلقاها مسامعه، أو نظرات امتنان في عيون الناس، أو سيرة محمودة تتناقلها الألسن.
ولكن هناك نوعية من البشر ارتقت فوق أي مشاعر دنيوية واختارت أن تفعل الخير دون انتظار أي مقابل ، يكفيها فقط الشعور بالرضا عن النفس.
أذكر جارا لي اعتاد يوميا إطعام جميع الكلاب والقطط في الشارع رغم أحواله المادية الصعبة التي يعرفها جميع السكان الذين كانوا يستغربون تصرفاته ويردد بعضهم بسخرية « هو قادر يأكل عياله لما يأكل الكلاب والقطط في الشارع ؟!»
وكلما سأله أحدهم كان يجيب بابتسامة هادئة «ربنا اللي بيرزق».
منتهى الثقة والايمان بأنه سيكافأ على عمله من رب العباد وليس من البشر الذين تعجز عقولهم المحدودة عن استيعاب فكرة وجود قلوب يسكنها حب الخير بلا مقابل.
وهناك قصة أخرى عن سيدة عجوز كانت تركب القطار يوميا ولا تغادره إلا في آخر محطة ، وأثناء ركوبها في القطار كانت تجلس أمام نافذة تفتحها بين لحظة وأخرى وتخرج كيسا من حقيبتها وترمي أشياء من الكيس إلى الخارج ، ويتكرر هذا المشهد كل يوم.
وفي أحد الايام سألها أحد الركاب قائلا: «ماذا تفعلين أيتها العجوز»
فردت عليه: «أنا ألقي بذور الورد لأني أنظر من النافذة و أرى أن الطريق موحشة ولدي طموح أن أسافر و أمتع نظري بألوان الزهور.
ضحك الرجل من كلامها ورد عليها ساخراً: لا أظن ذلك فكيف للزهور أن تنمو على حافة الطريق؟
ردت: صحيح .. أعلم أن الكثير منها سيضيع هدرًا و لكن بعضها سيقع على التراب وسيأتي اليوم الذي ستزهر فيه.
قال الرجل: لكنها تحتاج للماء.
فقالت السيدة: أنا أعمل ما عليّ وهناك رب السماء الذي سيرسل المطر وسيتكفل بها.
نزل الرجل من القطار وهو يعتقد أن العجوز أصابها الخرف.
ومرت الأيام متلاحقة وركب الرجل القطار وبينما هو جالس والقطار يسير إذ به يلمح زهورًا قد نمت على حافة الطريق وتغير المنظر وتعددت الألوان فقام من مكانه ليرى السيدة العجوز فلم يجدها.
فسأل الكمساري عنها.. فقال له أن تلك العجوز توفيت منذ شهور.
تحسر الرجل على موت العجوز وقال في نفسه: «الزهور نمت ولكن ما الفائدة الآن والسيدة العجوز ماتت قبل أن تراها”
وفي نفس اللحظة وفي المقعد المقابل سمع الرجل فتاة صغيرة تخاطب أبيها وينتابها شلال من السعادة قائلة: «أنظر يا أبي إلى هذا المنظر الجميل.. إنظر إلى هذه الزهور.. إنها جميلة جداً”
فأدرك الرجل معنى العمل الذي قامت به السيدة العجوز.. حتى وإن لم تمتع نفسها بمنظر الزهور إلا أنها منحت هدية جميلة للناس .. فعلت الخير ولم تنتظر أن تحصد المقابل من احد”.
نصيحة: ألق بذور وردك.. لا يهم لو لم تتمتع أنت برؤية الزهور ، ولكن سيتمتع بها غيرك وتكون أنت سببًا في سعادته.. وتكون ناشراً للحب والسلام.
لا تلتفت للمحبطين ولا الحاسدين ولا الحاقدين ولا تنتظر الشكر والعرفان..
قدم ما استطعت من العمل الجميل.
يعني ببساطة .. إعمل الخير وارميه في البحر.. وسيعود لك في عشرات الصور .. صحة وستر وسعادة وسحابة تظلك يوم لا ظل إلا لرب العباد ثم الأعمال الصالحة التي تظلل صاحبها.
حتى الأحلام تتغير
تجار الدين والحرب.. رؤساء وملالي
محمد هاشم يكتب: الأمن الرقمي







