من بعث فيثاغورث إلى محاكمة جاليليو.. حكايات العلماء في لوحات الفنانين

لوحة فيثاغورث يخرج من العالم السفلي للفنان سلفاتور روزا
لوحة فيثاغورث يخرج من العالم السفلي للفنان سلفاتور روزا


قبل قيام الثورة الفرنسية بعام واحد، أنهى الفنان «جاك لوي ديفيد» لوحة تصور رجلا وزوجته من طبقة النبلاء، داخل قصرهما، وعلى خلاف المألوف، مع معدات مختبر كيميائي. والسبب هو أنهما من العلماء.

وبقيام الثورة، حكم على الزوج بالإعدام، وصودرت ممتلكات الزوجة، وبالغ الفنان في مناصرته للثوار متنكرا لصديقيه اللذين رسمهما قبل شهور. تفرقت المصائر، لكن بقيت لوحة «أنطوان لا فوازييه وزوجته»، شاهدة على عصرها، ومثالا للوحات حكت سيرة العلم، وعكست شغف الفنانين بموضوعاته على مر العصور.

◄ مأساة كيميائي وزوجته في لوحة مرسومة إبان الثورة الفرنسية

◄ «الفلكي» و«الجغرافي» لوحتان لفرميير من زمن المستكشفين

◄ استعادة أرخميدس وأساطير فيثاغورث فى أعمال فنية

■ أرخميدس بريشة دومينيكو فيتي

الزوجة فى اللوحة هى عالمة الكيمياء «ماري آن بيريت بولز» التى أودعت الدير بعد وفاة والدتها. وكانت على وشك الزواج من شخص نافذ يكبرها بأربعين عاما، حتى عرضها أبوها إنقاذا لها على صديقه النبيل، والكيميائي «لافوازييه»، والذى قبل وتزوجها. وأبدت الزوجة اهتماما بعمل زوجها، فبدأت بدراسة الكيمياء، وشرعت مع زوجها فى إنشاء مختبر متطور، وحققا عددا من الإنجازات العلمية المهمة.

وقد صادرت الثورة المختبر ومعداته، ودفاتر الزوج. وعاشت العالمة حياة صعبة، قبل أن تتعافى وتعاود العمل. وعكفت على نشر أبحاث وتجارب زوجها فى مجلدين، تحت اسم مستعار، هو «ميموراى دى تشيمى». وكرست حياتها التالية للعلم. ويرجع لها الفضل فى ترسيخ المنهج العلمى، وتنقية الكيمياء من شوائب الخيمياء القديمة.

■ الخيميائي للفنان ماثيوس فان هيلمونت

◄ خميائيون

لآلاف السنين اختلط العلم بالكهنوت، والفلسفة، وحتى السحر، وكانت الخيمياء إحدى صوره التى ترجع جذورها لكهنة المعابد المصرية القديمة. واشتملت على أساطير رمزية مثل القدرة على تحويل المعادن إلى ذهب عن طريق حجر الفلاسفة. وقد ألهم الخيميائيون مخيلة الفنانين فرسموهم فى لوحات. ومنهم الفلمنكى الباروكى «فان ماثيوس هيلمونت»، ولوحته «الخيميائى فى المعمل»، والتى تصور أحدهم داخل معمل ريفى فوضوى، مع مساعده، وكلب جالس على القش، بينما يتفحص هو إحدى القوارير. ورسمه فى لوحة أخرى ككهل بلحية بيضاء متفحصا قارورة فى الضوء، وفى ثالثة وهو يتصفح إحدى المخطوطات، وعلى الأرض فوضى من الأوانى. وفى لوحة رابعة يظهر خيميائى عجوز يتفحص كتابا، ويمسك قارورة ومعه أربعة مساعدين منهم امرأة. كذلك رسم الفنان «دييفيد تينيريز الأصغر» فى القرن السابع عشر الخيميائيين فى عدة لوحات، وكلها تصور الحالة نفسها من أشخاص يطقون لحاهم، وينهمكون فى مشاهدة تجاربهم، وسط أجواء فوضوية.  

■ الفلكي من اعمال الفنان الهولندي فيرميير

◄ استعادة

منذ عصر النهضة استعاد الفنانون عناصر الحضارتين الإغريقية والرومانية، وضمنها العلماء، وهو ما استمر حتى حقبة الكلاسيكية الجديدة. وحظى عالم الرياضيات «فيثاغورث» بوضع متميز لأهميته فى تاريخ العلم. وهو الذى عاش بين القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، وبرع فى الفلك والموسيقى والفلسفة، كما كان أول إغريقى يتكلم عن كروية الأرض. وقد رسمه «سلفاتور روزا» فى لوحة بعنوان «فيثاغورث يخرج من العالم السفلى» عام 1661. وتصوره يبعث من قبره. والتى يمكن تفسيرها بالرجوع إلى حياة «فيثاغورث» وعقيدته فى تقديس الأرقام، كمادة وأساس للخلق. وهو ما جعله يمزج العلم بالطقوس.

