لم تكَدْ السيارة تغادر ميدان القلعة، حتى خرج الهاتف عن صمتٍ لازمه لعدة ساعات. مكالماتٌ متتالية سلبتْني لحظات تأملٍ مُستقطعة وسط الزحام، لمنطقة أثرية شديدة الزخم لم أزُرْها منذ فترة طويلة. مضمون المكالمات مُتشابه، أصدقاءٌ يخبرونني أن الدكتور زاهي حواس «جاب سيرتي»، وسأل عني فلم يجدْني. انتابتْني مشاعر مختلطة، أحسستُ بسعادة أن يعلن العالم الكبير تأييده لمقالاتي عن «الأفروسنتريك» وسط مئات الحاضرين، الذين لم ينتبه معظمهم لوجودي من الأساس، كما استشعرتُ الحرج لأنني انصرفتُ مضطرا لسببٍ قهري.
قبلها بلحظات كنتُ أتابع حديث د. زاهي عن رحلته لاقتفاء أثر مقبرة نفرتيتي. يُتقن اجتذاب انتباه جمهوره الواسع دون وسائل مساعدة، بعد أن أصابتْ لعنة الفراعنة شاشة عرضٍ أعدّها المنظمون لاستضافة فيلمٍ وصُورٍ أحضرها معه. تجاوز المأزق بحضوره الطاغي، وتكلّم مُتنقلّا بين العربية والإنجليزية بسلاسة، فقد لاحظ وجود أجانب كثيرين، ورأى الفرصة مناسبة لإطلاق حملة شعبية، تُطالب باستعادة تمثال رأس الملكة الشهيرة من غُربتها في متحف برلين. رغم اعترافه بأن اتفاقية اليونسكو تجعل المطالبات الرسمية بالغة الصعوبة، إلا أنه يُراهن على وعي الشعوب، وهو رهان مشروع لا أملك إلا أن أدعمه بتوقيعي، مع أمنيات كثيرة بنكهة الحُلم.
أتاح لي اللقاء فرصة مقابلة حفيدات الملكة العظيمة في «صالون نفرتيتي»، الذي عاصرتُ مولده قبل سنوات، على أيدي صحفياتٍ صديقاتٍ مهتماتٍ بالشأن الأثري، ولم تُتح لي الظروف حضور فعالياته إلا هذه المرة على شرف الدكتور زاهي بقصر الأمير «طاز». في صُحبته، أشعر بالتفاؤل لأن التاريخ لا يزال قادرا على الجذْب، فالجمهور يضم مختلف الفئات والأعمار. تنتابني السعادة لأن الاهتمام بحضارتنا مُستمر، رغم ما ارتكبتْه المناهج الدراسية في حقّ تاريخنا على مدى عقود، فحوّلته إلى مادة طاردة للشغف!

اتفاق مبدئى!
فى غزة.. الوقت من دم
إيمان راشد تكتب: ميزان العدل






