قضية ورأى

الإعلام الغربى وازدواجية المعايير

حمادة شعبان
حمادة شعبان


لا شك أن هذه الذئاب هى شخصيات إرهابية تُنفذ عمليات ضد أشخاص أبرياء لم يضروهم بشىء. 

أعاد حادث الطعن الذى شهدته مدينة «زولينغن» الألمانية فى 23 أغسطس الماضى إلى الأذهان حوادث الإرهاب المسماة «الذئاب المنفردة» التى تعتبرها التنظيمات المتطرفة استراتيجيتها فى نقل معاركها من الشرق إلى الغرب. 

والذئب المنفرد هو شخص يقوم بمفرده بعمل إرهابى دون تنسيق مع أى تنظيم أو جماعة، بل وفى أغلب الأحيان يكون غير منتم تنظيميًا لأى فصيل إرهابي، إنما تأثر بالخطاب الإعلامى لتنظيم بعينه ونفذ عملية باسمه، وأعلن ذلك قبل التنفيذ بدقائق للرأى العام عبر أى وسيلة من وسائل التواصل، أو سجل فيديو يُنشر عقب التنفيذ مباشرة، فى مشهد يسلط الضوء على الجانب السلبى لهذه المواقع. 

ولا شك أن هذه الذئاب هى شخصيات إرهابية تُنفذ عمليات ضد أشخاص أبرياء لم يضروهم بشيء، بل الأغرب من ذلك أنهم ذو عقول مغيبة. فشاب ينفذ عملية ضد أناس أبرياء فى «ألمانيا» ويعلن أنه أقدم على ارتكاب هذه الجريمة نصرة للمسلمين المضطهدين فى دولة أخرى، منخدعًا بخطاب إرهابى يستغل قضايا عالمنا الإسلامى لإثبات وجوده على يد هؤلاء المغيبين.

وكون هذا الشخص أو الذئب المنفرد إرهابيًا أمر لا يختلف عليه أحد، فالأزهر الشريف وحكوماتنا وشعوبنا العربية والإسلامية تدين مثل هذه العمليات وتبرأ ساحة الدين منها. 

وعندنا فى مصر ننظر إلى حوادث الطعن جميعها باعتبارها عمليات إرهابية راح ضحيتها أبرياء لا نصنفهم وفقًا لعرق أو معتقد أو لون... لأنهم فى النهاية بشر جمعتهم الحياة تحت مظلة الأخوة الإنسانية، وجمعهم القتلة تحت مظلة ضحايا الإرهاب. 

لكن المعضلة الحقيقية تتجلى فى بعض الحكومات وبعض وسائل الإعلام الغربية التى غالبًا ما تُفرّق بين حوادث الطعن وفقًا للمعتقد الدينى للطاعن والضحية. وهذا اتضح فى كثير من الحوادث. فإن كان القاتل ينتسبُ إلى الإسلام فهو إرهابي، تُسرد سيرته ويبحث عن جذوره، فنقرأ عبارات مثل فرنسى من أصولٍ أفغانية، وإسبانى من أصول مغربية... وإن كان غير مسلم تُعطى فرصة للتحقيقات تأخذ مجراها الطويل فى البحث والتحرى والذى دائمًا ما يثبت ــ بعد نسيان الحادث أو تذكره بصعوبة ــ أنه عمل إجرامى وليس إرهابيًا، فى مشهد يُجسد مقولة شيخ الأزهر أحمد الطيب «لسنا نفهم الفرق بين إرهابٍ يرتكبه مُنتمٍ للإسلام فيُضاف على الفور إلى الإسلام والمسلمين، وبين إرهابٍ يرتكبه مُنتمٍ إلى أى دين آخر فيُوصف فورا بأنه متطرف يميني، كما أننا لا نفهم كيف لا يوصف هذا الهجوم بأنه إرهاب ويقال: إنه جريمة». 

وتتضح ازدواجية المعايير هذه فى عديد من الحوادث. فالتناول الإعلامى الغربى على وجه العموم والألمانى على وجه الخصوص لحادثة الطعن سالفة الذكر يختلف تمامًا عن التناول الإعلامى لقضية طعن طبيبة الأسنان التونيسية فى «ألمانيا» فى بداية هذا العام، التى طعنها شاب لا تعرفه ولا يعرفها، وذكر شهود عيان أنه مزق حجابها قبل أن يطعنها، ولم تذكر وسائل الإعلام أن هذا عمل إرهابي. الأمر ذاته مع حادث الطعن الذى تعرض له شاب سورى على يد شاب ألماني، وقالت الصحف أن دوافع الشاب ليست إرهابية، فى حين أنه انتقى شابًا سوريًا ليقتله. 

مثل هذا التناول الإعلامى إنما يدل على ازدواجية معايير مقيتة، تفرق بين الناس حتى فى القتل الذى هو أبشع أنماط الظلم، وتعرض المظلوم لظلمين الأول أنه طُعِن وهو بريء لم يقترف إثمًا والثانى ضياع حقه ومحاباة المعتدى عليه، فى مشهد يتنافى مع جميع القيم الإنسانية والأخلاقية.
عضو هيئة تدريس بكلية اللغات والترجمة

مشرف بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف