عيون أمريكا التى لا تنام.. تجمل وجهها محليا ودوليا

تستخدم السينما الأمريكية لتحسين صورتها | « ClA » تصادر دور البطولة فـى «هـوليوود» !

تصادر دور البطولة فـى «هـوليوود»
تصادر دور البطولة فـى «هـوليوود»


أشرف زيدان

تقديرات موقف خاطئة فى ملفات ملغومة بأماكن مشتعلة فى بقاع حساسة من العالم، ومعلومات مفقودة لأحداث مفاجئة على غير العادة، وتسريبات تلطخ الثوب الأبيض لجهاز لطالما تغنى به أبناء «العم سام» أنه الأقوى على ظهر الأرض، وحبال تواصل مع جميع دول الدنيا تقطعت أوصالها بفعل غضب فى الصدور من تصرفات رعناء بحق الأصدقاء، وكونجرس يتابع عن كثب ليقلص دور وميزانية عيون أمريكا التى لا تنام، كل هذا جعل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سى. آى. إيه».

تهرع إلى «هوليوود»، وتصادر دور البطولة على شاشة السينما الأمريكية، فى محاولة مستميتة لتحسين صورتها والمبالغة فى عرض بطولاتها، لتستعيد مكانتها المفقودة فى الداخل الأمريكي، وعلى الساحة الدولية..

وكالة المخابرات الأقوى فى العالم تبحث عن إصلاح شامل لقلعة «العم سام»

تراجع التأييد الشعبى لـ «لانجلى» وميزانيتها فى خطر كبير

دائما ما كان يحدثنا الكتاب فى الولايات المتحدة، بأنه على مدار عقود الحرب الباردة، لم تهتم وكالة المخابرت المركزية الأمريكية «سى آى أيه» بتقديم ما يحسن صورتها فى أفلام هوليوود، بقدر ما كانت تهتم بتقديم صورة مثالية عن الحياة الأمريكية، ولكن مع نهاية الحرب الباردة أدركت الوكالة أنها بحاجة إلى إصلاح شامل لصورتها دوليا، لقد أدركت أخيرا أن التأييد الشعبى لميزانيتها أصبح يواجه خطرا كبيرا، ولذا فإنها بادرت إلى إنشاء مكتب التنسيق بينها وبين هوليوود عام 1996، وتقديم خبرة المستشارين من رجال الوكالة لصناع السينما فى هوليوود، خلال عملية إنتاج الأفلام والدراما.

وتشكل صناعة السينما الأمريكية مجالاً رحباً لعمل وكالة الاستخبارات الأمريكية، وقد عملت هوليوود على الترويج للسياسة الخارجية الأمريكية من خلال أفلام تقدم الدعاية المباشرة لأجهزة التجسس الأمريكية، وهى الوظيفة التى تسعى من خلالها لفرض سيطرة الوكالة على صناعة الترفيه فى العالم.

هوليوود

وفى إطار الكشف عن العلاقة بين الطرفين يأتى كتاب «وكالة المخابرات المركزية فى هوليود.. كيف تشكل الوكالة الأفلام والتليفزيون»، «تأليف تريسيا جينكيز، وترجمة محمود على، ويجيب الكتاب عن عدد من الأسئلة المهمة تتعلق بعلاقة الوكالة بانتاج هوليود.. أسئلة مثل: ما هى طبيعة دور الوكالة فى صناعة السينما؟، وما هى النصوص والأعمال التى تأثرت من هذا التدخل ولأى الغايات؟، وما هى الأحداث التى دفعت بـ «لانجلي» – ويقصد به اختصارا الوكالة المركزية للمخابرات – لأن تغير سياستها السرية وعدم كشف الأعمال الخاصة بها إلى سياسة الباب المفتوح أمام هوليوود فى التسعينيات؟، وكيف كانت الصورة التقليدية التى كانت تقدم عن المخابرات فى السينما والتليفزيون؟، وما هى الدلالة القانونية والأخلاقية للمخابرات فى هوليوود فيما يتعلق بالديمقراطية؟،

وتقول مؤلفة الكتاب إن الوكالة تزعم بأنها بدأت التعاون مع هوليوود فى التسعينيات لتصحيح صورتها فى السينما والتليفزيون، نظرا لأن هذه الوسائط عادة ما تصورها شريرة ولا أخلاقية تميل للاغتيالات والأعمال الفاشلة.

