في الصباح، كان يوقظ كل المحيطين به طالبًا منهم الذهاب إلى المقهى، وبعد أقل من ساعة ينسى ما طلبه، ويباشر حياته بشكل طبيعي، يأكل ويشرب ويتفاعل مع الموجودين بكل ود وحب، يبادلهم مشاعر الأبوة، ويعطيهم من حنانه ما يفيض.
على مدار 7 سنوات كاملة، التي عاش فيها "عم روقة" داخل الدار، والتي قضى فيها سنواته الأخيرة، كان بالنسبة لكل المحيطين به "الرجل البركة"، النفحة التي أطلت لتسعد، والدعوة التي فتح الله لها أبواب السموات، والضحكة البشوشة التي كانت كفيلة لإدخال البهجة على كل من حوله.
الرجل الذي اقترب عمره من التسعين، كان علامة حقيقية على تقلب الدهر، وما لاقاه من قسوة الحياة، لكنه على كل ما مر به من تشرد، ومن مرض، كان دائم البسمة، دائم الدعوة لكل من يقابله، وكأنه لا يملك على مر عمره المديد غيرهما، وعلى ذلك كان دائم المنح دائم العطاء، وبرحيله رحلت كل هذه المنح الربانية.. تفاصيل أكثر في السطور التالية.
قبل حوالي 7 سنوات، جاءت معلومة إلى اهل الدار التي انتقل اليها معززًا مكرمًا بوجود رجل مسن في منطقة حدائق القبة، يعيش شريدًا في مقهى اسمها قهوة "البشوات"، عطف عليه صاحب المقهى وجعلها مسكنًا له، كان يفتح له أبوابها ليبيت فيها.
لم يكن يعرف من حوله أي تفاصيل عن حياته، من أين جاء، ومن أهله، وعلى الرغم من كم المحاولات التي جرت معه لمعرفة أي تفاصيل عن حياته السابقة، إلا أنها محاولات باءت بالفشل.
لم يكن صاحب القهوة ولا العاملين فيها معترضين إطلاقًا على مبيت الرجل الطيب داخل المكان، بل خصصوا له فيها ركنًا من أركانها، وكانوا يعاملونه كأنه في بيته، وكأنهم أهله، لكن مع شدة المرض الذي ألم به، وإصابته بـ "الزهايمر"، أصبحت فكرة وجوده داخل المقهى مستبعدة، لأنه طاعن في السن، ولأنه يحتاج إلى من يرعاه ويأخذ بيده.
على وجه التحديد، لم يُعرف كم من الوقت عاشه "عم روقة" داخل القهوة، لكنها كانت فترة طويلة، تصل إلى سنتين أو أكثر، حاول خلالها كل من عرف قصته أن يصل منه بمعلومة للوصول إلى أهله، لكن لم تفلح هذه المحاولات.
الرجل لم يكن يتذكر أي شيء على الإطلاق، لا يعرف من أين جاء وأين كان يعيش، مسحت من ذاكرته أي تفاصيل عن حياته السابقة، كان يقول بإنه استيقظ وجد نفسه في هذا المكان، وأنه لا يعرف أين كان يعيش في السابق، وأين هم أهله.
كثرت محاولات الوصول إلى معلومة عنه، وعليه ظل في مقهى البشوات يعيش بداخلها كأنها بيته، على أمل أن يأتي اليوم الذي يحل فيه هذا اللغز، لكن هذا اليوم لم يأت، ولن يأتي.
مع شدة المرض، كان من الضروري إيصاله بأي دور رعاية ليعيش فيها، وبالفعل، جاءت الإخبارية بوجوده، وتحركت أجهزة الإنقاذ السريع، التابعة للتضامن الاجتماعي إلى المقهى، وجرى نقله إلى دار "معانا لإنقاذ إنسان".
حياة أخرى
في بداية انتقال "عم روقة" إلى الدار، كانت الدار تخطو خطواتها الأولى في مجال إنقاذ المشردين، وبعد انتقال "عم روقة" إلى العيش في الدار، كأنهم تحصلوا على كنز؛ إذ بدأت حياة الرجل في الاستقرار، وبدأت الدار في التوسع، وبدل الدار أصبحت لديها دور.
عاش "عم روقة" في الدار قرابة الـ7 سنوات كاملة، حتى أنه أصبح ركنًا من أركانها، خلال تلك الفترة كل المحيطين به اقتربوا منه، وعرفوا وداعته، وطيبة قلبه، وحاولت الدار عبر كل الطرق والبحث الوصول إلى سره الغامض، وحياته قبل دخوله الدار.
