"من تراث المجمعين".. "الدكتور حسن علي إبراهيم" إصدار جديد لمجمع الخالدين

أ.د. حافظ شمس الدين
أ.د. حافظ شمس الدين


أصدر مجمع اللغة العربية ضمن سلسلة "من تراث المجمعيين" الكتاب الأول فيها، وهو بعنوان "الدكتور حسن علي إبراهيم". هذا العمل الذي قام على إعداده وتصنيفه وترتيبه فريق عمل دءوب برئاسة أ.د.حافظ شمس الدين عبدالوهاب، وأ.د.أحمد زكريا الشلق (عضوي المجمع)، والأساتذة كبيري محرري المجمع: خالد مصطفى، وجمال عبد الحي، وحسين خاطر، وإلهام رمضان علي.

جدير بالذكر أن هذا العمل العلمي الرفيع القدر قد استغرق العمل فيه عدة سنوات، وأن أ.د.صلاح فضل (رئيس المجمع السابق) قد صدَّر لهذا السِّفْر الكبير قبيل وفاته. وقد جاء في تصديره  : "منذ صدور المرسوم الملكي بإنشاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة في الثالث عشر من ديسمبر عام 1932م، وعبر هذا التاريخ الممتد ظفر بعضوية هذا المجمع لفيف من العلماء والمفكرين والكتاب الرواد، واللغويين النابهين، وعدد من المستشرقين ممن لهم سهمة جلية في تحقيق التراث العربي ودراسته.

وقد حرص هؤلاء العلماء منذ انتخابهم أعضاء بالمجمع على تقديم عصارة فكرهم، وخلاصة تجاربهم العلمية والحياتية، فجاءت بحوثهم المجمعيّة دالة على أصالتهم وجدتهم وعمق معارفهم وتنوع منابع ثقافتهم، ورغبتهم الصادقة في خدمة اللغة العربية والارتقاء بها. ودلّت كلماتهم في المناسبات المجمعية الرسمية كحفلات استقبال الأعضاء الجدد أو تأبين من لقي منهم ربّه على ذائقة لغويّة مترعة بوضاءة التعبير وجمال الأسلوب وعمق التناول.

 وقد تشكلت فرق العمل لجمع هذا التراث يقودها أستاذان جليلان من أعضاء المجمع هما الأستاذ الدكتور حافظ شمس الدين عبد الوهاب، والأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشلق، وقد بذلا جهدًا كبيرًا في تتبع الإسهامات المجمعية لكل عضو على حدة بداية من الكلمة التي قيلت في حفل استقباله، مرورًا بما خلَّفه في سنوات عضويته من أبحاث علمية ومحاضرات، وما أبداه من آراء علمية ولغوية في جلسات مجلس المجمع، وما جادت به قريحته من آيات أدبية شعرًا ونثرًا، ونحو ذلك من الأنشطة المجمعية.

وكانت باكورة هذه السلسلة – تراث الدكتور حسن علي إبراهيم (1914-2002م) طيب الله ثراه  

ومن جانبه قال أ.د.حافظ شمس الدين عبدالوهاب (عضو المجمع) في دراسته وتقديمه لهذا العمل العلمي الكبير: "في شهر نوفمبر سنة ٢٠٢٠م، صدر قرار وزاري بتكليف الأستاذ الدكتور صلاح فضل قائمًا بعمل رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وبقى في هذا المنصب حتى وافاه الأجل المحتوم في العاشر من ديسمبر سنة ٢٠٢٢م. وبالرغم من المدة القصيرة التي قضاها في منصبه، إلا أنها شهدت إنجازات ورؤى جديدة، لم تلتزم خطًّا واحدًا لتوجهاتها، بل كانت متنوعة الأفكار، تطور نفسها دومًا، وكانت تولي وجهها للتجديد والإنجاز، وتعلن في مغزاها أن مجمع اللغة العربية بالقاهرة ليس هو الواحة الظليلة الوارفة التي يفيء إليها عضو المجمع ليستريح من هجير الشيخوخة ولفح سنوات العمر، كما يزعم بعض المتحاملين على المجمع وأعضائه، لكنه المجرى الذي تُصبُّ فيه العصارة العلمية والمعرفية واللغوية لهؤلاء العلماء الذين أمضوا سنوات عمرهم، يبذلون من نور عيونهم وقرائحهم الوقادة ما ينير سُبُلَ العلم واللغة والمعارف كافة، وبالفعل قدم علماء مجمع اللغة العربية بالقاهرة دراسات جادة في مجالات اللغة العربية والعلوم الأساسية والتطبيقية وشتى مناحى العلم والمعرفة، متمثلا فيما أفرزته جهودهم من معاجم وكتب في تحقيق التراث وغيرها، وكلها مثلت كنزًا ثمينًا ينهل منه الدارسون وأهل العلم والدرس والبحث، وكل من يؤرقه الشوق إلى العلم والمعرفة بلغة عربية سليمة ميسرة، وأسلوب عذب مستساغ.

