«سفر العاشقين 3» قصة قصيرة للكاتب محمد نبيل محمد

محمد نبيل محمد
محمد نبيل محمد


ما زال يغني...

 

صاحب ليلة سمراء هلالها ما زال طفلًا وتوحد معها وكأنها ليلته وحده.. لم يكن يدري أهكذا البشر يمشون مساءً.. إنما هو كأنه يطير بجناحين كالطيور الذائبة في الفضاء.. أو كأنه وترًا في معزوفة الطبيعة الساحرة الدافئة يردد معها ألحانًا فرحة تداعب أغصانها فتتمايل رقصًا، ويصدح مع بلابلها الكلاسيكية وكأنه واحد في صفها

يسمع صدى يأتيه من قريب.. من داخله: واثق الخطوة يمشى ملكًا... وكأنها كتبت له وتتشابك جفونه طربًا ويميل بقمة رأسه قليلًا لينام على خياله الذي رسمه بجوار ذاك الهلال الصغير، فلديه قناعة أنه بطل هذه الأغنية، ويسرح بليلته بعيدًا حتى يناجى حبيبتيه معًا، هما أمامه الآن في الفضاء الرحيب..

إحداهما اسمها "حاء" يراها عالية فوق التل تداعب سحب الثلج الأبيض كعروس كانت لها السماء طرحة زفاف..

تناجيه: انتظرتك طويلًا منذ خلق الحب لنا.

ويردد هو: لم تكن لحواء أمى نصيب من البنات غيرك.

فتغمض طرفها سحرًا وفتنة بقده وبكلام، تصمت، فتتنهد إعجابًا وتبرق له: وأنت ارتسمت صورتك في عينى قبل أن تنفخ الروح في الخلائق.

يراها شاهقة، دائمًا ما يناطح بخياله السماء بحثًا عن ألقها الآخاذ.

اقرأ أيضًا|  «عزيزي المواطن» قصيدة للشاعر غريب الشعراوي

والأخرى اسمها "باء" ثابتة واثقة متجذرة الأصول الآدمية من صفات الأديم السبع كان قوامها، ومن طبقات التاريخ كانت حكمتها.

تقول مرتكنة على جبل: إلىَّ حتمًا ستعود، أنا أصلك وفصلك.

فيلبى مشدودًا: لبيك يا أولى وآخرة... مغموس أنا فيكِ حتى اختلط مائى بثراكِ.

وهو ما بين وديان الباء الرحبة المتشوقة لمائه وبين فضاء الحاء المحتضنة الحانية بقمة رأسه... يذهب ويجيء.

ليت إلهه هواه.. ليته يجد ضالته.. تراه سيظل مشدودًا بين الأرض وسماه.. ليته كان (اثنين)..

لارتاح وامتلك إرادته...

لكنه متأكد من أنه ما زال يغنى يمشى ملكًا… فكأن حواراته لم تكن للعشق!!