وانتهى ضباط الاتصال الذين عملوا مع منتجى أفلام هوليوود الى ضرورة تصوير الوكالة بمزيد من الإنصاف وحذروا من أن غالبية الأمريكيين يتلقون صورة الوكالة من افلام السينما، ولذا فلا يجب أن يتركوا أنفسهم عرضة لسوء الفهم، إلا أن المؤلفة تعود وتؤكد أن رغبة الوكالة فى تحسين صورتها السلبية لدى الجمهور لم تكن الدافع الوحيد للتعاون مع صناع السينما، ذلك أن الحاجة لزيادة التأكيد للأمريكيين بضرورة وأهمية الدور الذى تقوم به المخابرات فى عالم ما بعد الحرب الباردة بعد أن تزايدت الانتقادات للأهمية المبالغ فيها التى تحظى بها الوكالة بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وتفكك الكتلة الشيوعية، ومواجهة اتهامات من الكونجرس للمبالغة فى فرض السرية على عملها. وكثيرا ما اتهمت الوكالة من خلال الخطاب الشعبى بالمبالغة فى فرض ستار السرية بلا سبب موضوعى أحيانا.

«سى آى إيه»

«سى آى إيه» فى السينما، غالبا ما تدعى وكالة المخابرات المركزية بأنها فتحت ابوابها لهوليوود فى التسعينيات من القرن الماضى نظرا للأسلوب النمطى الذى يصورها به صناع السينما. ففى عام 2001 نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا بأن «لانجلي» (وهو مقر المخابرات المركزية ويرمز لها به فى معظم الاحيان)، قررت أخيرا تغيير سياستها فى رفض طلبات التعاون وتقديم الاستشارة للمنتجين فى السينما وأعمال الدراما فيما يتعلق بصورة جهاز المخابرات التى تظهر على الشاشة، كما لو أنها مؤسسة رهيبة وبشعة وكل عملياتها شريرة.

ويقول «شيس براندون»، أول ضابط اتصال فى عالم هوليوود، «مع مرور الوقت اقترنت صورتنا وسمعتنا لدى مشاهدى السينما ملطخة بسوء التمثيل والعرض الفظيع.. من نحن.. وماذا نمثل.. لقد اقترنت صورتنا بهذه القدرات الميكافيلية الشاذة على التآمر».

وأضاف إن لديه الفرصة الان كى تكون الوكالة «اكثر اقترابا ممن يصنعون هذه الصورة» وقد أخذ هذه المهمة على عاتقه لانه لم يعد يطيق أن يرى زملاءه يصورون كقتلة يطعنون من الخلف بكل غدر.

ونشرت صحيفة واشنطن بوست تقريرا عام 2007 عن «بول باري» خليفة شيس براندون، يقول بأنه يواصل محاولة تغيير صورة هؤلاء العملاء المجانين الأشرار الذين تظهرهم السينما وهم يعملون بالوكالة وأيضا العمل على نشر صورة مختلفة عنها.

وهذه الأمثلة تعنى أن الوكالة من وجهة نظرهم قد عانت لفترة طويلة لكونها ضحية لسوء نية وعدم اطلاع من مجتمع هوليوود. لكن كيف صورت هوليوود وكالة المخابرات فى السينما والتليفزيون أثناء فترتى الحرب الباردة و11 سبتمبر؟، من أين جاءت بعض هذه الصور السلبية؟، الإجابة بشكل عام هى أنها لم تظهر بشكل مباشر فى السينما أو التليفزيون حتى الستينيات من القرن الماضي. ومنذ هذا الوقت فإن تمثيلها وتصويرها كان يندرج تحت خمسة تصنيفات رئيسية كل منها يعكس الاهتمام الجماهيرى بعمل الوكالة.

وتتحدث الكاتبة عن التصنيفات الخمسة النمطية لنقل صورة الوكالة ورجالها باعتبارها شكلت الإطار الذهنى لتصويرهم داخل عقول الجماهير، وهى صور بدت كالتالي: أولا اغتيالات بدون مبرر واضح وقوى وبشكل عشوائي، ففيلم أوليفر ستون واسمه «جى اف كيه» يعكس المخاوف من اغتيالات الوكالة عندما يلمح بأنها تورطت فى عملية اغتيال الرئيس كينيدى، عندما شعرت بأن ادارته أصبح لديها ميول نحو اليسارية.

