«باب الروح» قصة قصيرة للكاتب الدكتور السيد نجم

 الدكتور السيد نجم
الدكتور السيد نجم


الذي لص روحي، ويدافع عن فعلته، هو نفسه الذي لص مفتاح خزينة مكتبتي، ثم رفع باب شقتي، التي باتت بلا حرم.. ثم تركني عاجزا عن كتابة القصيدة التي أرجوها.. وفورا اكتشفت قدر سذاجتي أن ذهبت إلى ضابط المخبر.

عندما اقتحمت عليه خلوته خلف مكتبه المتهالك، والعرق يصبغ قميصي تحت الإبطين، نظر إلى متأففا، وﺇن حاول غير ذلك، حك منخاره عفوا، ثم سعل سعلة مفتعلة. كم من الروائح الكريهة للمهرولين من أمثالي تلطمه كل صباح، زبائنه كلهم من المصدومين في أنفسهم أو في أقرب الناس لديهم.

لم ينشغل بمشهدي، تركني أرغى وأزبد، وﺇن كنت متلعثما ومرتبكا، لم أكف عن الثرثرة، وأنا أثأثأ. ولأنه الخبير المحنك لم يتركني لأن أصمت، شجعني لأن أقذف بكل انفعالاتى دفعة واحدة، لعلني أهمد.

سحب السيجارة التي لا أعرف عددها من علبة سجائري التي وضعتها عفوا فوق مكتبه.. لم أشاركه التدخين، اكتفيت بالبوح الغامض. عندما وصلت إلى مرحلة متقدمة من حديثي وشكوتى، وقلت:

               "كانت لنا..."

في هذه اللحظة بالذات قاطعني، ولأول مرة ينطق:

              "ماذا تعنى بكلمة لنا..؟"

أعدت ترتيب الكلمات، واستبدل كلمة "لنا" أو "نحن" أو ما شابه بكلمات مناسبة ومحددة في مثل هذا المقام، مثل "لي" و"أنا"، وتابعت باستخدام ضمير المتكلم بحرص شديد.

راودتني الشكوك ثانية، أنه لا يسمعني، لعله يسمعني ولا يفهمني، ربما يفهمني وقد قرر قرارا يخصه وحده.. أن قضيتي التي أبلغ عنها لا تستحق اهتمامه. رأيته بدأ يتململ، وهو ينظر خلفي، جهة باب الحجرة الموارب، وكأنه يبلغني اتهامه لي بأنني أعطل مصالح الجماهير المنتظرة. ونطق جملته الزاعقة..

           "يا أفندي.. أين المشكلة؟ أين الجريمة؟ من القاتل؟"

ثم ﺇبتسم وحده.

يا خبر أسود من قرن الخروب، قلتها هكذا بصوت عال ومسموع، غير مبال بشيء، ثم استأذنت منه لأن أدخن سيجارة من علبتي التي بدت على مشارف أن تخلو من محتواها. فعاد ونظر إلى مليا وقال:

           "اهدأ يا أفندي.. أخبرني.. ماذا.. سرقوا.. منك.. بالتحديد؟"

أجبت بالطريقة نفسها:

           "يا فندم.. سرقوني.. حتى.. لم.. أعد.. أكتب.. القصيدة.. أنا شاعر!"

ضاحكا هذه مرة يقول:

           "وأين الربابة والمزمار يا شاعر؟"

لم أستطع أن أقول له، أنني لست "شاعر" ربابة أو مغنى في الموالد للسير الشعبية. كانت آخر سيجارة من علبتي في ﺇتجاه عيني، معلقة بين سبابته وإبهامه، وهو يردد ساخر:

           "إذن، لا تكتب قصيدة، أكتب كتابك!"

ثم عاد وحده معقبا:

           "عذرا لم المح دبلة الزواج في إصبعك"

لا أدرى لماذا بدأ ينفعل أكثر كثيرا عما قبل، صرخ في وجهي وهو يتهمني بالخبل والهلوسة، ثم هددني بالمبيت في التخشيبة، حيث القتلة واللصوص. فوجئ أن سألته:

           "وهل لغرفة الحجز باب يغلق؟

الحقيقة لم ينفعل أكثر، ولم يزغر في وجهي، ولم يتذمر.. فقط، ضغط على الزرار المجاور لمكتبه. شعرت ببعضهم من خلفي يقتحمون الحجرة، لم أتبينهم. لكنني تأكدت أنهم ممن يؤمرون بأمره الذي لم ينطق به. وجدتني مدفوعا بين الطرقات.. مخترقا بابا حديديا.. محشورا بين روائح قميئة وعتمة غريبة.. لم أنشغل بمن حولي.. انشغلت أكثر بصوت ارتطام الباب الحديدي.. والمزلاج يحكم إغلاقه.. بينما لم آر من ألقى بى وهم ينسحبون في ثقة إلى خارج "التخشيبة"، وان سمعت صوتا، يشبه القهقهة!