كل المعلومات التي أتيحت عنه أن اسمه "محمد علي إبراهيم محمد سلامة، وأنه من مواليد ٢٥ أكتوبر عام ١٩٣٨، وأنه ولد في منطقة الوايلي.
هذه المعلومات كانت هي كل ما أتيحت عن "عم روقة"، خاصة أنه مريض الزهايمر، ولا يعرف أي شيء عن حياته السابقة، كل ما يعرفه أنه كان يعيش في قهوة الباشوات، قبل أن ينتقل إلى دار "معانا لإنقاذ إنسان".
في الدار أطلق عليه لقب "عم روقة" لأنه كان - على حسب قول العاملين في الدار - "رايق"، يشع بهجة على كل من حوله، ابتسامته جميلة، يلقيها في وجه كل من يقابله حتى لو للمرة الأولى، وهو ما جعله يدخل قلوب كل من عاش معه.
رحيل
قبل أيام، اشتد عليه المرض، ودخلت الدار في حالة من الحزن عليه، خلال الفترة التي عاشها في الدار كان يدخل في مشكلات صحية ـ بحكم السن ـ تتطلب نقله إلى المستشفى، لكن في كل مرة كان من الواضح إن "عم روقة" راجع، وأنه مهما طالت غيابه واشتد عليه المرض حتمًا سيعود سالمًا.
إلا هذه المرة، كان الجميع يدرك أن "عم روقة" "بيودع"، وقيل نصًا: "عم روقة كان بيسلم علينا واحد واحد قبل ما يروح المستشفى، كان بيودعنا وعارف إنه مش راجع". وفعلا صدقت رؤية العجوز، وظنون العاملين في الدار، وتوفاه الله بعد رحلة من المعاناة، قاسى فيها كل أنواع العذاب.
كانت حياته قاسية، بداية من المرض، ثم التشرد، لم يكن له أهل يعرفونه، ولم يعرف أهل له، أو بالأحرى، نسي أهله، أو تناسهم، لا أحد يعلم، كل ما هو معلوم أنه كان متشرد يسكن في قهوة، مكتوب على لافتتها "الباشوات"، لعلها إشارة إلى حياته السابقة، لكن على وجه الدقة لا أحد يعلم شيئا، مات حاملا سره بين أضلعه، ورحل.
كان رحيله قاسيًا، واتشحت الدار بعده بالسواد، ومع أن الموت راحة له، من مرضه، إلا أن فراقه كان صعب عليهم، الآن الرجل الذي اعتادوا عليه في الصباح وفي المساء، يضحك لكل من يقابله، بطريقة آخاذة، رحل، رحيلا بلا عودة، فقط الذكرى هي التي بقيت، والتي حتمًا لن ترحل.
غابت ضحكة "عم روقة" للأبد، بغيابه انقطع حبل الوصال، الرجل "البركة"، كما يحب أن يلقبه الجميع، مات مودعًا كل أحبابه ورحل صامتًا، حامل سره الذي لا يعرفه غيره. دفن ودفنت معه حياته، وسقطت آخر أوراقه.
قهوة الباشوات
عن تفاصيل تلك السنوات السبعة، والأيام الأخيرة قبل رحيل "عم روقة" يحكي المهندس محمود وحيد، رئيس مجلس إدارة مؤسسة "معانا لإنقاذ إنسان" لـ "أخبار الحوادث": أن إخبارية أفادتهم بوجود مسن في قهوة بمنطقة حدائق القبة، وعندما ذهبوا إليه وجدوا حالته صعبة، لم يكن من الإهمال بقدر ما كان من المرض، خاصة وأنهم وجدوه شخص مصاببمرض الزهايمر، وهو ما فسر الحالة التي وجدوه عليها.
ويضيف "وحيد": "من حوالي 7 سنين، في أوائل 2017، جاتلنا الإخبارية بحالته، وفعلا روحناله القهوة، لقيناه عايش جواها، صاحب القهوة كان بيفتحها ليه كل يوم يبات فيها، كان بينام تحت "البنك" – المكان الذي يعد فيه الشاي والقهوة-، وأول لما القهوة تفتح يجبوله كرسي ويقعد عليه، ويفضل على الحال دا طول اليوم، لكن طبعًا لما حالته بقت صعبة، واشتد عليه المرض، بلغوا عن حالته، وروحنا خدناه".
