«لأنه أخي..» قصة للكاتب عادل عطية

الكاتب عادل عطية
الكاتب عادل عطية


 

[همس في الصباح]

 

   في حي المعمورة، في مدينة الإسكندرية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، كانت قصتي!

   لن أكتب تاريخاً من: يوم، وشهر، وسنة.. حتى لا أجعل قصتي هذه، جزءاً من الماضي، بل في الحاضر دائماً.. فهناك حكايات بشرية، مع انها مرتبطة بالزمن، غير أنها لا تخضع لتوقيتاته، وتظل كامنة حيّة، ربما لاجترارها، وتكرارها!

   كان مساء، وكان صباح، اليوم الأول مع بداية الوعي بذاتي، وبالآخرين.

   تناهى إلى سمعي، في ذلك اليوم، همس أمي في اذن أبي، بكلمات لم أستطع، في حينها، أن أتبيّن حروفها البيضاء من حروفها السوداء، ولكن اهتياج أبي المفعم بالفرح، جعلني اتنبيء بأن خبراً سعيداً قد زفّته أمي إليه!

   لم تمر الكثير من الأيام؛ حتى عرفت بأن هناك أخ لي، سوف ينضم إلى عائلتنا الصغيرة، عند اكتمال وجوده في أحشائها تسعة أشهر!

   لم أفهم، لماذا لم يخبراني، أبي وأمي، بهذا الخبر؟!..

   ومع ذلك، وربما، كنت الأكثر ترقباً لمجيئه بكل الشوق والحنين، أكثر منهما!

   كان الانتظار حلماً ولا أبهى، من الأحلام الجميلة.. وعند ولادته، شعرت بروعة أن يكون لي أخاً.. ولما لا، وهو الذي سيملأ فراغ وحدتي بحضوره المفعم بدفقات الحياة!

 

 

[أشواك ما بعد الولادة]

 

    لم يمضي أسبوعاً واحداً، على طلته الجميلة والبريئة، حتى شعرت ببوادر، مقلقة، من التبدل والتغيير في مشاعر أمي من جهتي! 

   باديء ذي بدء، طمئنت نفسي، وقلت: "ان أخي الصغير أكثر مني احتياجاً إلى اهتمامها، ورعايتها"!

   غير أن صوت الطبيب، كان ما يزال يتردد في مسامعي، وهو يهنئها بالمولود الجديد، وينصحها، قائلاً: "لا تنسي أنك زوجة قبل أن تكوني أماً"!

   وكم وددت لو تكتمل نصيحته، ويضيف: "كما أن الابن الصغير، لا يجب أن يحرم الأكبر منه من عاطفتك المتأججة"!

   ولكن البعض، يعتبر أن النصيحة، ما هي إلا أوامر يجب رفضها!

   وفي أحيان كثيرة، كنت أعزو هذه الأحاسيس الشائكة، إلى ما يسمى بالغيرة من أخي، وأطلب من الله المغفرة والمسامحة على هذه التكهنات الشيطانية!

      ولكن، وكلما كان أخي الصغير ينمو في القامة، كلما أحسست بالأكثر، بكل ما يتعارض مع مشاعر الأمومة!

      حيث أظهرت تفريقاً واضحاً بيني وبين أخي الصغير، وتمييزاً فاضحاً، في كل شيء: في المأكل، والملبس، ومصروف اليد. ولم تعد تسهر عليّ، كما تسهر الأم على طفلها، وكأنها تقصد أن تُفقد الحياة معناها وبهجتها في عيني، وقلبي!

   المفزع حقاً، مع حدث بعد ذلك من مرحلة التمييز إلى مرحلة ما يشبه الاضطهاد غير المبرر، وإلى المحاربة بكل الأسلحة الخسيسة، وكأنني من المنبوذين على الأرض، الذين يشعرونك بالاشمئزاز، ويجب أن تلفظهم!

   فكانت، مرّة، تتهمني بأنني اختلس ألواح الشوكولاتة، خاصة أخي!