وفيلم «العقرب» يظهر اغتيال الوكالة لعاملها لأنه يعلم الكثير عن عملياتها السرية، وهو الموضوع الذى يتكرر فى فيلم «بورن ايدنتتي»، وهو يتحدث عن اغتيالهم لديكتاتور سابق كانوا يدعمونه لتهديده بالكشف علنا عن أنشطة الوكالة غير القانونية. كما تظهر ثلاثية افلام «جيسون بورن» تورط الوكالة فى العديد من الاغتيالات التى لم يكن لها أى داع منطقى.

إفلاس أخلاقى

وبشكل عام فإن هذه الأفلام تظهر لنا أن هذه الاغتيالات تلطخ موقف الولايات المتحدة الأخلاقى فى النقاشات الدولية، كما أنها تجسد أمامنا الفساد والدوافع الشخصية لمثل هذه الجرائم وفشلها فى التعايش السلمى مع من يعتنقون وجهات نظر مختلفة. كما أن هذه الأفلام تقول لنا إن هذه الاغتيالات تؤدى غالبا إلى عدم الاستقرار الداخلى والعالمي، وذلك كما يتضح فى فيلمى «خط النار» و«جى اف كيه» وأنه يتعين على واشنطن بذل الجهد للتخلى عن هذه الممارسات.

ثانيا: عمليات الوكالة السرية تنفذ بدون احترافية: وهى تلك التى ينفذها العملاء برعونة ويتصرفون بدون تبصر أو إدراك بمعنى انهم يظهرون كأنهم اشخاص عديمى الكفاءة يتصرفون دون تدبر فى معظم الأحيان. كما أن العديد من الأفلام هنا كانت تقدم الوكالة وقد أصيبت بلعنة العمليات الإجرامية الشريرة لانها تتصرف بلا رؤية أو بصيرة، وغالبا ما تتسبب فى تعرض العاملين بها وكذلك تعريض سلامة الوطن للمخاطر.

اقرأ أيضًا| كاميرون دياز تستعين بشبيه جايمي فوكس في «Back in Action»

وكثير من الأفلام التى استعرضت عمليات اغتيال نفذتها الوكالة تدخل ضمن هذه الفئة.

ثالثا: الوكالة دائما ما تفشل فى حماية رجالها ومصادرها، وقد ظهر ذلك جليا فى فيلم «العقرب»، الذى يظهر الوكالة الامريكية بمظهر من يسعى للتخلص من رجاله بعد ان استنفدت أغراضها منهم. وظهر بشكل جلى صورة المخابرات وهى تترك أبناءها للموت كما فى الأفلام التى انتجت بعد أحداث 11سبتمبر.

رابعا الإفلاس الأخلاقى، حيث أظهرت افلام هوليوود أن عمليات الوكالة تقوم على أسباب أخلاقية غامضة ولا يمكن تبريرها، وأيا ما كان الأمر فإنها بتصرفاتها التى تشمل الاغتيالات والعمليات غير القانونية، إضافة الى خيانة الوعود فإنها تقوم غالبا بالعمل وفق مبررات أخلاقية غامضة ولاشك أن تاريخها يلعب دورا فى هذا التصور. ففى الفترة ما بين الخمسينيات وحتى عام 1973 فإن الوكالة وأيضا مكتب التحقيقات الفيدرالى اعترضت وفتحت وصورت آلاف الخطابات دون علم من الخدمة البريدية وان المخابرات المركزية واصلت إجراءات مشابهة ظهرت فى العديد من النصوص منها حلقة بين عامى (2001-2006). ALIASمسلسل وفى السبعينيات والثمانينيات لطخت مرة اخرى سمعتها بالتورط فى الفضيحة الشهيرة «ووترجيت» وفى فضائح ايران كونترا. وفى السنوات الاخيرة تعرضت الوكالة للهجوم لاستخدامها اساليب ووسائل غير قانونية فى التحقيقات كالتعذيب وغسيل المخ ومعسكرات الاستجوابات الخاصة وتخلصها من هذه التسجيلات بعد ذلك.