واستطرد قائلا: "ذهبنا به الى المستشفى وتم تشخيص حالته إنه يعاني من مرض الزهايمر في مراحله الأولى، حاولنا نعرف منه أي معلومة، لكنه لم يتذكر شيئا، ومش فاكر غير القهوة بس، هي المكان الوحيد اللي كان فاكره، عرفنا إنه اسمه محمد على إبراهيم محمد سلامة، وأنه من مواليد 25 أكتوبر عام 1938، في منطقة الوايلي بالقاهرة، حاولنا من خلال الاسم إننا نوصل لحد من أهله أو أحفاده، لكن كل محاولاتنا باءت بالفشل، ومعرفناش نوصل لحد من أهله خالص".
واستكمل رئيس مجلس إدارة مؤسسة "معانا لإنقاذ إنسان"، حديثه عن "عم روقة"، قائلا: "طوال 7 سنوات كاملة عاش فيهم عم روقة معنا بمثابة الأب لكل الموجودين بالدار، الكل كان بيحبه، هو كان طيب جدًا وعلى الفطرة، بيضحك في وش الناس كلها، مع إنه مكانش فاكر حد منهم، مكانش بيفتكر غيري، كان كل يوم أول ما أشوفه الصبح يقولي عايز أروح القهوة، وأقوله حاضر على الساعة 3 هوديك، ويعدي اليوم ويجي اليوم اللي بعده ويكرر نفس الكلام، يسألني عن القهوة وامتى هوديه، وأنا أقوله نفس الكلام، وهكذا".
وأشار "وحيد" إلى أن الرجل الذي يقترب عمره من التسعين، كما لو كان بينه وبين ربنا عمار، الراجل لو رفع إيده للسما ودعى مكانش يفوت يوم ولا اتنين والدعوى تتحقق بشكل عجيب، كان البركة بتاعتنا وكان الحاجة اللي بتدينا أمل على مواصلة طريقنا وحلمنا إن مصر تبقى بلا مشردين، كان في كل مرة يدخل عليه نزيل جديد يستقبله معانا أحسن استقبال، ويرحب بيه، ويجي تاني يوم يتعامل معاه عادي، هو مش فاكره، بس عشان قلبه الطيب كان بيتعامل معاهم بحب، ولما في مرة يسألني عن واحد جه جديد وأقوله القصة، يفضل يدعي لينا، ومتعديش أيام ونلاقي دعوته استجابت".
"وقبل ما يموت بأيام قليلة، كان تعبان، وكنا بنروح كل شوية نعمله فحوصات طبية عشان نطمن على حالته، فجأة لقيته بيقولي: "أنا لما أموت إدفنوني في مقابر المؤسسة"، وقتها مؤسسة "معانا لإنقاذ إنسان" مكانتش تملك مقابر، وكنا عادة بندفن موتانا إما في مقابر الصدقة، وإما في مقابر بالتعاون مع جمعيات أخرى، وهكذا على هذا الحال منذ إنشاء الموسسة، لكن سبحان الله، بعد أيام من كلامه ده، لقينا متبرع اتبرع لينا بحوش في مقابر جديدة بـ 6 أكتوبر، مجهزة تماما للدفن، عين رجالي وعين حريمي، ومتشطبة رخام وشكلها "محترم"، وكأن الله استجابلنداء هذا العجوز، وفعلا مات وكان أول من دفن فيها".
واختتم قائلا: "بعد رحيله، كان مقدار حزننا عليه كبير جدًا، وعشان كدا أصريت إني أعمله عزاء يليق به، على نفقتي الخاصة وبعيدًا عن نفقة مؤسسة "معانا لإنقاذ إنسان"، وفعلا ناس كتير جات قدمت العزاء في عم فاروق، أنا كنت بحبه وبعتبره أب ليا، وكل اللي شغالين في المؤسسة كانوا بيعتبروه أب روحي لهم، عشان كدا إحنا زعلنا عليه جدًا، وكنا شايفين إننا لازم نودعه وداع يليق بيه، وإنه مش أقل من أي حد، إحنا هنا كلنا بنتعامل كعيلة واحدة، وهو أب للعيلة دي ورحل، وكان لازم نودعه، وكمان عشان دي تكون رسالة لكل النزلاء اللي معانا في الدار، وإنه حتى بعد عمر طويل وأو لو مشيتوا من الدار هتفضلوا في قلوبنا، وهنفضل فاكرينكم، وهنكرمكم بكل الطرق".
اقرأ أيضا: عادات يومية تؤدي إلى الإصابة بألزهايمر
تحركات لاحتواء أزمة الكلاب الضالة بإنشاء ملاجئ آمنة لهم
تزامنًا مع عيد الأضحى .. الداخلية تحكم قبضتها على الأسواق وتضبط المخالفين
تحــرك من مجــلس الشيـــوخ .. لتغليــظ العقوبات على المراهنات الرياضية