   ومرة أخرى، بأنني أضيّع النقود وأنا في طريقي لشراء كيلو من الملح، أو السكر!

   ومرة ثالثة، بأنني أضرب أخي، وأحاول قتله!

   ولم تكتفِ، بذلك، بل ابتكرت حيلة أخرى، وهي تعلم أن أبي كم يحبها، ويسعى إلى رضاها.. حيلة جعلتني أكره دقات ساعة ما بعد الظهيرة، وعودة أبي من عمله!

   ففي هذا التوقيت، وما أن تسمع أمي صوت المفتاح يدور في قفل الباب، وقبل أن يدلف أبي، عائداً من عمله، حتى يرتفع صراخها، فجأة، في وجهي، وهي تقول: "أهكذا تسبّني.. أهكذا تعاملني بكل سوء؟"!...

    وما أن يسمع أبي هذه الكلمات، حتى يقطّب حاجبيه، ويرمقني بنظرة جامدة مخيفة، وكأنها متحجرة في عينيه، فأحس بجسدي يتراخى، وتصطك ركبتاي، ويتسرب إلىّ وهن مرعب، ويلوح على محياي الخوف والذهول، وهو يقترب مني، ويمسك بي، ويضع كل إحباطاته وهمومه على جسدي الغض، لطماً ولكماً، وضرباً بالعصا، بينما تخرج كلماتي من شفتيّ كالفحيح: "مظلوم.. أنا لم أفعل شيئاً رديئاً!".

   وهكذا كانت أمي كل يوم توغل في شرها، بينما ألعق أنا من صديد ظلمها، وتنتهبني أفكار غريبة، يشوبها أسى عميق، وأصرخ في داخلي، متعجباً، ومتسائلاً: "لماذا؟!!!".

   وانطويت حزيناً، كئيباً، تثقل صدري أحزان لا تطاق، وابتدأت المرئيات المروعة تحرق رأسي كجمرات لاهبة، فأحس بذاتي تتداعى أمام هذه الصور المرعبة، بل يمكن القول أنه لم يكن بيني وبين الجنون إلا خطوات!

 

[يوم ليس ككل يوم]

 

   جاء اليوم الذي يكرر ذاته، وجاءت الساعة التي تأتي بتوقيت: الأفك، والصراخ، والألم!

   وكالعادة شعرت بالذعر يطغى على نفسي، لكن هذه المرة، لم يتفاعل أبي مع ادعاءاتها التي تتكرر ولا تتغير، والتي اعتادها، وتآلف معها. كل ما فعله أبي، هو مواجهة ما يحدث بالصمت المطبق، وكأنه لا يرى، ولا يسمع، ولا يتكلم!

   نظرت إليه مرتاباُ، ومندهشاً، وقد ظننت أنه متعب.. وأن وجبتي من الضرب المبرّح، سأتناولها حتماً بعد حين!

   لكن أبي اقترب مني، ووضع يده على كتفي، وقال لي بصوت هادي مفعم بالحنان: "دعنا نتمشى هذا المساء، فانني أريد أن أتحدث معك"!

   في هذه اللحظة الفارقة؛ شعرت بأنه في غمرة قنوطي، كانت يد الرحمة تمتد إلىّ، لتنشلني من وحدة تعاستي!

   بينما أمي تواجه صمت أبي، بصراخ الإدانة، وتقول له: "ماذا حدث.. هل هنت عليك، حتى تسكت على مهانتي؟"..

   ثم هددته، قائلة: "إذا لم تردع ابنك هذا؛ سأترك لك البيت"!

   واستطاع أبي، بعد مكابدة جهد، أن يكظم غيظه، ويحاول أن يُحكم إغلاق فمه، وكأنه لا يريد أن تخرج من فيه، أي لفظ يشي بما في مكنون صدره من أسرار خطيرة!

 

[مفاجآت]

 

      وجاء المساء.. وخرجنا، أنا وأبي، وفي الطريق توالت المفاجآت...