المسيرة العلمية والسيرة الحياتية للأستاذ الدكتور حسن علي إبراهيم،  وُلِدَ في مدينة القاهرة في عام ١٩١٤م، والتحق بمدرسة المنيرة الابتدائية وحصل منها على الشهادة الابتدائية في عام 1926م، والتحق بالمدرسة الخديوية الثانوية، وحصل منها على شهادة الدراسة الثانوية (البكالوريا) في سنة ١٩٣١م، ثم التحق بكلية طب قصر العيني وتخرج فيها سنة ١٩٣٧م، وكان ترتيبه الأول بين الخريجين، وعُيِّن طبيب امتياز سنة ۱۹۳۸م، فطبيبًا مقيمًا بقصر العيني سنة ١٩٣٩م، ثم نال درجة الماجستير في الجراحة العامة (وهى التي تعادل درجة الدكتوراه الآن) سنة 1941م، ثم سافر في بعثة لإنجلترا حيث واصل دراسته وبحوثه وحصل على شهادة زمالة كلية الجراحين الملكية في نوفمبر سنة ١٩٤٦م. عاد بعدها إلى مصر، حيث عُيِّن مدرسًا للجراحة ثم أستاذًا مساعدًا في سنة ١٩٥٢م، ثم أستاذًا للجراحة التجريبية في سنة ١٩٦٢م، ورئيسًا لقسم الجراحة سنة ١٩٧١م، وعميدًا لكلية الطب في جامعة القاهرة في سنة 1971م حتى سنة 1974م، ثم أستاذًا غير متفرغ حتى وفاته عام 2002م.

وكان للدكتور حسن علي إبراهيم نشاط غزير ومتنوع في ميدان تخصصه، فقد أسهم عمليًّا في تطوير الجراحة في قصر العيني، وأنشأ فيه أقسامًا جديدة مثل الجراحة التجريبية، ثم أشرف على إنشاء قسم الجراحة بكلية الطب في جامعة أسيوط وكلية الطب في جامعة المنصورة، وأشرف على نحو عشر رسائل دكتوراه في الجراحة. ونشر نحو خمسة وخمسين بحثًا في مجال تخصصه، وحصل على جوائز ونياشين مصرية ودولية تقديرًا لعلمه وكفاءته وإنجازاته.

في عام ١٩٧٨م، انتُخِب الدكتور حسن علي إبراهيم عضوًا عاملًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة في المكان الذي خلا بوفاة العالم الأشهر الدكتور أحمد زكي الملقب بسلطان العلم والأدب واللغة، ومن المصادفات الطبية أن الدكتور حسن علي إبراهيم كان أول طبيب مصري يُنتَخب عضوًا عاملًا بالمجمع خلفًا لوالده الأستاذ الدكتور علي باشا إبراهيم (١٨٨٠ – ١٩٤٧م) الذي سبقه إلى عضوية المجمع عضوًا عاملًا سنة ١٩٤٠م، بالمرسوم الملكي الذي صدر بتعيين عشرة مصريين أعضاءً عاملين في مجمع اللغة العربية، ولم تحدث هذه الظاهرة؛ تعيين عضو ثم ابنه بعد ذلك إلا مرة واحدة سنة ٢٠٠٣م، حين انتُخِب الدكتور أحمد علي الجارم عضوًا عاملًا، وكان والده الشاعر الكبير علي الجارم (1881-1949) قد سبقه إلى العضوية في سنة ١٩٤٠م بمرسوم ملكي أيضا.

وقد شغف الدكتور حسن علي إبراهيم باللغة العربية والأدب العربي والشعر العمودي مذ ميعة صباه الباكر، ونظم بعض القصائد فى مرحلة الشباب حتى عام ١٩٤١م، لكنه هجر القريض وتركه لانشغاله بعمله أستاذًا للجراحة ومعلمًا وإداريًّا، ثم حدثت المفاجأة حين قام بحج البيت الحرام في مشيبه، ثم زار المدينة المنورة ووقف خاشعًا أمام قبر الرسول عليه أفضل الصلوات والتسليمات، فهزته هذه الزيارة بشدة، وأيقظت في داخله بركان الشعر الذى کان هاجعًا، ينتظر اللحظة المناسبة لينبثق فوارًا فياضًا على الكِبَر، فبدأ يكتب قصيدة "محمد رسول الله".