«بقايا دمعة» قصة قصيرة للأديبة الدكتورة إيمان إسماعيل

إيمان إسماعيل
إيمان إسماعيل


ارتدت ثوبها الأنيق بلون عينيها .. لم تعتد وضع مساحيق التجميل .. فقط تكحلت ووضعت القليل من أحمر الشفاه، وارتدت حجابا باللون الأبيض أضفى عليها مزيدا من الوقار والأناقة .. وتعطرت بعطر الياسمين الذي كانت تعشقه.

أخذت نفسا عميقا ونظرت لنفسها نظرة أخيرة في المرآة وابتسمت ابتسامة رضا وتوجهت إلى صالة الأفراح .. فاليوم مميز لها .. زواج صديق طفولتها صاحب عمرها وما لا يعلمه الكثير أنه صاحب قلبها أيضا ..

اليوم هى ليست ضيفة مميزة ولكنها المضيفة .. رسمت بسمتها الهادئة المحببة لدى الجميع .. ظلت ترحب بالجميع في ود وحب يظهران دفء قلبها .. كانت بعبيرها المميز وثوبها الأخضر تبدو كبستان ياسمين يتهادى ويهادى الجميع من دفئه وعطره ..

ذهبت تحتضن العروس  في حب صادق وفرحة من القلب فهى أصبحت صديقتها المقربة أيضا، وألقت السلام على صديقها تمازحه وضحكا ثلاثتهما وظلا يرقصون سويا يتقاسمون فرحة اليوم المميز .. واستأذنت ضاحكة وانتبذت مكانا يبعد عن الجميع ..

ظلت تطيل النظر إليه .. إلى قسمات وجهه .. ضحكته التي طالما أحبتها .. لازال يعشق المزاح .. لازالت عيناه يسكنهما الدفء ذاته .. لازال حنونا كما كان دائما.

تستجدى قلبها أن يوقف سيل الذكريات .. يأبى أن يرحمها معلنا نوبة ألم جديدة اعتادت عليها مذ بدأت معه تجهيزات العرس ..

تشعر بغصة تعتصر قلبها كما لو أراد الهروب من قفصه وسجانه .. تشعر بثقل أنفاسها وكأنها تترنح وجسدها يتهاوى ..استندت إلى احدى المقاعد .. سقط آخر حصونها .. فانهمرت دموعها كالبركان يحرقها أو أنها كانت تحترق منذ سنوات دون أن تدري..

اقرأ أيضًا| «أوان التوت» قصة قصيرة للكاتب محمد كمال سالم

تركت لأحلامها الخيال وذهبت معها .. كم ظلت عمرا كاملا تتمنى أن تحيا معه هذه اللحظات .. كم كانت تود أن تكون هي زوجته المحبة جدا ..

تخيلت أنها تعد له الطعام الذي يحبه وتنتظره عائدا من العمل .. يجلسان سويا .. يتحدثان .. يضع رأسه على رجلها كما لو كان طفلها المدلل وتداعب خصلات شعره بيدها وهو يقص عليها يومه بعيدا عنها كم كان صعبا حتى رآها ..

وربما جلست تدلك قدميه بالماء والملح بعد يوم عمل طويل وشاق .. يقرآن أحد الكتب المفضلة لديهما .. أو يجلسان سويا يحتسيان كوبا من الشاي على نغمات أم كلثوم ..

يغدق عليها بكلمات الحب .. يبثها شوقه في قبلة وعناق .. ينام الليل بين ذراعيه في سكون ..وتشرق الشمس بدفء عينيه في هدوء ورحمة ..

فقد اتفقا طيلة حياتهما ضمنيا على كل شيء كما لو كانا روحا واحدة وانقسمت ولكنهما لم يتفقا أن تجبرها الحياة على الزواج بآخر منذ سنوات وأن ترحل بعيدا ثم تعود وقد فقدت كل شيء حتى روحها ..

واستفاقت من شرودها على يد صغيرة تشد ثوبها وصوت يناديها ( ماما)

هنا عادت إلى حياتها من جديد .. حياة ليست كالحياة ..

مسحت دموع عينيها أو خبأتهم بقلبها لحين إشعار آخر .. نظرت إلي تلك المرأة التي تبدو جميلة في المرآة وبداخلها شروخ لا تندمل .. عدلت ثوبها. .. استعادت رونقها .. رسمت على وجهها ذات الابتسامة الهادئة وارتسمت على وجهها السعادة الباكية وعادت لترقص على بقايا دموعها.