تحسين صورة

يقول الكتاب بوضوح، إن الواقع كان أن كل المتعاطفين من كتاب ومخرجين ومنتجين فى مجال السينما كانوا أداة لحملة العلاقات العامة بالمخابرات خاصة فى الشهور والسنوات التى أعقبت 11 سبتمبر، فقد عانت الوكالة فى هذه الفترة العديد من الانتقادات فى وسائل الاعلام الجماهيرية ومن الكونجرس الأمريكي، حيث وجدت تلك الانتقادات طريقها الى التقرير الخاص بأحداث 11 سبتمبر، والذى أظهر أن جهاز المخابرات الأمريكى بات فى صورة لا تناسب العصر لأن الهدف منها كان محاربة بضعة دول خلال الحرب العالمية وأثناء الحرب الباردة، وليس محاربة الجبهات المتنوعة والمنتشرة فى العالم للحرب على الإرهاب والعمل ضد جماعات مسلحة.

وأضاف أن تحليل الوكالة وإمكاناتها البشرية قى الاستخبارات يظهرها ضعيفة جدا وفى حاجة لبرنامج لغات قوى وإعادة التأكيد على تنوع التجنيد لضباط العمليات وأن «لانجلي» تحتاج لتنسيق أفضل مع الوكالات الحكومية الأخرى.

ولم تكن صورة وكالة المخابرات الأمريكية غير الفعالة وغير العصرية والمبالغ فى سلطتها فقط هى التى اختفت فى العديد من الأفلام التى عرضت بعد سبتمبر، وكان هذا هو الوقت الذى بدأت فيه محاولات الوكالة فى تحسين صورتها فى الأفلام السينمائية، والتى اتضحت ثمارها فى عرض فيلمى «المجند» و«ذروة كل المخاوف» والتحليل النصى لهما يظهر كيف عملت الوكالة مع صناع السينما لاعادة تجديد صورتها ما بعد 11 سبتمبر، واختلف ذلك بشدة عن صورتها الضعيفة وغير العصرية وضعف امكانات الاستخبارات البشرية واللغوية الخاصة بها.

فقد اظهر فيلم «المجند»، الذى عرض عام 2003 قصة ضابط يعمل كمدرب للكوادر الجديدة داخل المزرعة فى مقر وكالة المخابرات، حيث ينجح فى استقطاب طالب موهوب للعمل كعميل خاص ويسعى بعد ذلك لاستغلاله فى سرقة برنامج كمبيوتر سرى ومهم من داخل المقر لبيعه فى السوق السوداء.
وتكشف تقارير عدة ان «شيس براندون» ضابط الاتصال المكلف بالتنسيق مع هوليوود كان مشاركا فى انتاج فيلم «المجند»، كما سبق له العمل مع «روجر تاون» كاتب السيناريو لهذا الفيلم وللفيلم السابق «فى صحبة الجواسيس». وقال منتج الفيلم، إن ضابط الوكالة المركزية براندون لعب دورا واضحا فى التعريف بطرق وكالة المخابرات المعقدة فى عمليات التجنيد، بما فى ذلك اكتشاف الوكالة المرشحين المحتملين وطرق تجنيدهم وتحويلهم إلى ضباط عمليات.

بل إن التقرير تحدث عن دور ومساهمة أكبر لضابط الاتصال براندون فى صناعة الفيلم، حيث إنه شارك فى كتابة وصياغة الخطوط العامة لقصة الفيلم وقدم أفكارا تصل إلى ست عشرة صفحة من المعالجة والكثير من التعديلات التى تتعلق بالشخصيات للمنتج الذى أبدى ترحيبا وكذلك لكاتب السيناريو.

كما أنه كتب مشاهد كاملة للفيلم بالحوار والأزياء والديكور وتوجيهات للتصوير والمونتاج وكان يرسل هذه التوجيهات اسبوعيا وأحيانا يوميا لكل من المنتج والسيناريست، حيث كان الفيلم من توزيع شركة والت ديزنى.

وإضافة إلى تقديم أفكار للقصة والمساهمة فى صياغة الحوار واللقطات قام ضابط الوكالة بإعداد زيارة للمنتجين والمخرج وفريق العمل لزيارة مقرات وكالة المخابرات المركزية ليتعرفوا على سير العمل وطبيعة العاملين بأنفسهم.

ومساهمة الوكالة فى إخراج فيلم المجند للنور سمح لمبدعيه العمل على تسويق الفيلم باعتباره أول مرة تفتح أبواب وكالة (سى أى ايه) المغلقة لإلقاء نظرة من داخلها. والخط العام الذى يبرزه الفيلم هنا كما فى فيلم «صحبة الجواسيس» هو السعى لتعريف المشاهدين بالوكالة. والفيلم أساسا كان يقصد به إنتاج عمل مثير للمخابرات ودعم حركة التجنيد بالوكالة فى وقت كانت فيه المعنويات متدنية.

