«أنفاس رحمة» قصة قصيرة للكاتب فاضل عباس

الكاتب فاضل عباس
الكاتب فاضل عباس


 

  تنتصب رحمة وسط الحوش عود خيزران ممشوق، فاكهة ناضجة، ّجسد ندي، تتحسس جسدها المكتنز تمتد يدها لأثدائها لازلنَّ مشدوداتٍ تعلوهنّ مناراتهن، تستطلع قارات جسدها، تكتشفهن لأول مرة تلامس شفاهها ينقبض قلبها هرعت لمرآة الحائط، أعادتْ حركة أناملها، أوقدت نار بركان خامد، حاورت داخلها ألم أزل أنثى شهية يطلبها الرجال.

دلفت للحمام ملأت الطَشْت ماءً خلعتْ ثوباً جافاً متيبسا من العرق وملحِ جسدها. تعيد النظر لتفاصيل التضاريس الجسدية، يشتد إعجابها بما تملك من أنوثة وجمالٍ، مُدَثرٌ بالإهمال والعجز والانكسار النفسي وطغيان البؤس داخلها.

تزفر تتأوه، كمن ينفخ في نار خامدة ليوقدها. تسكب على جسدها الماء، تسمع صوت خمود حسيس النار في جسد ملتهب لا تبرده كل ثلوج القطب المنجمد. تمر بقطعة الصابون على صدرها تنزلق من يدها متمردة، نزَّت أقطابه المغناطيسية. تُشبع شعرها رغوة الصابون. في الغرفة تستبدل شرشف السرير والمخاد، توقد أعواد البخور في كل ركن من الغرفة تفتح صرر الملابس تخرج ثوب النوم لليلة زفافها كورقة معصورة، يبدو قصيراً وضيقاً ألا أنه يبرز أفخاذاً تشع بالسمرة الفاتحة، المُشَرَّبةُ بحمرة، تعكس ضوء الغرفة الخافت على مراياه.

تترك شعرها ثائراً لأول مرة يلامس أكتافها العارية. تقف سارحة يأخذها التفكير بعيداً عند صابر، طائرٌ فتحتْ له باب القفص. منذ عشرين عاماً لا تعرف لأي عش يطير على أي غصن يقف. الدقائق تمر بثقل السنين. 

تسمع دورة المفتاح في الباب الخارجي تهرع إلى مخدعها تدلف تحت اللحاف. يلج صابر للداخل وضوع رائحة البخور والصابون يملأ منخريه، يجفل للمفاجأة يلتفت يميناً وشمالاً يبحث عن مصدرها. يتقدم وجلاً، كأنه يستطلع المكان أول مرة أو خائفاً من حدث ما. يفتح باب الغرفة يشتد شذا العطر، يخلع ملابسه قطعة بعد الأخرى كما اعتاد النوم بسرواله ولوحده في الغرفة. يرفع الغطاء تفوحُ الرائحة تحته، بجانبه جسد يرقد يلمسه بحذر. اللحم الطري من أكتاف، وزنود رحمة.  أنامله ترتد! كمصدوم يُعدلُ جلسته، يلعنْ رحمة ويسب. تَعتدلُ هي الأخرى وتضحك بمكرٍ تبدأه؛ (لي طلب واحد قبل أي شي)

قال: أطلبي ما شئت فكل طلباتك الليلة مجابة.

قالت: أريد أن أسافر إلى أهلي صباحاً.

أبحرت سفنهم، رفعت أشرعتها في أمواج بحر ثائرٍ أمتزج لهاثهم وأنفاسهم مع رائحة الأجساد. كنست رحمة بتأوهاتها وشوقها كل هموم السنين، مجنونة تحتضر بين ذراعيه، استفزت رجولته وأيقظ أنوثتها المعطلة من سنين. أوقدت كل خلية منه لتثور براكين نشوة، وشبق، يخمد الحب نيرانها، يخور صابر كثور هائج تُسَكنُ رحمة خواره.

 يهاجمها ضوء النهار من ثقوب الستارة تفيق رحمة بلهاثها منتشيه من حلمها تسند جسدها إلى ظهر السرير تستطلع الغرفة من حولها تشد ثوبها الجاف كعود شجرة ينكمش قلبها مثل خدودها كقشرة برتقال، تتحسس جانب سريرها ألا من أنفاسها ونوبة سعال تهاجمها.