      قال أبي بصوت عميق ينبض بكل ما في نفسه من مشاعر الذكرى: "لقد أخطأت في حقك يا بني، وضربتك ظلماً وبهتاناً، وكانت نظراتك المستغيثة بي، وصرخاتك الموجعة، تحاولان أن تقنعاني، بأنك لم تفعل شيئاً يستوجب العقاب، وأنك: بريء، ومظلوم، وضحية"!

   ازداد أبي التصاقاً بي، وتابع حديثه، قائلاً: "كنت أتساءل: هل من المنطق أن تتكرر الادعاءات ضدك، كلما دلفت إلى البيت؟!.. وقلت في نفسي: هناك سرّ ما لا بد من كشفه، ومعرفته. لذلك غافلت زوجتي، وأحسستها أنني خرجت إلى عملي، بينما كمنت في ركن مخفي عن الأنظار، لأكتشف بنفسي حقيقة ما يدور في بيتي. وعندما أدعيّت أنني عدت من العمل، سمعت صراخها المعتاد، وتكرار نفس ادعاءاتها، مع أنه لم يصدر عنك أي إساءة لها.. فعرفت حقيقة مشاعرها تجاهك، وأن قلبها أصبح متحجراً مثل ادعاءاتها المتحجرة"!

 

   توقف أبي قليلاً، ريثما يلتقط أنفاسه، وتابع حديثه معي، قائلاً: "قد تسألني: ولماذا لم تواجهها بما عرفته؟!.. الحقيقة، يا بني، لم أشأ أن أفضحها، وأن أخرب البيت بيدي، وألا أحرم أخاك الصغير من أمه، كما حُرمت أنت من أمك"!

   "ماذا تقصد بأمي، وأمه؟!"، قلتها وقد تلجلجت الكلمات في حلقي.

   "أقصد ان هذه السيدة التي تعاملك الآن بقسوة ـ مع أنها وعدتني، قبل زواجنا، بأنها ستعاملك كثمرة من أحشائها، ليست أمك".. هكذا أجابني أبي.

   "وماذا عن أمي؟!".. سألته بشغف.

   أخذ أبي نفساً عميقاً، وكأنه يريد أن يستجمع ذكريات مبعثرة، وقال: "كانت أمك تؤمن بأن الذي سيولد منها، هو حياتها.. لذلك أصبحت أنت حياتها، حتى قبل أن تولد. أما هي فأسلمت روحها لخالقها، ورحلت عن عالمنا، ما أن لمس جسدك هواء حجرة التوليد بمصحة الولادة".

     هنا تندت مآقيّ بالعبرات، وأخذ شريط من الماضي يطوف بعينيّ، وتكوّمت فيهما ركام من الآلام، ونظراتي إلى أبي، استغيث به لعله يقتنع ببراءتي دون جدوى.. ووجدتني ازداد التصاقاً بأبي، الذي ربت على ظهري، ثم نظر في عينيّ، وقال بنبرة هادئة: "أتمنى ألا يعرف أي أحد بما بُحت به إليك الآن، ولا حتى زوجتي".

   وعندما اطمئن إلى أنني سأحتفظ بهذا السر، تنهد بعمق، وحدًق إلى ظلال أشجار الطريق المتراقصة، ثم غمغم:

   ـ "مُحيرة هي النفس الإنسانية، فمع أن الإنسان كشخصية منفردة، يحمل لقب الأخ، والخال، والعم، والزوج، ، والأب، والحمي، والجد في آن؛ إلا اننا نراه يتغير بعاطفته تجاه المتلقي بحسب موقع الأخير من اللقب الذي يحمله الأول"!

   وقبل أن نقترب من بيتنا، أكد والدي، أنه لن يسمح مرة أخرى بأي إساءة توجه لي.

 

[حدث في المصيف]

 

   كان الصيف قد أقبل، وقرر أبي أن نسافر جميعاً إلى منتجع "العين السخنة"، على أحد شواطيء البحر الأحمر. وهناك حدثت حادثة غيّرت مجرى حياتي، كما غيّرت من مشاعر زوجة أبي.

