يوميات الأخبار

المتحدة.. دون إفراط أو تفريط

محمد درويش
محمد درويش


يقدم نموذجًا لما يجب أن تكون عليه البرامج الحوارية التى لا يبغى مقدمها وضيوفه غير وجه الله ومصلحة الوطن

«حالة من السيولة»

كما وصفها الصديق محمد صلاح الزهار فى عموده الأسبوعى على صفحة الرأى يوم الأربعاء الماضى، كان يرصد الحالة المصرية قبل ٢٥ يناير ٢٠١١، ولسنا فى حالة لاجترار ما مر على مصر والمصريين من أحداث وكانت سببًا فى محاولة علاج هذه السيولة وألا تتكرر مرة أخرى، وهو شيء أتفق معه تمامًا، خاصة بعد الدخول إلى نفق مظلم انتهى بثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣.

قد يكون صدمة ما حدث فى يناير من استغلال جماعات ما لنقاء شباب خرج يبحث عن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية - وطبعًا نستثنى من هؤلاء من كان موجهًا ويعمل لصالح أجندات خارجية- قد يكون سببًا فى انحسار الرأى الآخر وهو أمر طبيعى تطبيقًا لقاعدة «العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة».

ومع ترسيخ مبادئ الجمهورية الجديدة ووضع هيكلها التنظيمى فى وقت واحد لازم مواجهة الإرهاب والمؤامرات من الداخل والخارج، عاد الأمن والأمان إلى المصريين الذين تحمل معظمهم مع أبناء الشعب من أفراد الشرطة والجيش أعباء فاتورة الإصلاح ومقاومة المتربصين داخلياً وخارجياً، حان الوقت أن يمتد الأفق على اتساعه والعودة رويدًا رويدًا للوقوف تحت مظلة الوطن التى تتسع للجميع طالما كان دافع من يستظل بها مصر الأمة والوطن.

كانت المبادرة من الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التى تترك بصماتها يومًا بعد يوم، سواء فى مجال الدراما أو الإعلام عندما بدأت من حيث انتهى الآخرون بفضائية القاهرة وأعقبتها القاهرة الوثائقية ليعود المشاهد المصرى إلى تليفزيون بلاده بعد أن وجد فيه ما يغنيه عن التنقل بين فضائيات إقليمية أو دولية.

«كلام فى السياسة»

هو اسم البرنامج الذى انتجته مؤخراً الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، موعده الاثنين والخميس من كل أسبوع السابعة مساء، يقدمه المتألق مهنيًا الكاتب الصحفى أحمد الطاهرى، كما يحب أن يصف نفسه ـ رغم أنى أراه قد جمع بين الحسنيين فهو كاتب صحفى مرموق يمتلك ناصية الفكر والقلم وهو أيضا مذيع له إطلالته التى تأسرك من الوهلة الأولى ويستحق أن نصفه بصاحب الطلة أو «الكاريزما».

شدّتنى إليه حلقات مناقشة قانون الإجراءات الجنائية والحبس الاحتياطى، فى تقديمه للحلقة لم ينس الطاهرى أن ينسب الفضل لأهله وهم القائمون على إدارة الشركة المتحدة، فهو من ذوى الفضل الذين يعزون الفضل لأصحابه، أكد أنهم منحوه الضوء الأخضر.. لا مونتاج أو تقطيع أو حجب صوت خلال المناقشات التى ضمت أطيافًا متنوعة وبعضها على النقيض من الآخر، وقف الطاهرى محايدًا وهو يؤدى دور المذيع رغم أن بإمكانه وهو الصحفى المتميز أن يتدخل ويوجه الدفة كما يريد ولكنه استطاع بمهارة أن يفصل تمامًا بين دور المذيع ودور الصحفى.

«الأرضية الوطنية» هى العامل المشترك الذى حرص الطاهرى عليه عندما وجه الدعوة إلى عدد من الرموز للمشاركة فى المناقشات مبلغًا إياهم أن الهدف المصلحة العامة وأن يدلى كلٌ بدلوه من أجل الوصول إلى صيغة توافقية بعيدة عن المهاترات أو الجدال الذى لا طائل منه.

أحمد الطاهرى أشاد أيضًا بجمهور المتفاعلين الذين تواصلوا معه عقب كل حلقة سواء كانوا كتابًا أو مشاهدين، كانت لهم آراؤهم التى يحرص أن تجد طريقها إلى النور فى البرنامج.

استطاع بحياده وأسلوبه أن يطرح أسئلته ويستخرج الاجابات من خلال مناقشاته مع ضيوف البرنامج وأن يقدم نموذجًا لما يجب أن تكون عليه البرامج الحوارية التى لا يبغى مقدمها وضيوفه غير وجه الله

تحية إلى الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية وتحية إلى الصحفى المذيع أحمد الطاهرى.. وسؤالى له لو لم تكن مذيعًا حواريًا من يكون المذيع إذن؟!
الاختصار.. أمانة وكفاءة!

