إبراهيم المطولى
اعتاد أبى دائمًا أن يحكى...
صباحًا وهو يعمل أجيرًا فى أرض الناس.. يوقف طوريتَه على سلاحها المعدنى ويستند على اليد الخشبية كعكّازٍ.. ويحكى، عصرًا وهو جالس تحت شجرة التوت أمام حوزة أمّه الطين.. يحكى، ليلاً على المصاطب أمام البيوت.. يحكى.
يصير أكثر فصاحةً كلما أوغل الليل، أحببت الجلوس مع المستمعين إليه كلما سنحت لى الفرصة، حيث تنفتح علينا كوّة مِن خياله الذى لا توقفه حدود الواقع، فيمزج حكاياتِه عن عفاريت مَن ماتوا فى المعارك الغابرة، والأشباح الباكية للأطفال الذين دُهِسوا تحت عجلات الجرارات الزراعية بحكايات أبناء الليل ومحترفى القتل والباحثين فى باطن الأرض عن أثار الأجداد، يسحر المستمعين إليها، فيطيلون الجلوس طلبًا للمزيد.
فى الصباح وبعدما ألقى للبهائم أكلها يتأمل أثار على الطين، يخمن أنها أقدام ذئاب مرت من هنا ليلا، هى تشبه أثار الكلب إلا أن الأرجل الأمامية تكون ناقصة الإبهام، حيث يكون مرفوعًا دومًا عن الأرض أثناء مشيه، فيظل مكانه على الطين فارغًا، يشغله هذا الحيوان، رآه مرارًا وهو يمر ليلاً، فأعجبته هيبته، يشبه الكلب كثيرًا إلا أنه رفض مصاحبة الإنسان وصار حُرًا.
ولأن أبى يقدر القوة يستدعى عقله دائمًا أسطورة حفظها منذ سمعها طفلاً، يستدعيها كلما رأى آثار حيوانه المفضل على الأرض، وهى أن الذئب أقوى حيوان خلقه الله، حتى إنه يأتى يوم القيامة، حيث ينفخ الملك الموكل فى الصور، فتهبُّ رياحٌ قوية، تقلع الأشجار وتهزُّ أركان الجبال. لن يبقى إنسان ولا حيوان ولا نبات. تزول الحياة، وتندثر البشرية، إلا الذئب.. سيبقى متشبثًا بالأرض، غارسًا مخالبه فى تربتها، مُقاومًا، مُعاندًا، حتى تسلخ قوة الرياح جلده من ذيله إلى فروة رأسه! وحينها يقول: يا رب.. لو كنت أعلم أنى أقوى الحيوانات قاطبة.. ما تركت إنسانًا على وجه الأرض.
أحيانا ينسى إننا بجواره ويفكر بصوت عال متمنيا أنه لو يملك القوة الكافية لمحا العديدين الذين لا يستحقون الحياة من مجال رؤيته اليومية. فلديه الكثير من الأسباب التى يجلبها من داخل قلبه تجعله غاضبًا على الدوام.
يتذكر حينما كان فى حرب اليمن، خطب فيهم قائدهم وقال إنهم هنا لينشروا الحرية، ويقضوا على أتباع الملك، لكن الناس هناك لا يبدون مهتمين لذلك أو لا يعرفونه أصلاً، فكل ما يتمنونه هو السلاح الذى يحمله الجنود. ما إن تغلق عينك حتى ينقضوا ليقتلوك ويأخذوا سلاحك.
اقترح على زملائه وضع حجارة صغيرة فى علب الأكل الصاج وإحاطة المعسكر بها فى حبل طويل، لو زحفوا ليلاً سيستيقظ النائم، ليلة بعد ليلة يتوقعون صليل الحجارة فى الصاج، حتى حدث فعلاً، صوب سلاحه فى ناحية الصوت وضغط، توقف الحجر فى علبته فتوقف هو عن الإطلاق، استيقظ زملاؤه مذعورين، وقف شعر الرأس واقشعر الظهر، وضرب القلب ضرباته الزائدة، عند أول خيوط النور نظروا وجدوه، ليس بشرًا كما توقعوا بل ذئب، حيره شعوره وقتها، فقد ملأه الحزن عليه.
فى ليالى (الحنة) التى تسبق يوم زفاف العرائس، يجلس الرجال فى الطرق على حُصر افترشوها بعدما جمعوها من عند الجيران، يشربون حتى درجة الغياب، حتى الخفر الموكلون بحفظ النظام ومنع الأخطاء من الحدوث يغضون الطرف، بل ربما قبلوا فى امتنان وهم يمرون سيجارةً مُدت إليهم وقد أعيد تشكيلها لتحوى فى داخلها مادة الأحلام السعيدة.