   كنا في ذلك اليوم، الأسرة الوحيدة التي تجلس على الشاطيء منفردة عن باقي المصطافين؛ فمن عادة والدي أنه يحب الاستجمام بعيداً عن العيون، وعن الضجيج، كلما سنحت له الفرصة إلى ذلك!

   وبينما نحن هكذا، فوجئنا بشخص ما يميل على والدي، ويطلب منه المساعدة في نقل زوجته إلى المستشفي. لم يتأخر والدي عن نداء الواجب، وتقديم يد المعونة، وذهب معه عن طيب خاطر.

   لم تمضِ دقائق قليلة، وإذا بأربعة أشخاص، قاموا بإحاطتنا من كل جانب، وأشاروا بأصابعهم الى أخي الصغير، وسألوا: هل هذا ابن المهندس "بهجت؟".. وقبل أن تنطق أمه، أسرعت وقلت له: "أنا أبنه"، أما هذا الولد، فهو ابن "المربيّة"!

   فقال أحدهم، والدك يريدك أن تكون معه!

   كانت ملامح الرجال صارمة، ومريبة، فقبلت الذهاب معهم، إنقاذاً لأخي الصغير، فقد أحسست أنه ربما يصاب بأذى!

   وبعيداً عن الأنظار، قام أحد الرجال بتعصيب عينيّ بشريط أسود سميك، واقتادوني بسيارتهم إلى مكان مجهول، وهم يهددوني، بألا أصرخ!

   أما أبي ـ فقد علمت بعد ذلك ـ أنهم بعد أن ابتعدوا به قليلاً، قاموا بتخديره، وإلقائه في مكان مهجور!

   وعندما استفاق، وعاد إلى الشاطيء ليفتقدنا، علم بأمر الرجال الأربعة، وذهابي معهم!

   عبثاً حاول أن يجدني، فذهب إلى قسم الشرطة، وقدم إفادة عن اختطافي!

   بعد ثلاثة أيام، وقف أحدهم بجواري، وقال لي: "أسمع، سوف نتحدث إلى والدك، وعندما يطلب سماع صوتك، حدثه بأنك بخير.. لا أكثر، ولا أقل"!

   ثم اتصل بوالدي، طالباً منه فدية مقدارها خمسون ألفاً من الجنيهات، وإلا أرسلوا له جثتي ممزقة في سلة!

   كان أبي من النوع الذي يعرف كيف يتعامل مع مثل هؤلاء الجانحين، فهو يؤمن بأن لا نهاية للابتزاز إلا بالكف عن إرضاء المبتز، ويعرف أن قتلي ليس أمراً سهلاً، وسيزيد المجرم، جرماً على جرم، ولن يفيده ذلك في شيء؛ لذلك رد على زعيم العصابة، قائلاً: "افعلوا به ما شئتم.. أنا لن أدفع لكم قرشاً واحداً"..

   ومن ثم أقفل الخط.

    حاولوا معه كثيراً، واسمعوه صراخي مراراً، ولكنه كان شجاعاً، صامداً!

   ولما أحسوا بأن الشرطة تضيّق الخناق عليهم، وأنهم لن ينجحوا في خطتهم، والإفلات من العقاب.. لم يجدوا بدأ في إطلاق سراحي، ومفراً من إلقائي خارج المدينة على الطريق!

 

[عودة ولقاء]

 

   عدت إلى بيتي، سالماً...

   استقبلني أبي، قائلاً: "مرحباً بالبطل الذي فدى أخاه الصغير"

     أما زوجة أبي، فقد حضنتني لأول مرة، وقالت لي الكلمة التي لم أسمعها قط: "أشكرك يابني"!

     وذات يوم، سألتني: "لماذا لم تترك ابني ليد هؤلاء الأشرار، انتقاماً مني، فأنا لم أعاملك، إلا بكل سوء، ولم تنل مني إلا كل ألم ومعاناة؟!".

   قلت لها بثقة، ودون تردد: "لأنّه أخي"!...