تقنيات سرد ما بعد الحداثة فى الرواية العربية الجديدة

صورة موضوعية
صورة موضوعية


إبراهيم أردش

من يونيو إلى أكتوبر 2023م، أى نهاية الربيع والصيف كاملًا وبداية الخريف، الفترة الأكثر سخونة فى العام، وفى غرفة تضرب الشمس سقفها وجدرانها (الشمالى والجنوبى والغربي) وتمتد حرارتها لتلامس الجدار الشرقى والأرضية وأنا كائن يعشق الشتاء والبحار والهواء، هذه كانت الأُطر الزمنية والمكانية التى كتبت فيها دراستى (تقنيات سرد ما بعد الحداثة فى الرواية العربية الجديدة «التمثيلات السردية فى الألفية الثالثة») كنت خارجًا للتو من مناقشة رسالتى الماجستير والتى حدثت وقائعها يوم الخميس 1 يونيو 2023م، فأردت كتابة عمل أتجاوز فيه الملحوظات التى وجهت لى من قبل لجنة المناقشة.

سأعود بكم شهرًا إلى الوراء؛ ففى مطلع مايو من العام نفسه أعلنت دائرة الثقافة بحكومة إمارة الشارقة عن فتح باب التقديم للدورة 27 بجائزة الشارقة للإبداع العربى وكان عنوان حقل النقد (التقنيات السردية فى رواية ما بعد الحداثة) فوجدتها فرصة سانحة لكتابة عمل بحثى كبير عن الرواية؛ فأطروحتى للماجستير كانت حول الشعر وإن كنت ألعب فى منطقة متأرجحة هى السرد الشعري، وفرصة أخرى هى الدخول إلى عوالم سرد ما بعد الحداثة، بعد المكوس طويلًا فى السرديات البنيوية التى رأيت أن الوقت حان لأتجاوزها.

أنا الآن فى مجموعة من التحديات مع نفسي..

 أهلا بى فى رحلتى مع الرواية الجديدة.

هذه الرحلة التى ظننت أننى أحزم الحقائب لها منذ تسع سنوات، أدرس فيها الأدب واللغة والفلسفة والتاريخ والفن؛ لأصدم بأن هناك الجديد الذى لم أكن أعرفه، وهناك الذى قرأته سلفًا لكن لم أنتبه له، وأن الرواية أكبر من التقنيات التى أعرفها عنها، لقد خُلخلت مفاهيمى المتجذرة حول الرواية وحول الأدب والإبداع عمومًا، ومع ذلك كنت سعيدًا بتلك الخلخلة المعرفية والمفاهيمية، التى أبصرت من خلالها عوالم رحبة.

رتبت الحقائب المشتملة على المفاهيم النظرية وآن اختيار رفقاء الطريق الروايات التى سأدرسها وهنا تكمن صعوبة الاختيار؛ فأنا أريد روايات تجريبية تتجاوز الأنموذج التقليدى وكذلك الحداثي، روايات تمتلك طابعا منفردًا، وكذلك لا بد أن ينتمى أصحابها إلى أجيال مختلفة وأقطار متنوعة وخبرات متباينة وفنيات متشعبة، الآن تذكرت رفقاء كنت أتسلى معهم؛ فأتيت بروايات كنت قرأتها قبل ذلك من باب إمضاء الوقت، لكنى لاحظت أن تقنيات ما بعد الحداثة متوفرة فيها وبكثرة وببراعة لم أقف أمامها طويلًا فيما مضى، ثم تعرفت إلى رفقاء آخرين قبل أن أنطلق معهم فى الرحلة، وخلال الطريق كان يستوقفنى بعض الرفقاء إلى نهاية الرحلة، وحتى إلى الآن هناك رفقاء من النصوص تمنيت لو كانوا معى فى هذه الرحلة الشيقة ومع ذلك كانت هناك روايات وظفت تقنيات سرد ما بعد الحداثة لم تركب معنا وهناك روايات أنزلتها فى الطريق؛ لأننى وضعت شروطًا منهجية قاسية لى وللنصوص التى سترافقنى وهذا لا يعيب النصوص التى لم تستكمل معى الطريق.

جهزت حقائبى ووضعت مخطط الرحلة وعرفت طبيعة الرفقاء سواءً من كان معى قبل الانطلاق أو الذى أنتظره فى الطريق، وفى الرحلة قابلت تحديات وتحديات، ليس فى البحث عن التقنيات التى تتخذ طبيعة خاصة فقط وليس بناء الكتاب وتنظيمه أيضًا، لكن كان التحدى الأكبر كيف أكتب خيالًا على خيالٍ، فلم أرد أن يكون كتابى رصدًا لتقنيات وإعادة عرضها، بل أريد أن يستمتع القارئ المستقبلى بالنص والنقد معًا، أريد من القارئ أن يستشعر أن ثمة شيء مختلف عن مجرد البحث عن ظواهر، لكن كانت الأزمة أن عدد الرفقاء من النصوص كثير وبالتالى الموضوعات والرؤى كثيرة، بل ومتضادة أحيانًا؛ فأغراض الكتابة مختلفة، فكان التحدى الحقيقي، كيف أروض خيالى ليتم تفعيله على التبدل المزاجى بعد محاورة كل نص، ودمج هذه المحاورات مع بعضها بأسلوب متناسق، لقد كان التحدى كبيرًا وشاقًا، لكن الرحلة كانت ممتعة وشيقة أسفرت عن كتاب وقع فى 64998 كلمة و435 صفحة رغم أننى لم أرد أن يصل كتابى إلى هذا الحجم، لكن طبيعة الموضوع والروايات المدروسة هى التى فرضت عليّ ذلك، لقد حذفت كثيرا مما كتبت بطيب نفسٍ حتى لا أكرر ما لا داعى له واختصرت ما رأيت أنه يحتمل الاختصار، بل إن هناك ما لم أكتبه بعد حول هذا الموضوع وما زلت أطمع فى رحلات أخرى ورفقاء آخرين وقدامى من نصوص بديعة.