لا يَحلو البحر إلا فى سبتمبر، فى السماء خُلق السحاب وطيور مُهاجرة من بعيد تبحث عن دفء آمن قبل عواصف الشتاء.
فى طفولتى -كما يفعل الإسكندرانية دائما- كنت أنتظر سبتمبر، يُسَميه الغرباء الخريف ونُسَميه الربيع، يرحلون فنغلق باب الدخول ونُعلق لافتة «ممنوع الإزعاج» لنبدأ موسم الاستماع إلى البحر فى هدوء وصفاء، الاستمتاع بهذا اللون الأزرق ورائحة تُشبه أحلام الطفولة، حيث نتوقع أن يُخرج الساحر من البرنيطة السوداء أرنبا أبيض وحمامة.
بحر سبتمبر لا يُحِب الغرباء لكنه يُرَحب بالعشاق والمجاذيب والذين يرتعشون من صوت الموج ولسعة البرد من شباك موارب.
كنت -وما زلت- أتصور البحر فى سبتمبر رجلا عجوزا يتوضأ فإذا صلى عاد إلى سيرته الأولى عروس البحر شابة وحلوة ولامعة.
يتحمل البحر فى الصيف آثاما عظيمة ويحمل مهمة مستحيلة فى أن يُذيب كل أحزان الناس وهمومهم وشكاواهم، يُخفيها فى قاع عميق لا تعود ولا تُفشى سرا.
مَن أفهمَ الناسَ أن تلك مهمة البحر؟
ولكن ملايين الناس لم يسألوه ولَم يستأذنوه.. فأصبح صامتا صبورا.
لا يضحك البحر إلا فى سبتمبر، تعود له عافيته فيضرب سوارى المراكب وينحت فى الصخر ويرسل مِلحه إلى واجهات البيوت.
العارفون بالبحر يغسلون أجسادهم فيه ويغرزون أقدامهم فى سبتمبر، ينتظرون الغروب المبكر ويتأملون فى الأفق كأنهم يقرأون فنجانا ويَتلون قصائد.
تبدأ قصص الحب فى سبتمبر على أمل أن تكتمل القصص تحت المطر ورومانسية البرد، على أمل أن تتحول البدايات الخجولة إلى لمسة يد وقبلة مخطوفة.
البحر
خَلَق الله البحر حُراً.. وسبتمبر هو موعد إطلاق سراح كل نقطة فيه لكى تَفْرَح وتَمرح وتَكتب حروفا صغيرة على كل شاطئ.
هذه الشواطئ التى كانت صاخبة مُكدسة مُهانة تصبح مُبدعة وهى تستقبل زائرا مُحبا يجلس متجها إلى البحر مكتفيا بكرسى صغير وقهوة وموسيقى وكتاب.
يحب البحر هذا النوع من زواره.. فيحتفى بهم احتفاء خاصا، أنا والبحر فى سبتمبر أصدقاء عُمر، حيث نَقْطف معا أول سحابة ممطرة وأول ثمرة برتقال وأول شمس تأتى فى منتصف النهار دون أن نهرب منها.
سبتمبر بالنسبة للبحر ليس مجرد شهر.. إنما موعد مُتفق عليه يأتى بعد صَبر مذهل.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