■ جاليليو جاليلي بريشة بيتر بول روبنس في القرن السابع عشر

كما أحاط به أتباع اعتقدوا بقدرته على الإتيان بالخوارق مثل ترويض الأعاصير، ووقف الأوبئة. لكن نهايته كانت مأساوية، حيث تآمر عليه بعض من تلاميذه المطرودين، وأشعلوا النار فى بيت كان يجتمع فيه مع أتباعه. وتمثل اللوحة اعتقاد بعض أتباعه بأنه سيعود من العالم السفلى بعد الموت. كذلك حظى العالم اليونانى «أرخميدس»، باهتمام كبير لإسهاماته فى علوم الرياضيات والفيزياء والفلك خلال القرن الثالث قبل الميلاد. وقد صوره «جوزيبى دى ريبيرا» عام 1630 فى بورتريه شخصى، ممسكا قلما وورقة، ويتطلع بابتسامة. وهو الآخر قتل، ولكن على يد جندى رومانى خلال حصار موطنه «سرقوسة» فى صقلية، رغم الأوامر بعدم إلحاق الأذى به. وقد صوره عدد من الفنانين بأشكال مختلفة ومنهم الفنان «دومينيكو فيتى» من حقبة الباروك. 

◄ اقرأ أيضًا | نابليون ونهاية الإقطاع.. أشهر الحروب التاريخية في العصر الحديث| صور

■ لوحة أنطوان لوران لافوازييه وزوجته للفنان جاك لوي ديفيد

◄ زمن الاستكشاف

فتح تطور العلوم الآفاق أمام المنافع الاقتصادية. ولذلك احتفى فنان العصر الذهبى الهولندى «فيرمير» فى القرن السابع عشر بعلمى الفلك والجغرافيا من خلال لوحتين شهيرتين. فبفضلهما تمكنت الأساطيل الهولندية من تكوين إمبراطورية اقتصادية امتدت من شرق آسيا إلى إفريقيا والعالم الجديد. ولوحتا «فرميير» هما «الفلكى»، و«الجغرافى» المشابهتان، من حيث الحجم والخلفية التى هى بيت «فيرميير»، والمألوفة فى لوحاته. كما استعان الفنان فيهما بشخص واحد، يرجح أنه عالم البصريات «أنطونى فان ليفنهوك» صديق الفنان. وينظر الجغرافى داخل لوحته نحو النافذة، متأملا الأفق، بينما ينظر الفلكى فى نموذج للكرة الأرضية، وكأنهما تبادلا الأدوار، أو يتكاملان معا حيث لا غنى للمستكشفين والبحارة عن الخرائط ولا علم الفلك ليشقوا طريقهم فى البحار. وهما تحية للعلمين اللذين أديا إلى رخاء وازدهار بلاده، رغم أن هذا جاء على حساب استغلال واستعباد بشر آخرين.

■ لوحة تجربة على طائر في مضخة للفنان الإنجليزي جوزيف رايت القرن الثامن عشر

◄ علم التشريح 

اهتم الفنانون منذ عصر النهضة بعلم التشريح لتطوير فنهم، واعترافا بفضله فى تطوير الطب. وضمن ذلك رسم الفنان «رامبرانت» من العصر الذهبى الهولندى لوحة «درس التشريح للدكتور نيكولاس تولب». وتظهر الطبيب يقوم بتشريح عضلات الذراع لجثة أمام موظفى بلدية أمستردام وبعض الأطباء من أعضاء نقابة الجراحين، والذين دفع بعضهم المال للفنان، لتشملهم اللوحة.