وفى معرض الدفاع عن الفشل بالتنبؤ بهجمات 11 سبتمبر يقول الضابط المدرب، للمجند الجديد أن من خارجها لا يعلمون شيئا. وان الشعار لديهم يقول: إن فشل الوكالة معروف لكن نجاحها غير معروف.

الخير والشر

عموما فإن الفيلم وغيره مما ساهمت الوكالة فيه يقدم ضباطها فى صورة من ينكر ذاته من أجل الوطن وكما يقول الضابط للمجندين الجدد «إنهم لاينضمون للوكالة من أجل الشهرة أو المال أو الحصول على عمل..بل لانهم يؤمنون بالخير والشر.. ويختارون الخير.. هذه قضيتنا»، لذا فان الفيلم يصور ضباطها على انهم أناس غاية فى الذكاء يضحون بالأعمال البراقة فى القطاع الخاص للعمل فى خدمة عامة خطيرة وهى بالطبع صورة تبتعد عن الصورة التى أظهرتها الأفلام السابقة التى تناولت عمل أجهزة المخابرات وأظهرتهم كقتلة يقتلون بدون تبصر ولا إدراك.

وهكذا يتضح أن فيلمى «ذروة كل المخاوف» و «المجند» قد قدما الوكالة بصورة محببة ومقبولة جدا ووجدا مساعدة كبيرة من الوكالة، كما أن تلك الأفلام ساهمت فى إبراز قدرات لانجلى وعلى اجراء التحليل اللازم للمواقف وحكمة رئيسها فى اتخاذ القرارات وعلى قدرة الوكالة لتجاوز نموذج ما بعد الحرب الباردة كما ساعدت أيضا على مواجهة بعض الانتقادات الشائعة حول الوكالة فيما بعد 11 سبتمبر واستفادت «سى اى ايه» من القدرة على إعادة تشكيل صورتها داخل هوليود بصورة اخرى.
وتثير مؤلفة الكتاب فى النهاية أيضا قضية جدلية تتعلق بالعلاقة الخاصة بين هوليود ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية فيما يتصل بالجوانب القانونية والأخلاقية لهذا الارتباط، حيث إنها تقول أن الوكالة ترفض مساعدة أى مخرج يقدمها بصورة غير مقبولة وتعتبر المؤلفة ان هذا الرفض لمساعدة كل صناع السينما ممن يطلبون هذه المساعدة يشكل انتهاكا لحرية التعبير. وأن مساعى الوكالة للتأثير على النصوص يمكن اعتباره كدعاية وليست مبادرات لنشر الوعى ولزيادة الفهم والتعريف كما تدعى «لانجلي».

وتنقل المؤلفة عن الكاتب ديفيد روب، فى كتاب «عملية هوليوود» قوله: إن صناع السينما غالبا مايسعون لمساعدة البنتاجون أثناء الانتاج لأن الحكومة قادرة على إمدادهم بالغواصات وطائرات الهليكوبتر والدبابات وحاملات الطائرات نظير أجر بسيط أو بدون نفقات يتحملها الاستديو أو شركة الإنتاج، وأن البنتاجون يرحب بمثل هذه المطالب لأنها تتيح له فرصة التأثير على صناع السينما بشكل عام وعلى المخرجين بشكل خاص من أجل تغيير الحوار أو حذف مشاهد قد تظهر الجيش بصورة غير مقبولة، وذلك مقابل الخدمات باهظة التكاليف التى يوفرها لهم، فإن رفضوا الانصياع لهذه المطالب فإن البنتاجون يرفض المساعدة بكل بساطة.

وتنقل الكاتبة عن رجال قانون ومحامين كبار بارزين أن هذا الرفض من جانب البنتاجون يعد انتهاكا لحرية المخرجين فى التعبير وفقا للتعديل الأول للدستور الأمريكي. وأن التعديل الأول للدستور يفسر على انه لايجوز للحكومة أن تنحاز فى استخدام مواردها لمحاباة طرف أو نوع معين من الآراء ضد طرف أو رأى آخر. ومن هنا إذا قال البنتاجون سنتعاون مع (بعض المخرجين) ممن نرضى عنهم للمواقف التى يتخذونها إزاء الجيش فإن هذا الموقف يبدو بكل وضوح غير دستورى كما قال المحامى البارز «فلويد أبرامز» كما قال أيضا البروفيسور بجامعة كاليفورنيا «أروين شيرمنسكي، أن مجلس القضاء الأعلى اعترف بهذا وبأن التعديل الأول للدستور يعنى أن الحكومة ممنوعة من المشاركة فى التمييز إزاء الأراء أو وجهات النظر ولا يمكنها أن تحابى البعض لوجهة نظرها أوترفض أخرين بسبب تعارضهم مع وجهة نظرها.»