فى الليالى التى كهذه يدخل أبى مبتهجًا، يجذبه من أطراف جلبابه كثير من الرجال وقد تحلقوا فى جلسات دائرية، فى محاولة ضمه إليهم، ربما فازوا بواحدة أو أكثر من حكاياته، ويبدأ الحكى والشرب، يحاولون جعله يتخفف فى شربه، فهو ومع إفراطه فى الشرب.. تعلو من أعماق خلف حافة وعيه أحزانه التى كتمها داخله طويلًا، ربما هو غضبه من الآخرين الذين لا يقدر عليهم، أو كلمات أمى له عن فشله فى كل مناحى الحياة، أو فقره الذى اجتهد طويلاً بالتخلص منه ولم يتخلص منه، فيبكى! يبكى كثيرًا بلا مبرر واضح للناس، بينما تكون الموسيقى فى أوجها وضحكات الرجال توقظ الأطفال الصغار فى أحضان أمهاتهم داخل البيوت، ورجال الترمس والبيرة والفول السودانى يجتهدون فى عد حصيلة الليلة رغم تشوشهم العقلى.. يبكى.
صار معروفاً عنه فى مثل هذه الليالى أنه إن سكر يبكى، يعكر صفو القعدة التى فيها قليلاً فيرسلوه لبيته، تستقبله أمى بالكيفية التى تستقبله بها الآن، ولكنى هذه المرة كنتُ وحدى مِن مريديه، حيث بدا مختلفًا.. بدا خائفًا:
الوقت كان بعد انتهاء صلاة الفجر، الناس وطيورهم وبهائمهم يتحضرون لليوم الجديد، حينَها ضرب هو باب البيت بقوة، فزعت أمّى، قالت بصوتٍ متوجس وحروفٍ ممطوطة: «مين؟» فردّ هو بصوتٍ منهَك: «افتحى».
أزحتُ الغطاء عن وجهى، فرأيتها تقوم مسرعةً ترفع النبّوت الذى يسند الباب مِن الداخل، وجذبتْ ضلفته إليها، فتململت المفصلات الصدئة. دخل حافيًا على قدميه الكثير من طين الأرض، ألقى بنفسه على الحصير، سألته: «مالك؟» رفع كفه فكان منديله ملفوفاً حولها مشبعاً بالدماء، غطّته باللحاف وهى تدمع.. فسحَبه على صدره وحواليه.
مع مرور الوقت وسيطرة النهار على الليل هدأ قليلًا، سألته ثانيةً عمّا حدث له، أجاب: «كنت هموت الليلة عند الفُتح».
وبدأ فى روايته لها، الحكاية التى سيكررها لأيامٍ كثيرةٍ مقبِلة، بصيغٍ عديدةٍ ومختلفة، لكنها الآن طازجة، لم يبلور عقلُه الأحداثَ بدراميته الخاصة بعد، ولم يتسَنّ له إعادة صياغتها بالطريقة التى يحِب، لذا جاءت ملغِزةً وغير واضحة.. مغبّشة كما هو العالم الآن أمام البيت: موقع حقلنا فى نهاية المرعى الكبير والمسمّى بـ (المَلَقة)، ما جعل حصته فى الماء تأتى غالبًا فى الليل، وفى الليل.. يكون لزامًا على مَن يروى أرضه أن يذهب ليتفقد المَجرى الذى يجلب الماء إلى حقله كل عدة ساعات، كى لا يغيّر مسارَه أحد، فالماء الذى يعطى الحياة للأرض شحيح هنا، ويزداد شُحه مع الأيام، لدرجة أن المدرج الرخامى الذى يحدد نسبة ارتفاع المنسوب والذى يصعد إلى أعلى على شكل زجزاج محفور فى الرخام، صار معلقا أعلى الجرف.
أبى يمشى على الجسور الموازية للخلجان، مستدِلاً بذاكرته النهارية فى ليلةٍ شَح فيها ضوء القمر، وهو يمسِك بعصًا فى يده، يتحسس بها المساقى على الجانبين، يتحاشى أماكن الطين والشوك والأحجار التى وضِعت كعلاماتٍ للحدود بين الجيران؛ حفظًا للحقوق.
توقف عن حكيه، طلب كوبًا من ماء، شَرب ووضعه على مقربة منه، ثم أكمل: إنه وبينما يتفقد سير الماء لم يكن يعلم أنه يذهب إليهم ويقترب منهم، خانه قلبه هذه المرة، وهو الذى ينبّئه دائمًا قبل ظهور العفاريت والذئاب ورجال الليل.