من بديهيات القواعد الصحفية التى تعلمناها خلال الدراسة فى كلية الإعلام ومن أول عتبات بلاط صاحبة الجلالة أن كل شيء قابل للاختصار عدا «القرآن الكريم».

وخلال مسيرة عقود ممتدة فى العمل الصحفى كثيرًا ما كنت منوطًا باختصار المادة الصحفية سواء كانت خبرًا أو تحقيقًا صحفيًا أو حتى مقال يوميات، بالطبع فيما يتعلق بالصحافة الورقية، أما الصحافة الإليكترونية فهى قادرة على ابتلاع ما شئت من السطور وإن كان هذا ـ أحيانا ـ على حساب المادة التى تتكرر فيها الأخطاء الأسلوبية وتكرار المراد الوصول به إلى القارئ دون تمحيص أو تشذيب كما يجب أن يكون.. استمرت مشاركتى ـ مرتين أسبوعيا ـ فى سهرتى إعداد الطبعتين الثانية والثالثة وأحيانًا كنا نواصل إلى الطبعة الرابعة وربما الخامسة، استمرت سنواتٍ طوالًا كان مطلوبًا منى مثلًا اختصار جلسة مجلس الشعب الصباحية التى احتلت المساحة المخصصة لها فى الطبعة الأولى، تأتى مساء الجلسة المسائية وعليك أن تعدها لتدخل نفس المساحة التى احتلتها الجلسة الصباحية، كان ضروريًا قراءة الجلستين جيدًا وإجراء اختصار لا يخل بالموضوعات أو جهد الزملاء ويشهد الله أنه لم تحدث شكوى واحدة من محررى القسم السياسى المسئول عن تغطية هذه الجلسات سنواتٍ طوالًا.

وإذا جئنا للخبر فأمامك صفحة الطبعة الأولى بالصفحات التى يجرى عليها عادة «الغيار» وهى الأولى والثالثة والخارجى والحوادث.

أمامك الطبعة الأولى حيث تكون هناك أخبار روتينية أو أقل أهمية، وأحيانًا أخرى تأتى أخبار تضطر معها إلى «هدّ» الصفحة، أى إعادة تصميمها من جديد لإتاحة الفرصة أمام الأخبار الأهم محلية أو خارجية وإن أسعدك الحظ فلك أن تختصر خبرًا يحتل عدة أعمدة من الصفحة إلى عمود واحد بسطور أقل، ليحتل غيره مكانه، المهم أن يجتمع رأى طاقم السهرة مع رأى رئيس التحرير الذى يظل التواصل معه عبر الهاتف طوال ساعات السهرة الممتدة إلى الثالثة صباحًا، وفى الحالات الاضطرارية ربما الخامسة أوالسابعة.

أما عن اليوميات فقد أضطر إلى قراءتها بتمعن شديد فهى لأساتذة كبار وكل حرف محسوب عليه وعلى الجريدة أيضًا، وأفخر بشهادة الراحل محمد فهمى أحد كتاب اليوميات المرموقين وهو يقسم لى أنه ـ الكاتب ـ لم يلحظ أى خلل بعد اختصارى ليومياته واصفًا ما قمت به كأننى الطبيب الذى أمسك بمشرط جراح لم يترك أثرًا بعد الجراحة.

وعن عمنا جمال الغيطانى فقد كنت أهاتفه عندما يزداد مقاله بضعة سطور فى عموده اليومى بالصفحة الأخيرة فيخبرنى أنه فى سيارته بطريقه إلى المنزل ويكلفنى بمهمة الاختصار، كنت أبذل جهدًا كبيرًا فى قراءة المقال عدة مرات حتى أنتقى منه ما يمكن حذفه ولا يحدث خلل، فى اليوم التالى أتوقع اتصالًا منه به لوم أو عتاب.. والحمد لله لم يحدث.

وعن أستاذنا سيد الجبرتى رحمه الله وهو من هو كرائد من رواد فن التحقيق الصحفى، دخل علىّ قاعة قسم التحقيقات صباحًا متسائلًا من كان منكم مسئولًا عن متابعة الصفحة أمس؟، أوجست فى نفسى خيفة ورددت أنا «يا ريس» فوجئت به يحتضننى ويقول برافو عليك الاختصار رائع وممتاز.

وتتواصل المسيرة إذا أذن الله وتتواصل رحلة الاختصارات والتمحيص والتدقيق فى صفحات الرأى واليوميات لأخرج بعد هذا العمر بقاعدة أرسيتها فى أعماقى بأن الاختصار أمانة وكفاءة، إذا توافر شرط الأمانة فقط ممكن أن يتسبب صاحبه فى كارثة دون قصد وإن توافر شرط الكفاءة فقط وضاعت الأمانة ممكن أن يتسبب صاحبه فى كارثة أيضًا ولكن هذه المرة عن قصد!!