ستظل القراءة ملاذى الوحيد، ليست قضاء وقت، فوقتى لا يكفى مشاغلى وهمومى. ولكنها تُشكِّل إطلالة على عوالم لا تحظى باهتماماتنا اليومية. ومنها الريف المصرى، ولأننى ابن ريف لا أكتفى بالكتابة عنه ولكنى أحب القراءة عن أحواله. ورغم حياتى فى المدينة سنوات فإن إحساسى الريفى يسيطر علىَّ.
ما إن وجدت بين يدىَّ الرواية الجديدة لمحمد المنسى قنديل، حتى تركت كل ما فى يدى وقررتُ قراءتها. ومحمد المنسى قنديل روائى تخرَّج فى كلية الطب، ولكن هواية القراءة والكتابة أخذته من الطب. مع أن الطبيب يتعامل مع المرضى. أى أنه يواجه بشرًا يمرون بظروفٍ صعبة. وفى ظل هذه الظروف العصيبة تتجلى إنسانية الإنسان.
المؤلف طبيب، ولكنه اعتزل الطب وتفرَّغ للكتابة الأدبية. وكان قد سبقه فى هذا الدكتور يوسف إدريس الذى ما إن نشر مجموعته القصصية الأولى حتى تفرَّغ للكتابة، وكان يخيل إلى عندما ألتقيه أنه نسى الطب، رغم أن الطب كان موضوعه الجوهرى فى الكتابة.
صدرت له رواياتٌ منها:
- قمر على سمرقند، ويومٌ غائب فى البر الغربى التى وصلت إلى القائمة القصيرة فى الجائزة العربية للرواية 2010، ورواية كتيبة سوداء. كما صدرت له عدة مجموعات قصصية، منها: ثلاث حكايات عن الغضب، ولحظة تاريخ: قصص من التراث.
وروايته الجديدة: طبيب أرياف، تُمثِّل تجربة مُغايرة فى كتاباته. فهو فى هذا النص يقف أمام العالم الخلفى للريف المصرى. ويحاول اختراق القشرة البدائية التى تُحيط به والتى تراكمت على مدى آلاف السنين. وفى قصتنا هذه نُقابل طبيبا شابا يعمل فى الريف. ويتعرض لتجربة قاسية فى بداية حياته. فيُقرِّر أن يأخذ أموره بيده ويبدأ رحلة جديدة إلى قرية مُنعزلة بصعيد مصر.
وأنا هنا أتوقف مندهشًا لأن المؤلف من الوجه البحرى، ربما يكون قد عاش فى الصعيد فترة من الوقت وأنا لم أعرف. لأن دِفء حكاياته عن الصعيد يوحى بعملية وصول إلى ما بين الغلافين فى هذه الرواية الجديدة التى تقع فى أكثر من 280 صفحة من القطع المتوسط، وكتبها صاحبها فى عزلة وباء كورونا.
ومن الطبيعى أن يُعانى هذا الطبيب من الوحدة قبل أن يجد نفسه مُتغلغلاً فى الحياة اليومية للقرية الصغيرة الراقدة من الصحراء. إن الطبيب الذى يُعانى من الوحدة والغُربة يكتشف أنه وقع فى غرام المُمرِّضة التى تعمل معه. وليت الأمر وقف عند الهموم الشخصية،
فـ»طبيب أرياف» تجربة طبيب يكتشف أن القوانين البدائية مازالت سائدة، وأن هناك سُلطة مُطلقة تعتمد عليها وتستمد قوتها من جذورٍ بعيدة فى الحياة اليومية. إن رواية المنسى قنديل الجديدة التى صدرت منها طبعتان فى عامٍ واحد تستمد قوتها من القُدرة على تصوير حالات الحب والرغبة واليأس. إنها تحكى لنا عن قرية يُمكن أن نقول إنها تختزل العالم، يتصارع فيها القدر والبشر والقوى الحاكمة. وتمتلئ ذاكرتها الخفية بطبقات الزمن المصرى الاشتراكى. وهى خاصية نجدها فى أعمال المنسى دائمًا وأبدًا.
يبدأ روايته هكذا:
- حقول سوداء على مدى البصر، أرضٌ محروقة تتصاعد من شقوقها أدخنة فى خطوطٍ مُتعرجة. كأنها بقايا معركة تم حسمها. أتأملها مفزوعًا، ما الذى أحضر الحرب إلى هذا المكان؟ أسمع صوت الفلاح الجالس بجانبى أحس بحيرتى دون أن أتكلم، أسمع من يقول هذه بقايا القصب يا بيه، بعد أن يتم قطعه نقتلع جذوره، نُلقيها فى الأرض ونحرقها. هذا الرماد الأسود هو أفضل سماد طبيعى.
ويكمل:
- تظل السماء رمادية وخالية، تتجمع السُحب وتكتسب لونًا قرمزيًا. لم أكن أريد الوصول فى الظلام، ولكن الأوتوبيس يواصل زحفه البطىء، تركتُ بيتى مُبكرًا، وتنقَّلت بين قطارات وسيارات أجرة. وأخيرًا نصحنى جميع من فى الموقف بركوب هذا الأوتوبيس المتداعى. يطلقون عليه اسم: «أحلاهم»؛ لأنه أفضل من الحمير وسيارات الأجرة المُكدسة.
بالإضافة إلى أنه أملى الوحيد فى الوصول إلى هذه القرية النائية. أغفو للحظات ثم أنتفض مستيقظًا، أرى هامات النخيل على البُعد وهى تواصل الاقتراب، ثم تبدأ البلدة الكابوس فى الظهور.
إنه العالم الخاص بمحمد المنسى قنديل منذ روايته الأولى وحتى روايته الأخيرة. وإن كنتُ أعتقد أنه كتب بعدها عملاً آخر ولكن لم ينشره بعد.

أنباء متفائلة.. ولكن (٢)
السلام المطلوب!
الاتفاق وشفرة الأذرع الإيرانية!