ينتهى مجرى الماء بفتحةٍ صُنِعت من طوبٍ أحمرَ قديم وأسمنت، منذ زمنٍ بعيد، حتى أن البعض يُرجِع أصلها لزمن الاحتلال، مرسوم عليها مقياس الماء هذا. بجوارها فتحات لمَراعٍ أخرى، يُطلِق الناس على هذا المكان الذى يبدو نشازًا وسط الطين والزرع اسمَ (الفُتح).
والفتح كانت مسرحَه فى حكايته الأخيرة هذه. الليل هادئ حتى أنك لتسمع مص جذور الزرع للماء، والبذور وهى تزيح عن نفسها الطين لتخرج للعلن، ينحنى على حافة الفتحة، يُزيل عوالق مِن ورد النيل والطحالب، وما حمله الماء من العِزب التى مَر عليها، والتى تنجذب إلى الفتحة بقوة السحب فيها، تقلل منسوب الماء المار إلى (الملقة)، يقيم ظهره ليريحه من الانثناء للأسفل وحينما لمح ضوءَ كشّافٍ بعيد حاول أن يستبين القادم.. متوقعًا أنه رجلٌ مِن مرعىً آخرَ، جاء يتفقد الفتحة الخاصة به، كما يفعل هو الآن، ربما يكون له سابق معرفة به، وحينَها سيلقى القادم التحية «سلام عليكم يا أبو أحمد» سيقولها قويةً وعالية كما يليق بالليل، وسيردّ أبى بالطريقة نفسها، وهنا يشعر الاثنان بأمانٍ داخلى غير واعٍ حتى لهما أنفسهما.
لكنه ومع اقترابه رأى العينين اللامعتين والأنف الطويل. إنه ذئب. ذئب كبير فى حجم الحمار، الجرى لن يفيد، لذا وجبت عليه المقاومة. هجم الحيوان فتلقاه على سلاح طوريته. وقف ثم هجم من جديد، رافعًا مخلب قدمه الأمامية، أمسه أبى من قدمه وطوح به فى الهواء فاستقر بعيدا، وعندما أيقن من قوته تركه بعدما أحدث بمخالبه خدشًا طوليًا فى كفه.
كأنما منحه إذنًا بالعيش لأيامٍ أخرى، فلا يتذكر إنْ كان مَشى بصورةٍ عادية، أم أنه جرى، ربما حاول المشى ثم جرى، لكن المؤكد أنه سمِع صوت احتكاك معدن لسلاحٍ نارى جعل الليلَ مخيفًا أكثر مما هو فى الواقع.
عندما وصل إلى حقله تَخطّى فى عَدْوِه جَوالاً قديمًا يضع فيه قوالح ذرة جافة لصنع الشاى، ونسى أين يضع بُلغتَه فأكمل حافيًا، حاول التذكر أين رمى عصاه.. لكنه لم يتذكر.
حتى اقترب مِن البيوت، ونبحت الكلاب، خفّف مِن جريه، وأمام الباب ضرب عليه بقوةٍ تعادل نبض قلبِه، ودخل البيت يحمل الكثير من خوفه والكثير من الطين، ثم نام.
الآن صار لديه متسعٌ من الوقت ليفكر إنْ كانت امرأةً فعلاً، أم هو كيس كبير من أى ممنوعات أخرى.
أصابته حُمّى لم تستمر طويلًا، ولكنه لزمَ الفراش زمنًا بعدَها، لا يقوى على السير، أتى مِن الجيران مَن يزورونه، يسلّمون عليه ويجلسون، يتطلعون إلى ما فوق رأسه؛ حيث صورة فى إطارٍ خشبى معلّقة يجلِسنى فيها على ركبته، بألوانٍ يغلب عليها البنّى الخفيف، كَتب فى أسفلها بخطّه المنمق: (للذكرى الخالدة).
يحكى لهم كما اعتاد دائمًا أن يفعل، حتى كفّ زوّراه عن المجىء، لكنه ظل يحكى... لجيرانه فى الأسرة المجاورة بالمستشفى، ولنا حيث أمى لا تخفى تأففها، ولنفسه، ولأناسٍ يراهم ولا نراهم نحن، حتى جاءه جارنا المُسِن يستند على عصاه، وقال له:
انت مَسّك عفريت يا محمد.
بعدَها جرّبت أمّى معه العديد من الأعشاب والتعاويذ، ووضعِ الأحجبة الحامية فوق صدره، فى رقاده الطويل باعت أمى كل شىء يمكن بيعه، وهو ما زال يحكى، باع قراريطه القليلة، ثم ضاع ثمنها على الأدوية والفاكهة التى يشتهيها فى غير موسمها، لكنه لم يكفّ عن الحكى حتى مات راقدًا على حصيرِةٍ بينما يتكلم بصوتٍ خفيضٍ لا تستبين لنا أحرفُه.
زاد
الحبُ
ناظم حكمت






