كمال الرياحى
انطلقت فكرة الكتاب من مساءلة مقولة شهيرة لعلها عرفت مع الناقد المصرى جابر عصفور فى عنوان كتابه «زمن الرواية» ووضعها فى مواجهة مع فرضية أخرى هى فرضية «موت الرواية» أو وضعها الخطر.
وأحاول أن آتى للموضوع من تيمة الموت نفسها لأن تيمة الموت تنضوى تحت ما اصطُلح على تسميته، عند الفلاسفة والنقاد وعلماء الاجتماع والنفس، بالمسكوت عنه، لذلك يبقى الحديث عن الموت مكروها ومستبعدا.
مع ذلك فإنّه يحدث طوال الوقت ونعيشه كواقعة ثابتة ومستمرة، فهو من الظواهر التى لا تنقطع أبدا، حتى إن التفكير فى انقطاعه صار بدوره كابوسا وديستوبيا كالتى صورتها بعض الأفلام ورواية البرتغالى جوزيه ساراماجو «انقطاعات الموت».
إننا نتحدث طوال الوقت عن الموت دون أن نقوله. فقط نذكره ولا نطيل فيه التأمّل بعيدا عن التصورات الدينية والماورائيات وقصة البعث والعقاب والثواب.
أدبيا طال التلويح به فى الكتابة نفسها، فتحدث رولان بارت عن «موت المؤلف»، وتحدث رونان ماكدونالد عن «موت الناقد»، وتحدث الفرنسى إريك مارتى عن «موت القارئ» فى محاضرته الشهيرة بذات العنوان بدأ التمهيد لها منذ كتابه «رولان بارت، الأدب والحق فى الموت».
ارتبطت تلك الميتات دائما بفكرة الاستبدال؛ الاختفاء لصالح ظهور بدائل فكان النص وريث المؤلِّف وكان مُراجع الكتب وريث الناقد وكان المتابع وريث القارئ. ولم تسلم الأجناس الأدبية من خطابات التأبين، ولا أحد ينكر أن عددا من الأجناس والأنواع قد اختفى، فاختفت الملاحم واضمحل تقريبا فن المقامة والنادرة والخبر لتظهر اليوم أنواع أدبية جديدة كالقصة القصيرة جدا وأدب التغريدة أو أدب تويتر والمتتالية السردية، كما استعادت بعض الأنواع الكتابية الأخرى ألقها وانتزعت أدبيتها كفن اليوميات.
لقد جعلت جدلية الحياة والموت التى تطرق أبواب الكتابة هى بعض الأنواع تعيش مخاطر كثيرة تهدد وجودها الحي، فالرواية التى أجهز عليها الإسبانى ميغال سيرفانتس فى نسخة أدب الفروسية ليفتتح عصر الحداثة الروائية عبر روايته «دون كيخوته» صارت اليوم بدورها مهددة.
ولئن فندت الرواية مرات التنبؤات بموتها وظلت حية فإن المتأمل فى واقع تلك الرواية اليوم سيكتشف أن تلك الحياة صارت رثّة مما يذكّر بخطابات التأبين التى اجترحت فى «إرث سيرفانتس» الطويل.
ينتصر فى البداية الكتاب فى قسمه الأول للأطروحة: فرضية الموت مدللا على وضعيتها الحرجة من الاستسهال إلى انعدام الأصالة فى النصوص إلى تراجع حركة التجريب والمراهنة على الفنى حتى السقوط فى السطحية والمباشرتية والتموقعات الخاطئة للروائى ليكون الفصل الأول دق ناقوس خطر لهذا الفن المهيمن منذ سنين ولكنه يعيش حسب حالة من المرض نتيجة الترهّل والتسطيح والتسرّع وتزايد دور النشر الطفيلية التى تروج للرديء منه.
ثم يتوغل الكتاب فى عالم الكتابة الروائية عبر نصوص إجرائية عربية ويقلب مواضيع فنية معقدة متعلقة باللغة الروائية وخصوصيتها والميتاسرد والتداخل الأجناسى والسيرذاتى وفن التكرار وواقع الشخصيات المفاهيمية وتراجع انتاجها وأزمة الرواية البوليسية العربية وأسباب ضمورها وغيابها.
ثم يتقدم تدريجيا نحو أسئلة المعنى وقضايا الرواية العربية من خلال ملامسة ما سميته بالرواية العربية والفساد السياسى كالعنف والديكتاتورية، ثم أخصص فصلا كاملا عن ضروب تسريد القضية الفلسطينية فى الرواية العربية من خلال مقاربات لروايات لكتاب من فلسطين ومن المنفى ومن العالم العربى والذين رأيت أنهم يتناولون القضية الفلسطينية بطريقة جديدة تقطع مع السردية القديمة ويؤسسون لوعى جديد بالقضية ويرتقون بالرواية فنيا.
وبحكم تواجدى فى كندا منذ 2021 ومتابعتى للمشهد الروائى العربى فى كندا والرواية الكندية عادة، خصصت قسما مهما من الكتاب للرواية العربية فى كندا عبر تقديم عدد من الروايات العربية التى خطها كتاب عرب يقيمون فى كندا من مصر والعراق وتونس وأنزل هذه التجربة فى بعدها العام الأكبر أدب المنفى وواقع الكتابة الروائية العربية فى أمريكا الشمالية.
بما أننى من الذين يؤمنون أن الأدب لا يمكن أن يعيش وحده فى جزر بعيدة بل هو يتطور بتماسه مع جزر أخرى عائمة تقترب منه ويقترب منها وهى جزر الفنون الأخرى فقد خصصت قسما من الكتاب لتناول العلاقة بين السينما وكتابة السيناريو وصلة كل منهما بفن الرواية وضروب التفاعل بين الفنين. ليقلب الكتاب الأطروحة إلى نقيضها مؤكدا استمرار الرواية فى الحياة.
ولئن خرج الكتاب بشهادة حياة للرواية، وإن كانت صعبة وخطرة فإنه انتهى بطرق جرس خطر آخر وهو موت الناقد ومآزق مراجعى الكتب فى العالم العربى الذين استولوا على هوية النقاد قبل أن يتحولوا هم أنفسهم إلى أٌقلية بعد أن غزاهم صناع المحتوى الذين سرقوا منهم بُردة الناقد التى استولوا عليها.
كتاب الرواية تموت أم تترنح؟ الذى نشر فى طبعتين واحدة عربية بدار النهضة العربية بيروت وطبعة تونسية بدار الكتاب كتاب نقدى يطوف بالقارئ فى عوالم روائية مختلفة من الثورات إلى العالم المنافى والانتكاسات والحروب والهويات العابرة والدياسبورا العربية هنا وهناك، يشده خيط واحد ناظم: ملاحقة الفكرة ومساءلة المعنى واستشراف مستقبل هذا الفن الذى يظل، كما يفشل انتظارات من تنبأ بموته لينتفض كل مرة من رماده.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