وهى تصور حدثا وقع يوم 16 يناير 1632، حيث كان الدكتور«تولب»، يقوم بمحاضرة تشريح فى مناسبة سنوية. وكان يشترط أن تكون الجثة لمجرم تم إعدامه. وفى تلك الفترة كانت دروس التشريح بمثابة فعاليات جماهيرية، تتم فى قاعات للمحاضرات، أمام دارسين وعامة بعد دفع رسوم للحضور. وكان الجميع يرتدون أفخر الثياب لحضور المناسبة المهيبة. والجثة المشرحة هى للمدان بتهمة السطو المسلح «أريس كندت»، والذى أعدم شنقا قبل يوم من عملية التشريح. ورغم أن الحدث حقيقى، لكن الصورة ليست واقعية، لأن التشريح فى ذلك الوقت كان يبدأ بالبطن والأحشاء لأنها أول ما يتفسخ، وكانت الأطراف تترك للنهاية. لكن «رمبرانت» لم يستسغ رسم الجثة مفتوحة البطن، ما كان سيجعلها منفرة.

ظهر علم التشريح أيضا فى أكثر من عمل للفنان الأمريكى «توماس إيكينز» أواخر القرن التاسع عشر. ومنها لوحة «عيادة جروس» التى تصور محاضرة للجراحة يلقيها الدكتور «صمويل جروس». ولوحة «عيادة أجنيو» التى تصور عالم التشريح «ديفيد هاينز أجنيو» خلال محاضرة عملية داخل قاعة دراسة. كذلك له لوحة بعنوان «هنرى رولاند» تصور العالم الفيزيائى، وهو يمسك بيده شبكة حيود صممها بنفسه. وحفر الفنان على الإطار العريض معادلات ورسوما بيانية.   

■ لوحة عيادة جروس للفنان الأمريكي توماس إيكينز القرن التاسع عشر

◄ تاريخ العلم

في عام 1868 رسم الإنجليزى «جوزيف رايت» لوحته الشهيرة «تجربة على طائر فى مضخة الهواء». وتصور تجربة علمية داخل منزل، يراقبها أفراد أسرة، تتباين ردود فعلهم، بخصوص الطائر الذى منع عنه الهواء، وبدأ بالموت، قبل أن يعاد ضخ الهواء له. وتؤرخ اللوحة لنوع من النشاط العلمى خلال القرن الثامن عشر، حيث كان بعض العلماء يحملون معداتهم، ويقدمون عروضا علمية للجمهور على سبيل التثقيف، والتسلية. وكان الفنان نفسه عضوا فى جمعية علمية، تدعى «القمر»، وكانوا يجتمعون شهريا لمناقشة الموضوعات وإجراء التجارب. وكان من أعضائها «جيمس واط» أحد أهم مطورى المحرك البخارى، والعالم والشاعر «إيراسموس داروين» جد العالم الشهير «تشارلز داروين».

ومن الموضوعات التى اهتم بها الفنانون أيضا اللحظات التاريخية الفارقة فى حياة العلماء. ومنها «محاكمة جاليليو» خلال القرن السابع عشر. وكانت المؤسسة الدينية لا تزال تفرض سلطتها على العلم. وفى تلك الفترة أثبت «جاليليو» مركزية الشمس، وليس الأرض، مخالفا بذلك ما قال به علماء اليونان، وتبنته الكنيسة كعقيدة، واعتبرت من يقول بغيره كافرا. وهو ما عرض جاليليو للوقوف أمام محاكم التفتيش، بعد نشره كتاب «الرسالة الفلكية». وقد أدانت المحكمة الكنسية «جاليليو» بالهرطقة، وحكمت عليه بالسجن، ووضع فى الإقامة الجبرية بقية حياته. 

■ لوحة فيثاغورث يخرج من العالم السفلي للفنان سلفاتور روزا

وكان العالم «نيكولاس كوبرنيكوس» قد سبق بالقول بمركزية الشمس، قبل نحو قرن، وكان راهبا وعالما، لكنه لم ينشر أبحاثه إلا قبل وفاته بأيام، فنجا من المحاكمة، وهو الآخر حظى باهتمام الفنانين، باعتباره مؤسس علم الفلك الحديث، كما فى لوحة الفنان «يام ماتيكو» «أحلام كوبرنيكوس» التى رسمها فى سبعينيات القرن 19 فى الذكرى 400 لميلاد العالم. وقد تبين فى خمسينيات القرن الماضى أنه اعتمد على منجزات بعض علماء العالم الإسلامى، وأبرزهم «ابن الشاطر» الذى نقل منه حرفيا بعض الموضوعات دون الإشارة له.

ومن العلماء الذين احتفى الفن بشخصهم «إسحق نيوتن» أبو الفيزياء الحديثة التقليدية الذى غير النظرة للعالم، وفتح الباب أمام أغلب الاختراعات التى نعرفها. وقد قام عدد من الفنانين بتخليده فى لوحات وتماثيل منها لوحة «نيوتن فى مكتبه» للفنان البولندى «إينوك سيمان».