ريمى تارجوف
ترجمة: د. محمد عبدالحليم غنيم
كنت طالبة فى جامعة ييل فى أواخر الثمانينيات حين وقعت فى حب أدب عصر النهضة. وفى فصل دراسى بعنوان «أهم الشعراء الإنجليز»، تعرفت على إدموند سبنسر وجون دون وجون ميلتون.
درست شكسبير فى قاعات محاضرات كبيرة وفى ندوات صغيرة؛ قرأت الكثير من السونيتات. لكن عندما تخرجت من قسم اللغة الإنجليزية، لم أكن قد قرأت كلمة واحدة كتبتها امرأة قبل القرن التاسع عشر. كما لم أتخيل أن هناك شيئًا يمكن قراءته. أخذت كلام فرجينيا وولف على محمل الجد عندما أخبرتنى فى «غرفة خاصة بالنساء» أن أى امرأة لم يكن بإمكانها أن تصبح كاتبة فى إنجلترا فى عصر شكسبير.
لقد أكدت لى ست سنوات قضيتها فى دراسة الدراسات العليا هذا الانطباع. هناك، انغمست فى دروس المسرح فى عصر النهضة، وتعلمت عن الإصلاح الدينى، والإصلاح المضاد، وهوس السحر.
قرأت الخطب، والرسائل السياسية، وكتب الصلاة، وسرديات الرحلات. لكن عندما حصلت على الدكتوراه فى عام 1996، لم أكن قد قابلت كاتبة واحدة من عصر النهضة.

وكان جزء من هذا خطأى. لم أسأل أيًا من أساتذتى عما إذا كان من الممكن إدراج أى امرأة فى المناهج الدراسية التى تقتصر على الذكور.
ولكن حتى التسعينيات، كانت أغلب كاتبات عصر النهضة غير منشورات، أو نفدت طبعاتهن، أو ظهرن فى كتب تحجب هوية المؤلفات.
لم يُعاد إصدار «مأساة مريام» (1613) لإليزابيث كارى إلا فى نسخة علمية طبق الأصل عام 1913؛ وظهرت قصائد إيميليا لانيير «سالفى ديئس» لأول مرة بعد أكثر من 300 عام تحت العنوان المضلل «قصائد سيدة شكسبير المظلمة»؛ وكانت مزامير مارى سيدنى قد نُشرت فى القرنين التاسع عشر وأوائل العشرين تحت اسم شقيقها أو مع اسمها مُدرجًا تحت اسمه. صدرت مذكرات آن كليفورد المبكرة فى طبعة ساكفيل ويست عام 1923، لكن كتاباتها الذاتية الأخرى لم تكن متاحة.

ثم تغير كل شىء. وبفضل العمل المذهل الذى قامت به الباحثات والمحررات النسويات فى العقود القليلة الماضية، أعيد إحياء كاتبات عصر النهضة من بين الأموات. فقد طُبعت نسخة كاملة من مذكرات السيدة آن كليفورد لأول مرة فى 1990، و«كتب السجل العظيمة» فى 2015؛ ونسخة نقدية من «سالف ديوس» لأميليا فى 1993. و«مأساة مريام» ومذكرات بناتها عن حياتها فى 1994؛ والأعمال الكاملة لمارى سيدنى هربرت، كونتيسة بيمبروك، فى 1998. بدأت المقالات والكتب العلمية حول النساء ومعاصريهن فى الظهور. وُلد مجال جديد. ولكن ما لم تكن فى جامعة يعمل فيها أحد على هذا الموضوع، كان من الممكن تمامًا ألا تسمع شيئًا عنه.
اليوم تغير الوضع فى كثير من النواحى. هناك مختارات من كتابات النساء تتضمن مواد تتجاوز بكثير القصائد والمسرحيات، وتمنح القراء فرصة الاطلاع على الرسائل والصلوات والكتيبات والمذكرات والرسائل المنزلية وكل أنواع الكتابات العرضية التى كتبتها نساء لم نسمع بأسمائهن من قبل. وفى الفصول الدراسية، تظهر النساء الآن بشكل متكرر فى المناهج الدراسية المخصصة لأعمال الرجال. ولا شك أن الوضع تحسن منذ أن كنت فى جامعة ييل قبل 35 عامًا.
مع ذلك، عندما سألت صديقة شابة تدرس المأساة فى جامعة كمبريدج فى عام 2021 إذا كان بإمكانها الكتابة عن مسرحية إليزابيث كارى، أخبرها أستاذها أنه لم يسمع بها من قبل.
ولحسن الحظ، منحها الإذن - وربما فى المرة القادمة سيشمل «مأساة مريام» فى دوره– لكن هذه الحكاية ليست غير معتادة. لا يزال العديد من المتخصصين العاملين فى هذا المجال لا يدرّسون أى شىء كتبته نساء عصر النهضة.
فى المجال العام، نادرًا ما سمع الكثيرون عن نساء فى هذه القصة، وبالتالى – وربما الأهم من ذلك- من النادر أيضًا أن يعرفوا شيئًا عن كيفية عيش المرأة فى إنجلترا فى زمن شكسبير.
