اليوم الثاني
ربما كانت أكبر همومي أن تتعطل الغسالة، أو تدبير أمور الأولاد في إجازة منتصف العام ؛ وما يترتب على ذلك من اصطحابهم في الصباح إلى منزل والدتي قبل أن أذهب إلى العمل والعودة لأصطحابهم مرة أخرى بعد انتهاء العمل،
أحياناً تلح علي أمي ويصر أبي على بقائهم يوماً أو يومين، وقد ينجح الأمر أحياناً وفي أحيان أخرى تنقلب الصغيرة على الجميع وتظل تبكي حتى أذهب وآخذها وأعود بها إلى المنزل، كان والداي يشفقان علي من هذه المرمطة على حد تعبيرهم، ولكن هل هناك حلٌ آخر؟
مرتبي ومرتب فائق بالكاد يكفينا، ورغم كل التدبير والحرص فإننا قد نجد أنفسنا مكشوفين في مواجهة الظروف الطارئة، مرض يحتاج إلى دواء باهظ الثمن أو إصلاحات ضرورية في الشقة، الحقيقة إن مرور شهر يخلو من مثل هذه الظروف يعد نعمة كبيرة من الله سبحانه و تعالى.
نسيت نفسي، نسيت أنني إمرأة، لا أخفيكم سراً لقد كدت أفقد إحساسي بالأنوثة، تراجع اهتمامي بتناسق ألوان ملابسي، كماليات كالكريم المرطب للبشرة وشامبوهات الشعر الجيدة أصبحت من الماضي، الخروج في نهاية الأسبوع أصبح مرة واحدة في الشهر وغالباً ما يكون زيارة عائلية، نهاية الأسبوع فرصة للراحة والنوم وإعداد طعام الأسبوع والغسيل ونظافة المطبخ والحمام وترتيب المنزل، عشت في دوامة جعلتني شبه غائبة عن الوعي حتى حدث مالم يكن في الحسبان.
فائق، رغم عطفه ومساندته إلا إنه في الآونة الأخيرة بدأ يسرب بين كلماته بعض الملاحظات السلبية، ملاحظات يغلفها الضحك والابتسامة، لم ألق لها بالاً في البداية ولكنها تكررت أكثر من مرة، ملاحظات حول قوامي، حول هندامي حول ملابسي، بدأت أشعر بتغيير قادم ولاح في الأفق أن فائق غير راضٍ، أدركت أنه يريد أن ينبهني ولكن دون أن يجرح شعوري، ولكنه قد جرحني بالفعل، ليس فقط لأنه خدش شعوري كأنثى بل لأنه جحد كل ما أفعله بطيب نفس وخاطر من أجل أسرتنا، كان من الممكن أن أحتفظ لنفسي براتبي وأن أنفق على مظهري وعلى رونقي، لكني آثرت أن أكون عوناً له في خضم واقع متوحش يفترس أيامنا وأحلامنا وعافيتنا ونضارة شبابنا.
كلمات تسري ناعمة بنعومة رهف سكين ماضٍ يمزق مشاعر الطمأنينة والأمان والثقة التي طالما كانت أهم لدي من كل ماديات الحياة، أردت أن أبكي أو أختلي بنفسي أفرج عن همي الجديد الذي تضاءل معه هم الغسالة وهم الأمراض ورحلة العمل سيراً على الأقدام و دراسة الأولاد، ولكن تصوروا ... ليس لدي برحة من الوقت ولا المكان كي أفرغ فيهما لوعتي وحزني، ولأول مرة أشعر إنني محاصرة، نعم محاصرة، لا يوجد مكان أستطيع أن ألجأ إليه سوى مخدعي الذي ارتوى من دموعي وصوت أناتي المكبوتة حتى يحل الإجهاد و النصب فيغتالا يقظتي وأغيب عن الوعي بدلاً من أن أخلد إلى هذه النومة الهانئة التي كنت أحظى بها كمكافأة على ركضي الطويل من الصباح حتى المساء.
ولكن هل هذا هو كل شئ، لا، لقد أدركت أن فائق لا يدخل إلى السرير قبل الواحدة صباحاً، لقد كان أرقي سبباً في اكتشاف انفراد فائق بنفسه ساعات طويلة بعد دخولي إلى غرفة نومي، لا صوت تليفزيون في الصالة ولا صوت راديو، لا يوجد صوت على الإطلاق، فقط فائق وهاتفه.
لم يكن ينقصني سوى الشك، لقد زرع الشك في نفسي كل مخاوف النساء على وجه الأرض، الخوف من الخذلان، الخوف من تفكك أركان الحياة، الخوف من أمر ما مجهول يزرع الرعب في نفسي وتتسارع معه دقات قلبي كما لو كنت أواجه وحشاً كاسراً على وشك أن يلتهم أحلامي وسعادتي وراحة بالي.
بدى التغير علي، ذبل وجهي وأحاطت الهالات السوداء جفوني وفقدت ما تبقى من بريق باهت على وجهي، لاحظ الجميع التغيرات التي طرأت علي، زميلاتي في المكتبة، جاراتي اللاتي أقابلهن صدفة في مدخل العمارة، أبي وأمي، كثرت التساؤلات ولمح أبي في عيني حزن دفين، كان حساساً في شعوره ناحيتي، شعر أن هناك خطب ما وأن مبرراتي عن الإجهاد والمهام الكثيرة التي أقوم بها ما هي إلا حجة مني لمداراة آلامي، لم يضغط علي و لكنه ألمح لي أنه غير مرتاح وطلب مني أن أتحدث إليه عندما أكون مستعدة لهذا الأمر.
أطال الله في عمرك يا أبي، كم جميل أن تكون صديقي فهذه نعمة كبيرة ولكن هذا الوقت مبكر جداً على البوح، بالرغم من ألمي إلا إنني أتمسك بأمل أن تكون هذه التغيرات التي طرأت على فائق مجرد سحابة صيف تمر، وأن أستطيع خلال الأيام القادمة أن أبذل بعض الجهد كي أعيد فائق الذي عرفته طوال عمر زواجنا، محب حنون عطوف متعلق بي و بأسرته.
كدت أن اقع في خطأ غالبية النساء وأن أبدأ في لوم نفسي وتحميلي كل المسئولية عن تغيره، أو أن أبدأ في لومه هو و تحميله كل المسئولية عما وصلت أنا إليه، الحقيقة هي ببساطة عدم إدراك كل منا أن الحياة لا تستقيم بدون براح من القرب بين الزوجين وأن إهمال الزوجة لزوجها لا يعادله في جسامة الخطأ سوى إهمال الزوج لزوجته و تركها فريسة لمفرمة البيت الهادرة التي لا تتوقف عن التهام صحتها و شبابها.
حزني كبير لكن أملي أكبر، حبي كبير ولكن صدمتي أكبر، وما بين الحب والصدمة والواجب قررت أن أخطو خطوات في سبيل صيانة بيتي و الحفاظ على حياتي و على زوجي.
يتبع

«ضيفة غامضة» قصة قصيرة للكاتبة مارا أحمد
«إقرار» قصة قصيرة للكاتب محمد عاطف الجندي
«ورد الجلنار» قصيدة للشاعر عاطف الجندي