وهذا القانون ينطبق بالطبع على وكالة المخابرات المركزية كما ينطبق على البنتاجون.

وتقول المؤلفة إن نموذج ما حدث لرفض وكالة المخابرات التعاون مع بعض المخرجين فى عام 2007 عندما رفض بول بارى ضابط الاتصال المكلف بالتنسيق بين الوكالة وهوليوود، مساعدة فيلم «حفنة أكاذيب» الذى عرض عام 2008 لأن السيناريو الأصلى للفيلم يشير إلى أن ضباطا بالوكالة يتعاطون المخدرات ويتلفون أصولها. حيث قال الضابط بارى تعليقا على ذلك، «من الواضح أن المؤلفين كانوا يتبنون موقفا فى غير صالح الوكالة وقد طلبت من المنتجين تغيير المشهد ولكنهم رفضوا لذا لم يحصلوا على ما كانوا يتطلعون للحصول عليه من مواد خاصة بالوكالة.»

وختاما فإنه من الواضح ان هناك منطقة رمادية كبيرة عند أى تحليل للعلاقة بين وكالة المخابرات والحكومة ككل وبين هوليوود إلا انه فى ضوء ماسبق ذكره فإنه يظهر تورط الوكالة فى صناعة السينما، وحين تؤكد الـ «سى اى ايه» أن عملها فى السينما والتليفزيون هو خدمة لتثقيف الجمهور ولأجل المزيد من الدقة عن دور المخابرات ومهمة الوكالة حين تخرج هذه الأعمال للنور... فإن الوكالة بهذه البلاغة المنمقة تتحاشى ذكر الحقيقة وهى أن: جهودها تمثل الدعاية لنفسها وتمجيدا للذات.

مؤلفة الكتاب

تريسيا جينكيز هى الأستاذة المحاضرة فى جامعــة ميتشيجان وصاحبة كتاب «السى آى إيه فى هوليــوود». وهى أكاديمية ومؤلفة ومضيفة بودكاست وعضو نشط فى مجتمع أفلام فورت وورث.

تقوم بإلقاء محاضرات فى جماليات الأفلام وتاريخ البث والسينما العالمية . ألقت الضوء فى أبحاثها على العلاقة بين هوليوود وحكومة الولايات المتحدة، مع التركيز على وكالة المخابرات المركزية والجيش على وجه التحديد.

تسافر بانتظام لإلقاء محاضرات حول هذا الموضوع، وقد ظهرت فى الأفلام والبودكاست ومجلة نيوزويك وسى إن إن وفوكس وبى بى إس وبى بى سى وغيرها من المحطات الكبرى. 

وحين قررت أن تخطو إلى الكتابة فى هذا الموضوع الشائك لم يكن بوسعها إلا أن تستعين بجهة أكاديمية لتمويل رحلتها لجمع المعلومات من داخل وكالة المخابرات المركزية فاستعانت بجامعة القلب المقدس وجامعة تكساس لتحمل تكاليف الرحلات لجمع المادة ومقابلة المعنيين من وكالة المخابرات المركزية. وتقول فى مقدمتها إنها اكتشفت عالما جديدا بعد أن ساعدها اثنان من مديرى العلاقات العامة السابقين بالوكالة لتوفير المصادر وكذلك عدد من موظفى الوكالة المتقاعدين فى الحصول على المعلومات المتاحة للرد على الأسئلة المتعلقة بعمل الوكالة فى هوليوود. كما ساهم معها «تونى شو» مؤلف «ساعة الصفر ثلاثون» .

إضافة إلى أنها تابعت معظم الأعمال الفنية السينمائية والدراما التى جسدت عالم المخابرات وعملاء الأجهزة المخابراتية وصراعاتها قبل الشروع فى الكتابة للإلمام بتفاصيل المادة المطلوبة. وتقول إن الكتاب يهدف إلى الإجابة عن عدد من الأسئلة المهمة المتعلقة بطبيعة دور الوكالة فى الأعمال السينمائية داخل هوليوود.