من المهم أن نؤكد أن هؤلاء النساء قادرات على مواجهة نظرائهن من الرجال. ومن الأسئلة التى تُطرح على كثيرًا عندما أتحدث عن الكاتبات: هل هن جيدات؟ وبصرف النظر عن الإساءة التى ينطوى عليها السؤال، والافتراض الكامن وراءه، من المهم أن نؤكد أنهنّ بالفعل «موهوبات» بمعايير الأدب: إيميليا لانيير ومارى سيدنى شاعرتان بارعتان، إليزابيث كارى كاتبة مسرحيات من الدرجة الأولى، وآنى كليفورد واحدة من أعظم كاتبات اليوميات فى ذلك العصر.
لا تتوقف القائمة عند هذا الحد. فقد اخترت هؤلاء النساء الأربع لتأسيس كتابى «أخوات شكسبير: أربع نساء كتبن عصر النهضة»، ولكن هناك الكثير من النساء الأخريات اللاتى يستحققن اهتمامنا. ففى أثناء طفولة مارى سيدنى، نشرت إيزابيلا ويتنى، وهى امرأة عملت لفترة كخادمة ووصفت نفسها بأنها «سليمة الجسد والعقل، لكنها ضعيفة الحال جداً»، كتابًا من قصائد الحب ومجموعة ثانية من الشعر والنثر فى عام 1573.
كانت آن فوجان لوك، معاصرة ويتنى، كاتبة دينية فى منتصف القرن 16: بروتستانتية عاطفية فرت إلى جنيف هربًا من الملكة الكاثوليكية مارى الأولى. ترجمت لوك خطب كالفن إلى الإنجليزية وكتبت تفسيرًا للمزمور 51 فى شكل 21 سونيتة، وكلاهما نُشر دون اسم فى عام 1560. وبعد 400 عام تم الاعتراف بها كمؤلفة.
فى جيل إليزابيث كارى وآنى كليفورد، جاءت ابنة أخت مارى سيدنى، السيدة مارى ورث، التى اتبعت طريق عمتها. نشرت ورث روايتها «أورانيا كونتيسة مونتجمرى» فى عام 1621، وكانت أول رواية نثرية تنشرها امرأة إنجليزية.
تضمنت هذه القصة المعقدة شخصيات كانت متخفية بشكل فضفاض عن معاصرى ورث، ما خلق فضيحة فى البلاط دفعت ورث إلى الادعاء بأنها لم تقصد أبدًا نشر الكتاب. ألحقت مجموعة ورث المكونة من 103 سوناتات وأغانٍ. لأول مرة فى تاريخ الأدب الإنجليزى، اعتمدت امرأة شكل السوناتة الشهير، لكنها عكست أدوار الجنسين بحيث أصبحت الآن الشاعرة تصف حبها غير المتبادل لحبيبها الذكر، وليس العكس.
إذا ألقينا نظرة أبعد قليلًا، برزت كاتبتان مهمتان. مارجريت لوكاس كافنديش، وهى مثقفة متحمسة نشرت ما لا يقل عن 14 كتابًا بين عامى 1653 و1668 -تتراوح فى أنواعها بين الفلسفة الطبيعية والسخرية والشعر والمسرحيات والرومانسية ــ واشتهرت بروايتها الخيالية العلمية «العالم المشتعل». وتركز القصة على المغامرات بين المجرات التى تخوضها امرأة غارقة تصبح إمبراطورة لأرضها الجديدة.
وبعد عقد أو نحو ذلك من ظهور أعمال كافنديش المطبوعة، ظهرت أول كاتبة محترفة حقًا على الساحة. ولدت أفرا بيهن حوالى عام 1640 لأم مرضعة ومصفف شعر، وعاشت لفترة فى مستعمرة سورينام الهولندية قبل أن تصبح جاسوسة لتشارلز الثانى فى أنتويرب.
وبسبب أجرها غير الكافى -ربما قضت بعض الوقت فى سجن المدينين- أخذت بيهن قلمها لكسب عيشها من خلال الكتابة. بدءًا من عام 1670، كتبت ما لا يقل عن 19 مسرحية عُرِضت على مسرح لندن.
كان أشهر أعمال بيهن روايتها، أورونوكو، التى تحكى قصة أمير أفريقى اختطف وبيع فى سوق العبيد. واستنادًا إلى تجارب بيهن الشخصية فى المستعمرة، اتخذت الرواية موقفًا يعتبر مناهضًا للعبودية بشكل جذرى.
من المغرى أن نتخيل حال بهين أو أى من النساء الرائعات الأخريات اللاتى حذون حذوهاــ فانى بيرنى، ومارى ورتلى مونتاجو، ومارى وولستونكرافت، على سبيل المثال لا الحصر، كان بوسعهن الوصول بسهولة إلى أعمال أخواتهن من الكاتبات فى عصر النهضة.
ولم يكن بوسع أجيال من الكاتبات اللاتى جئن بعدهن الوصول إلى أعمالهن؛ بل اضطررن بدلاً من ذلك إلى اللجوء إلى الانطواء على أنفسهن بحثاً عن الإلهام دون نماذج يحتذين بها أو يتفوقن عليها. ولكننا نستطيع الوصول إليهن. وبوسعنا أن نستمع إلى كلماتهن ونتعلم دروسهن، وكلما تمكنا من اكتشاف المزيد من هذه الأصوات، أصبح تاريخنا أكثر ثراءً.
وظيفة الشاهد
ليست مجرد محاكاة للماضى: كتابة رواية تاريخية بأسلوب جديد
راهب بيت لحم







